All commentaries

اللباب في علوم الكتاب

Ibn ʿĀdil

ابن عادل الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ)

Language, law and argument of the earlier books in one reading.

An-Nisāʾ 4:14 Juzʾ 4 Page 79

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

Read in the muṣḥaf
اللباب في علوم الكتاب Ibn ʿĀdil

لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيبا في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المواريث؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.

وقيل: إشارة إلى كلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللهِ: الأحكام التي ذكرناها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار؛ لأنَّها تميزها من غيرها.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

قيل: مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.

وقال المحقِّقُون: بل هو عام؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.

قوله: ‏‏‏‏‏ حَمَلَ على لفظ «مَنْ» ، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ و ‏‏‏‏‏ وعلى معناها، فجمع في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني: الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وه شروط مذكورة في كتب النحوِ.

قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ في نصبه وجهان:

أظهرهما: أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في ‏‏‏‏‏ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.

والثَّاني: أن يكون نَعْتاً ل ﴿جَنَّاتٍ﴾ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً، نحو: مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف «قائمة» وحسن وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبَسْ.

وَأمَّا الكوفيين فيفصِّلون، فيقولون: إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين؛ نحو: «زيدٌ عمرو ضاربُه هو» ، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو: «زيدٌ هندُ ضاربُها» ، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.

واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: 53] بجر «غير» مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال: غير ناظرين إناه أنتم.

ومنه قول الآخر: [البسيط]

1767 - قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ ... بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ

ولم يقل: بَانُوهَا هُمْ.

وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره: هم بتنوها ف «قومي» مبتدأ أوَّلٌ، و «ذُرا» مبتدأ ثان، و «هُمْ مبتدأ ثالث، و» بانوها «خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.

وقد منع الزمخشريُّ كون» خَالِدينَ «و» خَالِداً «صفةٌ ل» جَنَّاتِ «و» ناراً» ؟ قلت: لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنَ الضَّميرِ في قولك: «خالدين هم فيها» ، و «خالداً هو فيها» .

ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع» خالداً «ولم يتعرض لذلك مع» خالدين «ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.

وقرأ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا» نُدْخِلْهُ «في الموضعين، وفي سورة الفتح [الآية 17] وفي سورة التغابن [الآية 9] والطلاق [الآية 11] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.

فإن قيل: كيف جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين؟ .

فالجواب: قالوا: لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناشب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةٍ ل «جنات» ، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد» دخل «من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به؟

الأوَّل: قول الجمهور.

والثاني: قول الأخفش، فكذلك ﴿جَنَّاتٍ﴾ ، و ‏‏‏‏ .

فصل

قالت المعتزلةُ: هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النّار؛ لأنَّ قوله ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصًّلاة فدلّت هذه الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ: هذا مدفوع من وجهين:

الأوَّلُ: أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.

الثَّاني: أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.

وأجيب بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول: هذا العموم مخصوصٌ بالكافر لوجهين:

الأوَّلُ: أنا إذا قلنا لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة «من» في معرض الشَّرط تفيد العموم؟ قلتم: لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [منه، والاستثناء] يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يختص بالكافرِ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَالُ: ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله: الإتيان بجميع المعاصي محال قال: ةذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول: ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.

والوجه الثاني: في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله: «ويتعد حدوده» لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم: تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.

قلنا: هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [يكون] بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [يكون] بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللهُ من المواريث.

فصل

قال ابن عبَّاسٍ: الإضرار في الوصيَّة من الكبائر؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.

وفي الحديث «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [اللهُ] بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة» .

وفي الحديث: «مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللهُ ميراثه من الجنة» والزيادة في الوصيَّة تدل على الحسرة وذلك من أكبر الكبائر.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة.

وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في إحكامه محاباة.

وأيضاً فلا يجعل أمر الله بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.

قوله: ‏‏‏‏ جمع «التي» في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً.

وقال أبُو البَقَاءِ: «اللاتي» جمع «التي» على غير قياس.

وقيل: هي صيغة] موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة: ثلاثة عشرَ لفظة، وهي: اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللاء من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و «الأُلى» كقوله: [الطويل]

1768 - فَأمَّا الُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ ... فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا

إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع «الَّذي» و «اللاَّاتِ» مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله: [الطويل] 1769 - أولَئِكَ إخْوَانِ] الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ ... وأخدّانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالكَتَمْ

برفع اللاَّءات.

قال ابن الأنباريِّ: العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: 5] .

وقال في هذه الآية: اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ: كما فعلت الهندات التي من أرمها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ «اللاتي» قولان:

أحدهما: الجملة من قوله: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو: «زيدٌ فاضرِبْ» على رأي الجمهور؛ لأن المبتدأ أشبه الشرك في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة.

الوجه الثاني: أنَّ الخبر محذوف، والتقدير: «فيما يتلى عليكم حكم اللاتي» فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إلى مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: 2] ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [المائدة: 38] ، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله: «فاستشهدوا عليهن» «فاجلدوا» دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له.

والقولُ الثاني: أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما نذكره، والتقدير: اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله: «فاستشهدوا» فتكون المسألةُ من باب الاشتغال؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط ولا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعنمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فه ما قبله هذا ماق اله بعضهمْ، ويقرُب منه ماق اله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال: وإذا كان كذلك، أي: كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشرط لا يجوز وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله «فاستشهدوا» ؛ لأن «استشهدوا» لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في «اللاتي» ، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا.

والثَّاني: أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعَهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ لا قَبْلَهُ، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا؟ .

فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: 16] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله؛ قال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: 16] الاختيار عند سيبويه في «اللذان» الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال: «والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمار فعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله:» لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره «فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار.

فصل

قال القرطبيُّ: الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة: الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ ابن مسعود» بالفاحشة «بباء الجرِّ وقوله:» من نسائكم» في محلِّ النصب على الحال من الفاعل في «يأتين» ، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي: ياتين كائناتٍ من نسائكم.

وأما قوله: «منكم» ففيه وجهان:

أحدهما: أن يتعلَّق بقوله: «فاستشهدوا» .

والثاني: أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل» أربعة «فيكون في محل نصبٍ تقديره: فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.

فصل

معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال: أتيت أمراً قبيحاً، أي: فعلته قال تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: 27] وقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مريم: 89] وقال ابن مسعود» بالفاحشة «هي الفعلة القبيحة.

قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ: فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنت لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ.

فإن قيل: الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمَّى ذلك فاحشة؟

فالجوابُ من وجهين:

الأوَّلُ: أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ويُقْدِمُ عَلَيْهِ] وَيُوَافِق على فحشه.

الثاني: قال ابن الخطيب إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ.

فصل في شهود الزنا

قوله: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أي: من المسلمين فجعل الله الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد.

وقال القرطبيُّ: وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النور: 4] وقال هنا: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله: جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام:» ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ مِنْكُم» ، فَأتَوْهُ يابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا: كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ؟ قَالا «نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مَثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَال: فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا؟ قَالاَ: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الشُّهُودَ فَشَهشدوُا أنَّهُم رَأوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فقِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بِرَجْمِهِمَا» .

وقال قومٌ: إنَما كان الشهود فالزِنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا.

فصل

قال جمهورُ المفسرين: المراد من هذه الآية أن المرأةَ إذا أتَت الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ: المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: 16] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ: الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه:

أحدها: أن قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مخصوص بالنّسوان وقوله:

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: 16] مَخْصُوصٌ بالرِّجال؛ لأنَّ قوله «اللذان» تثنية المذكر.

فإنْ قيل: لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله: ﴿واللذان﴾ الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر.

فالجوابُ: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: 16] سقط هذا الاحتمال.

وثانيها: أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد مهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل.

ثالثها: أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في الزنا، وقوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النساء: 16] في الزِّنَا أيضتً فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواجد مرتين، وإنَّهُ قبيح، وعلى قولنا لا يفضي إلى ذلك فكان أولى.

رابعها: أنَّ القائلين بأنَّ هذه الآية نزلت في الزِّنَ فسروا قوله: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بالجلد والتغريب والرّجم، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ هذه الأشياء تكون عليهنّ لا لهُنَّ، قال تعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: 286] وأمَّا نحن فنفسِّرُ ذلك بتسهيل الله لها قضاء الشَّهوة بطريق النِّكاح.

قال أبُو مٌسْلِمٍ: يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكرنا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا أتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإذَا أتَت الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ فَهُمَا زَانِيَتَان» . واحتجُّوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه:

الأوَّلُ: أنَّ هذا قول لم يقله أحدٌ من المفسّرين المتقدّمين.

الثَّاني: أنَّه روي في الحديث أنَّهُ عليه السَّلام قال: «قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الثَّيِّبُ تُرْجَمُ وَالْبِكْرُ تُجْلَدُ» وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الآية نازلة في حقِّ الزُّنَاةِ.

الثَّالث: أنّ الصحابة اختلفوا في حكم اللِّواط، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدَّةِ احتياجهم إلى نَصٍّ يدلُّ على هذا الحكم من أقوى الدَّلائل على أنَّ هذه الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم عن الأوَّل بأنَّ هذا الإجماع ممنوع، فلقد قاتل بهذا القول مجاهدق، وهو من أكابر المفسرين، وقد ثبت في أصول الفقه أنَّ استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز.

والجوابُ عن الثَّاني أنَّ هذا يفضي إلى نسخ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وإنَّهُ غير جائز.

وعن الثَّالِثِ أن مطلوب الصَّحابة أنَّهُ هل يُقام الحدُّ على اللوطي وليس في هذه الآية دلالة على نفي ولا إثبات فلهذا لم يرجعوا إليها.

فصل

المرادُ من قوله: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أي: زوجاتكم لقوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المجادلة: 3] وقوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [النساء: 23] [من نسائكم] وقيل: أي: من الثيب. وقوله: «فأمسكوهن» أي احبسوهنّ في بيوتكم، والحكمة فيه أنَّ المرأة إنَّمَا تقع في الزِّنَا عند الخروج والبروز، فإذا حُبِسَتْ في البيت لم تقدر على الزِّنَا، وتعتاد العفاف عن الزّنا.

قل عبادة بن الصّامت والحسن ومجاهد: كان هذا في ابتداء الإسلام حتى نسخ بالإذى الّذي بعده، ثمَّ نسخ ذلك بالرّجم في الثيّب.

وقيل: بل كان للإيذاء أولاً ثمَّ نسخ بالإمساك، ولَكِنَّ التلاوة أخرت.

وقال ابن فورك: هذا الإمساك والحبس في البيوت كأنَّ في صدر الإسلام قبل ان يكثر الجناة. فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذوا لهم سجناً، قال ابن العربي فإن قيل: التوفي والموت بمعنى واحد، فيصير التَّقدير: أو يميتهن الموت.

فالجوابُ، يجوز أن يريد يتوفاهن ملائكة الموت بقوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النحل: 28] أو حتّى يأخذن الموت.

فإن قيل: إنكُمْ تفسِّرون قوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والْبِكْرُ تجلد، وهذا بعيد؛ لأنَّ هذا السبيل عليها لا لها، فإنَّ الرَّجم أغلظ من الحبس.

فالجوابُ: أنَّ النَّبي - عليه السَّلام - فَسَرَ السّبيل بذلك في قوله: «خذوا عني خذوا عني قَد جعل اللهُ لهن سبيلاً، الثَّيِّبُ بالثَّيب جلد مائةٍ ورجم بالحجارة، والبكرُ بالبكر جلد مائة وتغريب عام» فلما فَسَّرَ الرسول عليه السًّلام السبيل بذلك وجب القطع بِصِحَّته.

وأيضاً فله وجه في اللُّغة، لأنَّ المخلص من الشَّيء هو سبيله، سواء كان أخفّ أو أثقل.

قوله: «حتى يتوفاهن الموت» «حَتَّى» بمعنى «إلَى» فالفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» وهي متعلقة بقوله «فأمسكوهن» غاية له.

وقوله: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ فيه وجهان:

أحدهما: أن تكون «أوْ» عاطفة، فيكون الدعل غايةً لإمساكهن أيضاً، فينتصبُ «يجعل» بالعطف على ‏‏‏‏‏‏‏ .

والثَّاني: أن تكون «أو» بمعنى «إلاَّ» كالَّتِي في قولهم: «لأزمنك أو تقضيني حقي» على أحد المعنيين، والفعل بعدها منصوب أيضاً بإضمار «أنْ» كقوله: [الطويل]

1770 - فَسِرْ في بِلاَدِ اللهِ وَالْتَمِسِ الْغِنى ... تَعِشْ ذَا يَسَارٍ أوْ تَمُوتَ فَتُعْذَرَا

أي: إلا أن تموت، والفرق بين هذا الوجه والّذي قبله أنَّ الجَعْلَ ليس غاية لإمساكهنَّ في البيوت.

قوله: ‏‏‏ فيه وجهان:

أظهرهما: أنَّهُ مُتَعِلُّقٌ ب ‏‏‏ .

والثَّاني: أنَّهُ متعلِّق بمحذوف، لأنَّهُ حال من ‏‏‏‏ إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدَِّمَ عليها فَنُصِبَ حالاً، هذا إنْ جُعِلَ الجَعْلُ بمعنى الشِّرْع أو الخَلْق، وإنْ جُعِل بمعنى التصيير، فيكون ‏‏‏ مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على الأوَّلِ وهو ‏‏‏‏ ، وتقديمُه هنا واجب؛ لأنهما لو انْحَلاَّ لمبتدأ وخبرٍ وَجَبَ تقديم هذا الخبر لكونه جارّاً، والمبتدأ نكرة لا مسوغ لها غير ذلك.

فصل

روي عن علي أنَّهُ جَلَدَ شَرَاحَةَ الهمدانية يوم الخميس مائة ثمَّ رجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنَّة رسُول اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعامَّة العلماء على أنَّ الثَّيِّب لا تجلد مع الرّجم؛ لأنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وقال:

«يَا أنيسُ امْضِ إلَى امْرأةٍ هَذَا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجمْهَا» ولم يأمره بالجلد، وعند أبي حنيفة التّغريب أيضا منسوخ في حقِّ البكر، وأكثر أهل العلم على أنَّهُ ثابت، وروى نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ضَرَبَ وغَرَّبَ وأن أبا بكر ضَرَبَ وغَرَّبَ.

واختلفوا في الإمساك في البيت هل كان حَداً فنسخ أم كان حبساً ليظهر الْحَدُّ؟ على قولين:

فقيل: هو توعد بالحد.

وقال ابن عبَّاسٍ والحسن: إنَّهُ حَدٌّ، وزاد ابن زيد أنَّهُمْ منعوا من النِّكاحِ حتّى يموتوا عقوبة لهم، لأنهم طلبوا النكاح من غير وجهه، وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ كان حدّاً، بل أشد غير أنَّ ذلك الحكم ثابت محدود إلى غاية، وهو الأذى في الآية الأخرى على اختلاف التأويلين في أيّهما قبل، وكلاهما ممدود إلى غاية، وهو قول عليه السَّلام: «خُذُوا عضنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سبيلاً» الحديث وهذا كقوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: 187] فإذا جاء اللَّيْلُ ارتفع حكمُ الصِّيام إلى غايته لا لنسخه، هذا قول المحقِّقين المتأخِّرين، فإنَّ النَّسخ إنَّمَا يكون بين القولين المتعارضين اللَّذين لا يمكن الجمع بينهما والجمع ممكن بَيْنَ الحبس والتّغريب والجلد والرَّجم.

وقد قال بعضُ العلماء: إن الأذى والتغريب باقٍ مع الجلد؛ لأنَّهُمَا لا يتعارضان فيحملان على شخص واحد فأمَّا الحبس فمنسوخ بالإجماع، وإطلاق المتقدمين النّسخ على مثل هذا لا يجوز.

[وقيل: إن المراد بقوله تعالى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ المراد أن يحبس كل من الرجل والمرأة في مكانه حتى يدركهن الأجل بالموت، أو يتبين الحمل فيجري عليهما حينئذ القصاص انتهى. والله أعلم] .

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

‏‏‏‏‏ الكلام عليه كالكلام على «اللاتي» إلاَّ أن في كلام أبي البقاء ما يوهمُ جواز الاشتغال فيه فإنه قال: الكلام في «اللذان» كالكلام في «اللاتي» إلاَّ أنَّ مَنْ أجاز النَّصب يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور، تقديره: أذُوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عَرِيَ من الضَّمير، لأنَّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله: «من أجاز النصب» يحتملُ من أجازه النَّصب المتقدِّم في «اللاتي» بإضمار فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو «اقصدوا» ويحتمل من أجاز النَّصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلاَّ ان هذا بعيدٌ؛ لأنَّ الآيتين من وادٍِ واحدٍ، فلا يُظَنُّ به أنَّهُ يمنع في إحداهما ويجيزُ في الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جر والفعلُ الَّذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في «يأتيانهما» للفاحشة.

وقرأ عبد الله «يأتين بالفاحشة» ، أي: يَجئْنَ، ومعنى قراءة الجمهور «يَغْشَيْنَها ويخالطنها» .

وقرأ الجمهور «واللذان» بتخفيف النُّون.

وقرأ ابن كثير «واللذانِّ» هنا «واللذينِّ» في السجدة [آية 29] بتشديد النون، ووجهها جعل إحدى النونين عوضاً من الباء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن «الَّذي» مثل «القاضي» ، و «القاضي» تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ [ «ياء» ] «الَّذي» و «الَّتي» أن تثبت في التثنية، ولكنهم حَذَفُوها، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ.

وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب.

وقراءة ابن كثير في «حم» السجدة ﴿أَرِنَا اللذين أَضَلاَّنَا﴾ [فصلت: 29] حجةٌ عليه.

قال ابن مقسم: إنَّما شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين:

أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن «الّذي وهذا» مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذّال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما، بأن زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها.

وقيل: سبب التّشديد فيها أنّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية.

وقيل: زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام.

وقرئ: «اللَّذَأَنِّ» بهمزة وتشديد النون، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة [الآية: 7] .

وقرأ عبد الله: «والذين يفعلونه منكم» وهذه قراءة مشكلة؛ لأنَّهَا بصيغة الجمع، وبعدخا ضمير تثنية وَقَدْ يُتَكَلَّفُ تخريجٌ لها، وهو أنَّ «الذين» لَمَّا كان شاملاً لصنفي الذّكورِ والإناثِ عَادَ الضّميرُ عليه مثنى اعتباراً بما انْدَرَجَ تحته، وهذا كما عاج ضَمِيرُ الجمع على المُثَنَّى الشّامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحْتَه، كقوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: 9] ، و ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] كذا قاله أبو حيان.

قال شهاب الدِّينِ: وفيه نظر، فإنَّ الفَرْقَ ثابتٌ، وذلك لأن «الطَّائفة» اسم لجماعة، وكذلك «خَصْم» ؛ لأنَّهُ في الأصل مصدرٌ فأطلِقَ على الجمع.

وأصل «فآذوهما» فآذِيُوهما، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَت الياء الّتي هي لام الكلمة وضُمَّ ما قبل الواوِ لِتَصِحَّ.

فصل

اختلفوا في وجهِ هذا التّكرير، فقال مُجَاهِدٌ: الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال، وَخُصَّ الحبسُ في البيتِ بالمرأة، وخُصَّ الإيذاء بالرجال؛ لأنَّ المرأة إنَما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية، وأمَّا الرَّجل فلا يمكن حبسه في البيت؛ لأنَّهُ يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله.

وقيل: إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجل والمرأة، والحبس كان من خواصّ المرأة.

وقال السُّدِّيُّ: المرادُ بهذه الآية البكرُ من الرِّجال والنِّساء وبالآية الأولى للثيب لوجوه:

الأوَّل: قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فأضافهن إلى الأزواج.

الثَّاني: أنَّهُ سماهنَّ نساء، وهذا الاسم أليق بالثَّيب.

الثالث: أنَّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثّيب.

وقال أبو مسلم: الآية الولى في السّحاقات، وهذه في أهل اللّواط، وقد تَقَدَّمَ.

وقيل: إنَّهُ بَيَّنَ في الآية الأولى أنَّ الشهداء على الزِّنَا لا بدّ وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنَّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما.

فصل

قال عطاء وقتادة: قوله «فآذوهما» يعني فعيروهما باللسان: أما خِفْتَ اللهَ؟ أما استحييت من الله حين زنيت.

وقال مُجَاهِدٌ: سبوهما واشتموهما.

وقيل: يقال لهما: «بئس ما فعلتما» وخالفتما أمر الله.

وقال ابن عبَّاس: هو باللسان واليد يُؤذي بالتعيير وضرب النعال.

قوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: من الفاحشة ‏‏‏‏‏‏ العمل فيما بعد ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، فاتركوهما ولا تؤذوهما، ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ومعنى التواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم.

You read 4:14–16 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

An-Nisāʾ 4:14