All commentaries

اللباب في علوم الكتاب

Ibn ʿĀdil

ابن عادل الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ)

Language, law and argument of the earlier books in one reading.

Al-Ḥāqqah 69:37 Juzʾ 29 Page 568

‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

None will eat it except the sinners.

Read in the muṣḥaf
اللباب في علوم الكتاب Ibn ʿĀdil

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، كقوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحاقة: 24] في إضمار القولِ، يقال ذلك لخزنةِ جهنَّم، والغلُّ: جمعُ اليدين إلى العُنُق، أي: شدوه بالأغلالِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ، أي: اجعلوه يصلى الجحيمَ، وهي النارُ العظمى؛ لأنه كان يتعاظمُ في الدنيا.

وتقديمُ المفعول يفيد الاختصاص عند بعضهم.

ولذلك قال الزمخشريُّ: «ثُمَّ لا تصلوه إلا الجَحيم» قال أبو حيان: «وليس ما قاله مذهباً لسيبويه ولا لحُذاقِ النُّحاةِ» ، وقد تقدمت هذه المسألةُ متقنة، وأنَّ كلام النحاة لا يأبى ما قاله.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ، في محل جر صفة ل «سِلْسِلَة» و «في سِلْسِلة» متعلق ب «اسْلُكُوه» ، و «الفاء» لا تمنع من ذلك.

و «الذِّراع» مؤنث، ولذلك يجمع على «أفْعُل» وسقطت «التاء» من عدده.

قال الشاعر: [الرجز]

4851 - أرْمِي عَليْهَا وهْيَ فَرْعٌ أجْمَعُ ... وهْيَ ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ

وذكر السبعين دون غيرها من العدد، قيل: المرادُ به التكثير، كقوله: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: 10] .

وقيل: المراد حقيقة العدد.

قال ابن عباسٍ: سبعون ذراعاً بذراع الملكِ.

وقال نوف البكالي: سبعون ذراعاً، كل ذراع سبعون باعاً، كل باع كما بينك وبين «مكّة» وكان في رحبة «الكوفة» .

وقال الحسنُ: الله أعلم أي ذراعٍ.

وزعم بعضهم أنَّ في قوله: «فِي سِلْسلَةٍ» «فاسْلُكوهُ» قلباً، قال: لأنه نُقِلَ في التفسير أنَّ السلسلة تدخل من فيه، وتخرج من دبره، فهي المسلوكُ فيه لا هو المسلوكُ فيها، والظاهر أنَّه لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه روي أنها لطولها، تجعل في عنقه، وتلتوي عليه، حتى تحيط به من جميع جهاته، فهو المسلوكُ فيها لإحاطتها به.

وقال الزمخشريُّ: والمعنى في تقديم السِّلسلة على السلك مثله في تقديم الجحيم على التًّصلية، أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسة، وثم للدلالة على التفاوتِ لما بين الغلِّ والتصليةِ بالجحيم وما بينها، وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة.

وناعه أبو حيان في إفادة تقديم الاختصاص كعادته، وجوابه ما تقدم.

ونازعه أيضاً في أن «ثُمَّ» للدلالةِ على تراخي الرُّتْبةِ.

وقال مكيٌّ: التراخي الزماني بأن يُصلى بعد أن يسلك، ويسلك بعد أن يُؤخذ ويغلي بمهله بين هذه الأشياء. انتهى.

وفيه نظرٌ من حيثُ إن التوعد بتوالي العذاب آكد، وأقطع من التوعد بتغريقه.

قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين﴾ .

«الحضُّ» : الحثُّ على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه حروفُ التحضيض المبوب لها في النحو؛ لأنَّه يطلب بها وقوع الفعل وإيجاده، فبيَّن تعالى أنه عذِّب على تركِ الإطعامِ، وعلى الأمر بالبخلِ كما عذِّب بسبب الكُفْرِ.

قال ابن الخطيب: وفي الآية دليلُ على أنَّ الكُفَّار مخاطبون بالفروع.

كان أبو الدرداء يحض امرأته على الإطعام ويقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الثاني بالإطعام.

وقيل: المراد قول الكفار: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: 47] .

وأصل «طعام» أن يكون منصوباً بالمصدر المقدر، والطعام عبارةٌ عن العين، وأضيف للمسكين للملابسةِ التي بينهما، ومن أعمل الطعام كما يعمل الإطعام، فموضع «المسكين» نصب، والتقدير: على إطعام المطعم المسكين، فحذف الفاعل، وأضيف المصدر إلى المفعول.

قوله: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ﴾ في خبر «ليس» وجهان:

أحدهما: «له» .

والثاني: هاهنا، وأيهما كان خبراً تعلق به الآخر، أو كان حالاً من «حميم» ، ولا يجوز أن يكون «اليوم» خبراً ألبتة؛ لأنه زمان والمخبر عنه جثة.

ومنع المهدوي أن يكون «هاهُنَا» خبراً، ولم يذكر المانع.

وقد ذكره القرطبي فقال: «لأنه يصير المعنى: ليس هاهنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك؛ لأن ثمَّ طعاماً غيره» . انتهى وفي هذا نظر؛ لأنا لا نسلم أولاً أن ثمَّ طعاماً غيره، فإن أورد قوله: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: 6] فهذا طعام آخر غير الغسلين.

فالجواب: أن بعضهم ذهب إلى أن الغسلين هو الضريع بعينه، فسمَّاه في آية «غسليناً» وفي أخرى «ضريعاً» .

ولئن سلمنا أنهما طعامان، فالحصر باعتبار الآكلين، يعني: أنَّ هذا الآكل انحصر طعامه في الغسلين، فلا ينافي أن يكون في النار طعام آخر.

وإذا قلنا: إن «له» الخبر، وأن «اليوم» ، و «هاهنا» متعلقان بما تعلق هو به، فلا إشكال، وكذلك إذا جعلنا «هاهنا» هو الخبر، وعلقنا به الجار والظرف، ولا يضرّ كون العامل معنوياً للاتساع في الظروف وحروف الجر.

وقوله: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ، صفة ل «طعام» ، دخل الحصر على الصفة، كقولك: «ليس عندي إلا رجلٌ من بني تميم» .

والمراد ب «الحميم» : الصديق، فعلى هذا الصفة مختصة بالطَّعام، أي: ليس له صديق ينفعه، ولا طعام إلا من كذا.

وقيل: التقدير: ليس له حميم إلاَّ من غسلين ولا طعام. قاله أبو البقاء.

فجعل «مِنْ غسْلِين» صفة ل «الحميم» ، كأنه أراد الشَّيء الذي يحم به البدن من صديد النَّار.

وقيل: من الطعام والشَّراب؛ لأن الجميع يطعم، بدليل قوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ [البقرة: 249] .

فعلى هذا يكون ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ صفة ل «حميم» ول «طعام» ، والمرادُ بالحميم: ما يشرب، أي: ليس له طعام، ولا شراب إلا غسليناً.

أما إذا أريد بالحميم: الصديد فلا يتأتَّى ذلك.

وعلى هذا الذي ذكرنا، فيه سؤالٌ، وهو أن يقال: بأي شيء تعلَّق الجارُّ والظرفان؟ والجواب: إنَّها تتعلق بما تعلق به الخبرُ، أو يجعل «له» أو «هاهنا» حالاً من «حميم» ويتعلق «اليوم» بما تعلق به الحال، ولا يجوز أن يكون «اليوم» حالاً من «حميم» ، و «له» و «هاهنا» متعلقان بما تعلق به الحال؛ لأنه ظرف زمان، وصاحبُ الحال جثة، وهذا موضعٌ حسنٌ مفيدٌ.

و «الغِسْلين» : «فِعْلين» من الغُسَالة، فنُونُه وياؤه زائدتان.

قال أهل اللغة: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت.

قال المفسرون: هو صديدُ أهل النَّارِ.

وقيل: شجر يأكلونه.

وعن ابن عباس: لا أدري ما الغِسْلينُ.

وسمي طعاماً؛ لقيامه مقامه فسمي طعاماً؛ كقوله: [الوافر]

4852 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... تَحِيَّةُ بَينِهمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

قوله: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . صفة ل «غسلين» .

والعامةُ: يهمزون «الخاطئون» ، وهم اسم فاعل من «خَطَأ يَخْطأ» إذا فعل غير الصواب متعمداً، والمخطىءُ من يفعله غير متعمد.

وقرأ الحسنُ والزهريُ والعتكي وطلحة: «الخَاطِيُون» بياء مضمومة بدل الهمزة.

وقرأ ناقع في رواية وشيبة: بطاء مضمومة دون همزة.

وفيها وجهان: أحدهما: أنه كقراءة الجماعةِ إلا أنه خفف بالحذف.

والثاني: أنه اسم فاعل من «خَطَا يَخْطُوا» إذا اتبع خطوات غيره، فيكون من قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ [البقرة: 168] ، قاله الزمخشريُّ.

وقد تقدم أول الكتاب أن نافعاً يقرأ: «الصَّابيون» بدون همز، وكلام الناس فيها.

وعن ابن عباس: ما الخاطُون، كلنا نخطُو.

وروى عنه أبو الأسود الدؤليُّ: ما الخاطُون إنما هو الخاطئون، وما الصَّابون إنما هو الصَّابئون، ويجوز أن يراد الذين يتخطون الحقَّ إلى الباطل ويتحدون حدود الله.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So I swear by what you see

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ .

قد تقدم مثله في آخر الواقعة، إلا أنه قيل هاهنا: إن «لا» نافية لفعل القسم، وكأنه قيل: لا احتياجَ أن أقسمُ على هذا؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مستغنٍ عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حسناً.

واعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلالة على إمكان القيامةِ، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السُّعداءِ، وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآنِ، فقال: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وقيل: المراد: أقسم، و «لا» صلةٌ، والمعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون، فعمَّ جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرجُ عن قسمين: مبْصر وغير مبصر، فقيل: الخالقُ والخلقُ، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنُّ، والنعم الظاهرة، والباطنة.

وإن لم تكن «لا» زائدة، فالتقدير: لا أقسم على أنَّ هذا القرآن قول رسولٍ كريم - يعني «جبريل» ، قاله الحسن والكلبي ومقاتل - لأنه يستغنى عن القسم لوضوحه.

وقال مقاتل: سببُ نزولِ هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: إنَّ محمداً ساحرٌ.

وقال أبو جهل: شاعر وليس القرآن من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال عقبة: كاهن، فقال الله تعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ أي: أقسم.

وإن قيل: «لا» نافية للقسم، فجوابه كجواب القسم.

«إنه» يعني القرآن ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يعني جبريل. قاله الحسن والكلبي ومقاتل، لقوله: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: 19، 20] .

وقال الكلبي أيضاً والقتبي: الرسول هنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، وليس القرآن من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما هو من قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - ونسب القول إلى الرسولِ، لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك.

فإن قيل: كيف يكونُ كلاماً لله تعالى، ولجبريل، ولمحمد عليهما الصلاة والسلام؟

فالجواب: أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسةٍ، فالله سبحانه أظهره في اللوح المحفوظ، وجبريلُ بلغه لمحمدٍ - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بلغه للأمة.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ هو جوابُ القسمِ، وقوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ معطوف على الجواب، فهو جواب. أقسم على شيئين: أحدهما: مثبت، والآخر: منفي، وهو من البلاغة الرائعة.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

انتصب «قليلاً» في الموضعين نعتاً لمصدر، أو زمان محذوف، أي: إيماناً أو زماناً قليلاً، والنَّاصبُ: «يؤمنون» و «تذكرون» و «ما» مزيدةٌ للتوكيدِ.

وقال ابن عطية: ونصب «قليلاً» بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه: «تؤمنون» ، و «ما» يحتملُ أن تكون نافية، فينتفى إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون مصدرية، وتتصف بالقلة، فهو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرةٍ لا تغني عنهم شيئاً، إذ كانوا يصدقون أن الخيرَ والصلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو حقّ وصواب.

قال أبو حيَّان: أما قوله: «قليلاً نصب بفعل» إلى آخره، فلا يصح؛ لأن ذلك الفعل الدال عليه «تؤمنون» إما أن تكون «ما» نافية - كما ذهب إليه - أو مصدرية، فإن كانت نافية فذلك الفعل المُضْمَر الدال عليه «تؤمنون» المنفي ب «ما» يكون منفياً، فيكونُ التقدير: ما تؤمنون قليلاً ما تُؤمنون، والفعل المَنْفِي ب «ما» لا يجوز حذفه، ولا حذف ما، لا يجوز «زيداً ما أضربُه» على تقدير: «ما أضْربُ زيداً ما أضربه» ، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفعٍ ب «قليلاً» على الفاعلية، أي: قليلاً إيمانكم، ويبقى «قليلاً» لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له، وإما في موضع رفعٍ على الابتداء؛ فيكون مبتدأ لا خبر له، لأن ما قبلهُ منصُوبٌ.

قال شهابُ الدين: لا يُريد ابن عطية بدلالةِ «تؤمنون» على الفعل المحذوف الدلالة في باب الاشتغال، حتى يكون العامل الظاهر مفسراً للعامل المضمر، بل يريد مجرّد الدلالة اللفظية، فليس ما أورده أبو حيان عليه من تمثيله بقوله: «زيداً ما أضربه» أي: «ما أضرب زيداً ما أضربُه» وأما الردُّ الثاني فظاهرٌ، وقد تقدم لابن عطية هذا القولُ في أول سورة «الأعراف» فَليُلتَفَتْ إليه.

وقال الزمخشريُّ: «والقّلةُ في معنى العدم، أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتَّة» .

قال أبو حيَّان: ولا يُرادُ ب «قليلاً» هنا النفي المحض كما زعم، وذلك لا يكون إلاَّ في «أقلُّ رجل يقول ذلك إلا زيدٌ» ، وفي «قل» نحو «قَلَّ رجلٌ ذلك إلا زيدٌ» وقد يستعمل في «قليلة» ، و «قليلة» إذا كانا مرفوعين، نحو ما جوزوا في قول الشاعر: [الطويل]

4853 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَلِيلٌ بِهَا الأصْوَاتُ إلاَّ بُغامُهَا

أما إذا كان منصوباً نحو: «قليلاً ضربت، أو قليلاً ما ضربت» على أن تكون «ما» مصدرية، فإن ذلك لا يجوزُ؛ لأنه في «قليلاً ضربت» منصوب ب «ضربت» ، ولم تستعمل العرب «قليلاً» ، إذا انتصب بالفعل نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأما في «قليلاً ما ضربت» على أن تكون «ما» مصدريةٌ، فتحتاج إلى رفع «قليل» ؛ لأن «ما» المصدرية في موضع رفع على الابتداء.

انتهى ما رد به عليه.

قال شهاب الدين: «وهذا مجرد دعوى» .

وقرأ ابنُ كثيرٍ وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان: «يؤمنون، يذكرون» بالغيبة حملاً على «الخاطئون» والباقون: بالخطاب، حملاً على «بما تبصرون» .

وأبيّ: وتتذكرون «بتاءين» .

فصل في القرآن الكريم

قوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ لأنه مباينٌ لصنوفِ الشعر كلِّها، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ لأنه ورد بسبِّ الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئاً على من سبِّهم.

وقوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، المراد بالقليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله.

وقيل: إنهم قد يؤمنون في قلوبهم إلا أنهم يرجعون عنه سريعاً، ولا يتممون الاستدلال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: 18] إلا أنه في آخرِ الأمرِ قال: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: 24] .

وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله تعالى، والمعنى لا يؤمنون أصلاً، والعربُ يقولون: قلّ ما تأتينا، يريدون لا تأتينا.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، هذه قراءةُ العامة، أعني الرَّفع على إضمار مبتدأ، أي: هو تنزيلٌ وتقدم مثله.

وأبو السِّمال: «تنزيلاً» بالنصب على إضمار فعل، أي: نزل تنزيلاً.

قال القرطبي: وهو عطفٌ على قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And what you do not see

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾ .

قد تقدم مثله في آخر الواقعة، إلا أنه قيل هاهنا: إن «لا» نافية لفعل القسم، وكأنه قيل: لا احتياجَ أن أقسمُ على هذا؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مستغنٍ عن القسم، ولو قيل به في الواقعة لكان حسناً.

واعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلالة على إمكان القيامةِ، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السُّعداءِ، وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآنِ، فقال: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

وقيل: المراد: أقسم، و «لا» صلةٌ، والمعنى أقسم بالأشياء كلها ما ترون منها وما لا ترون، فعمَّ جميع الأشياء على الشمول؛ لأنها لا تخرجُ عن قسمين: مبْصر وغير مبصر، فقيل: الخالقُ والخلقُ، والدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنُّ، والنعم الظاهرة، والباطنة.

وإن لم تكن «لا» زائدة، فالتقدير: لا أقسم على أنَّ هذا القرآن قول رسولٍ كريم - يعني «جبريل» ، قاله الحسن والكلبي ومقاتل - لأنه يستغنى عن القسم لوضوحه.

وقال مقاتل: سببُ نزولِ هذه الآية أن الوليد بن المغيرة قال: إنَّ محمداً ساحرٌ.

وقال أبو جهل: شاعر وليس القرآن من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال عقبة: كاهن، فقال الله تعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ أي: أقسم.

وإن قيل: «لا» نافية للقسم، فجوابه كجواب القسم.

«إنه» يعني القرآن ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يعني جبريل. قاله الحسن والكلبي ومقاتل، لقوله: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: 19، 20] .

وقال الكلبي أيضاً والقتبي: الرسول هنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، وليس القرآن من قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما هو من قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - ونسب القول إلى الرسولِ، لأنه تاليه ومبلغه والعامل به، كقولنا: هذا قول مالك.

فإن قيل: كيف يكونُ كلاماً لله تعالى، ولجبريل، ولمحمد عليهما الصلاة والسلام؟

فالجواب: أن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسةٍ، فالله سبحانه أظهره في اللوح المحفوظ، وجبريلُ بلغه لمحمدٍ - عليهما الصلاة والسلام - ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بلغه للأمة.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ هو جوابُ القسمِ، وقوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ معطوف على الجواب، فهو جواب. أقسم على شيئين: أحدهما: مثبت، والآخر: منفي، وهو من البلاغة الرائعة.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

انتصب «قليلاً» في الموضعين نعتاً لمصدر، أو زمان محذوف، أي: إيماناً أو زماناً قليلاً، والنَّاصبُ: «يؤمنون» و «تذكرون» و «ما» مزيدةٌ للتوكيدِ.

وقال ابن عطية: ونصب «قليلاً» بفعلٍ مضمرٍ يدل عليه: «تؤمنون» ، و «ما» يحتملُ أن تكون نافية، فينتفى إيمانهم ألبتة، ويحتمل أن تكون مصدرية، وتتصف بالقلة، فهو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرةٍ لا تغني عنهم شيئاً، إذ كانوا يصدقون أن الخيرَ والصلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هو حقّ وصواب.

قال أبو حيَّان: أما قوله: «قليلاً نصب بفعل» إلى آخره، فلا يصح؛ لأن ذلك الفعل الدال عليه «تؤمنون» إما أن تكون «ما» نافية - كما ذهب إليه - أو مصدرية، فإن كانت نافية فذلك الفعل المُضْمَر الدال عليه «تؤمنون» المنفي ب «ما» يكون منفياً، فيكونُ التقدير: ما تؤمنون قليلاً ما تُؤمنون، والفعل المَنْفِي ب «ما» لا يجوز حذفه، ولا حذف ما، لا يجوز «زيداً ما أضربُه» على تقدير: «ما أضْربُ زيداً ما أضربه» ، وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفعٍ ب «قليلاً» على الفاعلية، أي: قليلاً إيمانكم، ويبقى «قليلاً» لا يتقدمه ما يعتمد عليه حتى يعمل ولا ناصب له، وإما في موضع رفعٍ على الابتداء؛ فيكون مبتدأ لا خبر له، لأن ما قبلهُ منصُوبٌ.

قال شهابُ الدين: لا يُريد ابن عطية بدلالةِ «تؤمنون» على الفعل المحذوف الدلالة في باب الاشتغال، حتى يكون العامل الظاهر مفسراً للعامل المضمر، بل يريد مجرّد الدلالة اللفظية، فليس ما أورده أبو حيان عليه من تمثيله بقوله: «زيداً ما أضربه» أي: «ما أضرب زيداً ما أضربُه» وأما الردُّ الثاني فظاهرٌ، وقد تقدم لابن عطية هذا القولُ في أول سورة «الأعراف» فَليُلتَفَتْ إليه.

وقال الزمخشريُّ: «والقّلةُ في معنى العدم، أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتَّة» .

قال أبو حيَّان: ولا يُرادُ ب «قليلاً» هنا النفي المحض كما زعم، وذلك لا يكون إلاَّ في «أقلُّ رجل يقول ذلك إلا زيدٌ» ، وفي «قل» نحو «قَلَّ رجلٌ ذلك إلا زيدٌ» وقد يستعمل في «قليلة» ، و «قليلة» إذا كانا مرفوعين، نحو ما جوزوا في قول الشاعر: [الطويل]

4853 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... قَلِيلٌ بِهَا الأصْوَاتُ إلاَّ بُغامُهَا

أما إذا كان منصوباً نحو: «قليلاً ضربت، أو قليلاً ما ضربت» على أن تكون «ما» مصدرية، فإن ذلك لا يجوزُ؛ لأنه في «قليلاً ضربت» منصوب ب «ضربت» ، ولم تستعمل العرب «قليلاً» ، إذا انتصب بالفعل نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأما في «قليلاً ما ضربت» على أن تكون «ما» مصدريةٌ، فتحتاج إلى رفع «قليل» ؛ لأن «ما» المصدرية في موضع رفع على الابتداء.

انتهى ما رد به عليه.

قال شهاب الدين: «وهذا مجرد دعوى» .

وقرأ ابنُ كثيرٍ وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان: «يؤمنون، يذكرون» بالغيبة حملاً على «الخاطئون» والباقون: بالخطاب، حملاً على «بما تبصرون» .

وأبيّ: وتتذكرون «بتاءين» .

فصل في القرآن الكريم

قوله: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؛ لأنه مباينٌ لصنوفِ الشعر كلِّها، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؛ لأنه ورد بسبِّ الشياطين وشتمهم فلا ينزلون شيئاً على من سبِّهم.

وقوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، المراد بالقليل من إيمانهم هو أنهم إذا سئلوا من خلقهم قالوا: الله.

وقيل: إنهم قد يؤمنون في قلوبهم إلا أنهم يرجعون عنه سريعاً، ولا يتممون الاستدلال، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر: 18] إلا أنه في آخرِ الأمرِ قال: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: 24] .

وقال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله تعالى، والمعنى لا يؤمنون أصلاً، والعربُ يقولون: قلّ ما تأتينا، يريدون لا تأتينا.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ، هذه قراءةُ العامة، أعني الرَّفع على إضمار مبتدأ، أي: هو تنزيلٌ وتقدم مثله.

وأبو السِّمال: «تنزيلاً» بالنصب على إضمار فعل، أي: نزل تنزيلاً.

قال القرطبي: وهو عطفٌ على قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: إنه لقول رسول كريم، وهو تنزيل من رب العالمين.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[That] indeed, the Qur'an is the word of a noble Messenger.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And it is not the word of a poet; little do you believe.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And if Muhammad had made up about Us some [false] sayings,

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

We would have seized him by the right hand;

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Then We would have cut from him the aorta.

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

You read 69:37–46 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:37