All commentaries

اللباب في علوم الكتاب

Ibn ʿĀdil

ابن عادل الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ)

Language, law and argument of the earlier books in one reading.

Ṭā-Hā 20:121 Juzʾ 16 Page 320

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And Adam and his wife ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.

Read in the muṣḥaf
اللباب في علوم الكتاب Ibn ʿĀdil

قوله: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ» أي: أنهى إليه الوسوسة، وأمَّا وَسوَسَ له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدّى وَسْوَسَ باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطان كَوَلْوَلَةِ الثكلى ووَقْوَقَة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمُها حكمُ صوت أو جرس، ومنه: وسوسة المُبْرسَم وهو مُوَسْوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن الأعرابي:

3699 - وَسْوَسَ يدعُو مُخْلصاً رَبَّ الفَلَقْ ... فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله:

3700 - أجْرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أبِي كِبَاشِ ...

ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه.

وقال أبو البقاء: عُدّي «وَسْوَسَ» ب «إلى» لأنه بمعنى أسرَّ، وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذَكَرَ له، أو تكون بمعنى لأجله.

قوله: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يعني على شجرة إن أكلتَ منها بَقيتَ مخلداً، ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ أي مَنْ أكل هذه الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى﴾ [طه: 117 - 119] ورغَّبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفي انتظام المعيشة بقوله: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فكان الشيء الذي رغَّب (الله تعالى آدم) فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم - عليه السلام - مع كمال عقله وعلمه (بان الله تعالى مولاه وناصره ومريبه، وأعلمه) بأن عدوه حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أنّ هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره.

روى البخاريُّ ومسلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتك وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ ؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فحَجَّ آدمُ مُوسَى» .

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «كَتَبَ الله مَقَادِير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعَرْشُهُ على الماء» وقال: «كل شيء خلقه بقدر حتى العَجْز والكَيْسُ» قوله: «فَأكَلاَ مِنْهَا» يعني آدم وحواء. ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ .

قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. وإنما جمع «سَوْآتِهِمَا» كما قال «» صَغَتْ قُلُوبُكُمَا «.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قال الزمخشري: طَفِقَ بفعل كذا مثل جعل يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرئ» يُخَصِّفان «للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة» فَغَوى «أي» فعل (ما لم يكن له فعله) . وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده.

وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده) .

قوله: «فَغَوَى» الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها.

وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى.

قال الزمخشري: زعم بعضهم «فَغَوى» فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ: فَنَا وَبَقَا، وهم بنو طيئ تفسير خبيث.

قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرئ بكسر الواو، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم - عليه السلام - إلى الغي.

فصل

تمسك بعضهم بقوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين:

أحدهما: أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الجن: 23] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه.

الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه.

وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب.

فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد.

قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا: لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم - عليه السلام - إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في «غَوَى» .

وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 22] .

وأما التمسك بقوله: «فَغَوَى» فأجابوا عنه من وجوه:

أحدها: أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل: إنَّه غَوَى.

وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً.

وثانيها: قال بعضهم غَوَى أي: بَشَم من كثرة الأكل.

قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور: أحدها: قال العُتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة.

وهذه الزلة لم تصدر عن آدم أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ فكذا هنا.

وثالثها: أن قولنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، (وغاوياً عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرأن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا.

ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره.

قوله: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: اختاره واصطفاه، «فَتَابَ عَلَيْه» بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] .

قال عليه السلام: لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر.

قال وهب: لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: «لاَ إلَه إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ» فقالها آدم، ثم قال: قل «سُبْحَانَكَ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ عِمِلْتُ سوءاً وظلَمْتُ نلَفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ» .

قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ» أي: أنهى إليه الوسوسة، وأمَّا وَسوَسَ له فمعناه: لأجله قال الزمخشري: فإن قلت: كيف عدّى وَسْوَسَ باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: 20] وأخرى بإلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطان كَوَلْوَلَةِ الثكلى ووَقْوَقَة الدجاجة في أنها حكايات الأصوات، فحكمُها حكمُ صوت أو جرس، ومنه: وسوسة المُبْرسَم وهو مُوَسْوس بالكسر، والفتح لحسن، وأنشد ابن الأعرابي:

3699 - وَسْوَسَ يدعُو مُخْلصاً رَبَّ الفَلَقْ ... فإذا قلت: وسوس له فمعناه لأجله كقوله:

3700 - أجْرِسْ لَهَا يَا ابْنَ أبِي كِبَاشِ ...

ومعنى وسوس إليه أنهى الوسوسة كقوله: حدث إليه.

وقال أبو البقاء: عُدّي «وَسْوَسَ» ب «إلى» لأنه بمعنى أسرَّ، وعداه في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذَكَرَ له، أو تكون بمعنى لأجله.

قوله: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يعني على شجرة إن أكلتَ منها بَقيتَ مخلداً، ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ أي مَنْ أكل هذه الشجرة دام ملكه. قال ابن الخطيب: واقعة آدم عجيبة، وذلك لأن الله تعالى رغَّبه في دوام الراحة وانتظام المعيشة بقوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى﴾ [طه: 117 - 119] ورغَّبه إبليس أيضاً في دوام الراحة بقوله: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفي انتظام المعيشة بقوله: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فكان الشيء الذي رغَّب (الله تعالى آدم) فيه هو الذي رغبه إبليس فيه إلا أن الله تعالى وقف ذلك على الاحتراس عن تلك الشجرة، وإبليس وقعه على الإقدام عليها، ثم إن آدم - عليه السلام - مع كمال عقله وعلمه (بان الله تعالى مولاه وناصره ومريبه، وأعلمه) بأن عدوه حيث امتنع من السجود له، وعرض نفسه للعنة بسبب عداوته، كيف قبل في الواقعة الواحدة والمقصود الواحد قول إبليس مع علمه بعداوته له، وأعرض عن قول الله تعالى مع علمه بأنه هو الناصر والمولى. ومن تأمل هذا الباب طال تعجبه، وعرف آخر الأمر أنّ هذه القصة كالتنبيه على أنه لا دافع لقضاء الله، ولا مانع منه، وأن الدليل وإن كان في غاية الظهور ونهاية القوة فإنه لا يحصل النفع به إلا إذا قضى الله ذلك وقدره.

روى البخاريُّ ومسلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحَجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكتك وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق، قال موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ ؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فحَجَّ آدمُ مُوسَى» .

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «كَتَبَ الله مَقَادِير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعَرْشُهُ على الماء» وقال: «كل شيء خلقه بقدر حتى العَجْز والكَيْسُ» قوله: «فَأكَلاَ مِنْهَا» يعني آدم وحواء. ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ .

قال ابن عباس: عريا من النور الذي كان الله ألبسهما حتى بدت فروجهما. وإنما جمع «سَوْآتِهِمَا» كما قال «» صَغَتْ قُلُوبُكُمَا «.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قال الزمخشري: طَفِقَ بفعل كذا مثل جعل يفعَلُ وأخَذَ وأنْشَأ، وحكمها حكم كاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً وبينها وبينه مسافة قصيرة. وقرئ» يُخَصِّفان «للتكثير والتكرير من خصف النعل، وهو أن يخرز عليها الخصاف، أي: يلزقان الورق بسوآتهما للتستر، وهو ورق التين. قوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة» فَغَوى «أي» فعل (ما لم يكن له فعله) . وقيل: أخطأ طريق الجنة وضلَّ حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله فخاف ولم ينل مراده.

وقال ابن الأعرابي: أي: فسد عليه عيشه وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب. قال ابن قتيبة: يجوز أن يقال: عَصَى آدمُ، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ ولا يقال: هو خياط (حتى يعاوده ويعتاده) .

قوله: «فَغَوَى» الجمهور على فتح الواو بعدها ألف وتقدم تفسيرها.

وقيل: معناه بشم من قولهم: غوي البعير بكسر الواو والياء إذا أصابه ذلك. وحكى أبو البقاء هذه قراءة وفسروها بهذا المعنى.

قال الزمخشري: زعم بعضهم «فَغَوى» فَبَشَم من كثرة الأكل، وهذا وإن صح على لغة من يقلب الياء المكسور ما قبلها ألفاً، فيقول في فَنِيَ، وبَقِيَ: فَنَا وَبَقَا، وهم بنو طيئ تفسير خبيث.

قال شهاب الدين: كأنه لم يطلع على أنه قرئ بكسر الواو، ولو اطلع عليها لردها، وقد فرَّ القائل بهذه المقالة من نسبة آدم - عليه السلام - إلى الغي.

فصل

تمسك بعضهم بقوله: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ في صدور الكبيرة عنه من وجهين:

أحدهما: أن العاصي اسم للذمِّ فلا يطلق إلا على صاحب الكبيرة، ولقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الجن: 23] ولا معنى لصاحب الكبيرة إلا من فَعَل فِعْلاً يُعَاقَبُ عليه.

الثاني: أن الغواية والضلالة اسمان مترادفان، والغي ضد الرشد، ومثل هذا لا يتناول إلا الفاسق المنهمك في فسقه.

وأجيب عن الأول: بأن المعصية مخالفة الأمر، والأمر قد يكون بالواجب وبالندب، فإنك تقول: أمرته فعَصَاني، وأمرته بشرب الدواء فَعَصَاني وإذا كان كذلك لم يمتنع إطلاق اسم العصيان على آدم بكونه تاركاً للمندوب فأجاب المستدل بأنا قد بيّنّا أن ظاهر القرآن يدل على أنَّ العاصي يستحق العقاب، والعرف يدل على أنه اسم ذم، فوجب تخصيص اسم العاصي بتارك الواجب، ولأنه لو كان تارك المندوب عاصياً لوجب وصف الأنبياء بأسرهم بأنهم عصاة، لأنهم لا ينفكون من ترك المندوب.

فإن قيل: وصف تارك المندوب بأنه عاص مجاز والمجاز لا يطرد.

قلنا: لما سلمت كونه مجازاً فالأصل عدمه، وأما قوله: يقال أمرته بشرب الدواء فَعَصَاني، قلنا: لا نُسَلِّم أن هذا الاستعمال مروي عن العرب، ولئن سلَّمنا ذلك لكنهم إنما يطلقون ذلك إذا أجزموا عليه بالفعل. وحينئذ يكون معنى الإيجاب حاصلاً، وإن لم يكن الوجوب حاصلاً، وذلك يدل على أنَّ لفظ العصيان لا يجوز إطلاقه إلا عند تحقق الإيجاب، لكنا أجمعنا على أن الإيجاب من الله تعالى يقتضي الوجوب، فيلزم أن يكون إطلاق لفظ العصيان على آدم - عليه السلام - إنما كان لكونه تاركاً للواجب ومن الناس من سلَّم أن الآية تدل على صدور المعصية منه، لكنه زعم أن المعصية كانت من الصغائر لا من الكبائر، وهذا قول عامة المعتزلة. وهذا أيضاً ضعيف، لأنا بينا أن اسم العاصي اسم للذم، وأن ظاهره يدل على أنه يستحق العقاب، وذلك لا يليق بالصغيرة، وأجاب أبو مسلم: بأنه عَصَى في مصالح الدنيا لا فيما يتصل بالتكاليف، وكذا القول في «غَوَى» .

وهذا أيضاً بعيد، لأن مصالح الدنيا مباحة، من تركها لا يوصف بالعصيان الذي هو اسم ذم، ولا يقال: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 22] .

وأما التمسك بقوله: «فَغَوَى» فأجابوا عنه من وجوه:

أحدها: أنه خابَ من نعيم الجنة، لأنه إنما أكل من الشجرة ليدومَ مُلْكه، فلما أكل زال، فلما خاب سَعْيه قيل: إنَّه غَوَى.

وتحقيقه أن الغَيَّ ضدُّ الرشد، والرشد هو أن يتوصل بشيء إلى شيء فيصل إلى المقصود، ومن توصل بشيء إلى شيء فحصل ضد مقصوده كان ذلك غياً.

وثانيها: قال بعضهم غَوَى أي: بَشَم من كثرة الأكل.

قال ابن الخطيب: والأولى عندي في هذا الباب أن يقال: هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وقد تقدم شرح ذلك في البقرة. وهاهنا بحث لا بد منه، وهو أن ظاهر القرآن وإن دلَّ على أن آدم عصى وغوى، ولكن ليس لأحد أن يقول: إن آدم كان عاصياً غاوياً. ويدل على صحة هذا القول أمور: أحدها: قال العُتبي: يقال للرجل يخيط ثوبه خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاوده ويعتاده، ويصير معروفاً بالخياطة.

وهذه الزلة لم تصدر عن آدم أن تكون هذه الواقعة إنما وقعت قبل النبوة، لم يجز بعد أن قبل الله توبته وشرَّفه بالرسالة والنبوة إطلاق هذا الاسم عليه كما لا يقال لمن أسلم بعد الكفر أو شرب أو زنا ثم تاب وحسنت توبته لا يقال له بعد ذلك كافر أو شارب أو زانٍ فكذا هنا.

وثالثها: أن قولنا: عاصٍ وغاوٍ يُوهِمُ كونه عاصياً في أكثر الأشياء، (وغاوياً عن معرفة الله تعالى) ولم ترد هاتان اللفظتان في القرأن مطلقتين بل مقرونتين بالقصة التي عَصَى فيها، فكأنه قال: عصى في كيت وكيت، وذلك لا يوهم ما ذكرنا.

ورابعها: أنه يجوز من الله ما لا يجوز من غيره، كما يجوز للسيد من ولده وعبده عند معصيته من إطلاق القول ما لا يجوز لغيره.

قوله: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: اختاره واصطفاه، «فَتَابَ عَلَيْه» بالعفو وهداه إلى التوبة حين قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] .

قال عليه السلام: لو جُمِع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاؤه أكثر ولو جمع ذلك إلى نوح لكان بكاؤه أكثر، وإنما سمي نوحاً لنوحه على نفسه. ولو جمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته كان بكاؤه أكثر.

قال وهب: لمّا كثر بكاؤه أمره الله تعالى أن يقول: «لاَ إلَه إلاَّ أنْتَ سُبْحَانَكَ وبحمدِك عَملتُ سوءاً وظَلَمْتُ نفسي فاغفر لي فإنَّكَ خَيْرُ الغَافِرِينَ» فقالها آدم، ثم قال: قل «سُبْحَانَكَ لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ عِمِلْتُ سوءاً وظلَمْتُ نلَفْسِي فتُبْ عليَّ إنَّكَ أنْتَ التَوَّابُ» .

قال ابن عباس: هذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

[Allah] said, "Descend from Paradise - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هنا سؤال وهو أن قوله: «اهْبِطَا» إما أن يكون خطاباً مع شخصين أو أكثر، فإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال بعده: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهو خطاب الجمع؟ وإن كان خطاباً مع شخصين فكيف قال: «اهْبِطَا» ؟ وأجاب أبو مسلك: بأن الخطاب لآدم ومعه ذريته، ولإبليس ومعه ذريته، ولكونهما جنسين صح قوله: «اهْبِطَا» ولأجل اشتكال كل من الجنسين على الكثرة صح قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

وقال الزمخشري: لما كان آدم وحواء عليهما السلام أصل البشر اللذين منهما تفرعوا أنفسُهُما، فخوطِبَا مخاطبتهم، فقيل: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ على لفظ الجماعة.

ومن قال: بأنَّ أقَلَّ الجمع اثنان، أو بأنه يعبر عن الاثنين بلفظ الجمع، كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] فلا يحتاج إلىلتأويل.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ تقدم تفسيره.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهذا يدل على أن المراد الذرية والمراد بالهدى الرسل، وقيل: الآيات والأدلة، وقيل: القرآن.

«فَلاَ يَضِلُّ» في الدُّنيا، «وَلاَ يشقى» في الآخرة، لأنه تعالى يهديه إلى الجنة.

وقيل: لا يَضِلُّ ولا يَشْقَى في الدُّنْيَا. فإن قيل: المتبع لهدى الله قَدْ يَشْقَى في الدنيا.

فالجواب: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب آخر فلا بأس. ولما وعد الله تعالى من يتبع الهُدَى أتْبَعه بالوعيد لمن أعرض فقال: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والذكر يقع على القرآن وعلى سائر كتبق الله تعالى على ما تقدم.

قوله: «ضَنْكاً» صفة لمعيشة، وأصله المصدر، فكأنه قال: معيشة ذات ضنك، فلذلك لم يؤنث ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد. وقرأ الجمهور «ضَنْكاً» بالتنوين وصلاً وإبداله ألفاًَ وقفاً كسائر المعربات.

وقرأت فرقة «ضنكى» بالف كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان:

أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أجري الوصل مجرى الوقف كما تقدم في نظائره، وسياتي منها بقية إن شاء الله تعالى.

والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على (فَعَلَى) نحو دَعْوَى. والضنك الضيق والشدة، يقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنَكُ ضَنَاكَةً وَضَنْكاً، وامرأة ضنَاكٌ كثير لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به.

فصل

قال جماعة من المفسرين: الكافر بالله يكون حريصاً على الدنيا طالباً للزيادة فعيشه ضَنْكٌ، وأيضاً فمن الظلمة مَنْ ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة بكفره قال تعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: 61] وقال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} [المائدة: 66] ، وقال: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: 96] وقال ابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم) -: المراد بالعيشة الضنكى عذاب القبر.

وقال الحسن وقتادة والكلبي: هو الضيق في الآخرة في جهنم، فإن طعامهم الضريع والزقوم، وشرابُهُم الحميم والغِسْلِين، فلا يموتون فيها ولا يَحْيُون. وقال ابن عباس: المعيشة الضنك هو ان يضيق عليه أبواب الخير فلا يهتدي لشيء منها. وعن عطاء: المعيشةُ الضَّنك هي معيشة الكافر، لأنه غير موقِنٍ بالثواب والعقاب.

وروي عنه - عليه السلام - أنَّه قال: عقوبة المعصيةِ ثلاثة ضيقُ النعيشة والعُسْرُ في اللذة، وأن لا يتوصل إلى قوته إلا بمعصية الله (تعالى) .

قوله: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏

قرأ العامة «وَنَحْشُرُهُ» بالنون ورفع الفعل على الاستئناف.

وقرأ أبان بن تغلب في آخرين بتسكين الراء، وهي محتملة لوجهين:

أحدهما: أن يكون الفعل مجزوماً نسقاً على محل جزاء الشرط، وهو الجملة من قوله: «فَإنَّ لَهٌ مَعِيشَةً» فإنَّ محلها الجزم، فهي كقراءة: «مَنْ يُضْلِل اللهُ فَلاَ هَادِي لَهُ وَيَذَرْهُم» بتسكين الراء.

والثاني: أنْ يكون السكون سكون تخفيف (نحو «يَأْمُرْكُم» وبابه) .

وقرأت فرقة بياء الغيبة، وهو الله تعالى أو الملك. وأبان بن تغلب في رواية «وَنَحْشُرُهْ» بسكون الهاء وصلاً، وتخريجها إما على لغة بني عقيل وبني كلاب وإمَّا على إجراء الوصل مجرى الوقف. و «أعْمَى» نصب على الحال.

فصل

قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: أعمى عن الحجة، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس.

قال القاضي: وهذا ضعيف، لأن في القيامة لا بد أن يُعْلِمهم اله بطلان ما كانوا عليه حتى يتميز لهم الحق من الباطل، ومن هذا حاله لا يوصف بذلك إلا مجازاً، ولا يليق بهذا قوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً» ، ولم يكن كذلك في حال الدنيا. ومما يؤيد ذلك أنه تعالى علَّل ذلك العمى بأن المكلف نَسِي الدلائل فلو كان العمى الحاصل في الآخرة عين ذلك النِّسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر.

قوله: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ اعلم أنَّ الله - تعالى - جعل هذا العمى جزاءً على تركه اتباع الهدى.

وقوله: «وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً» جملة حالية من مفعول «حَشَرْتَنِي» . وفتح الياءَ من «حَشَرْتَنِي» قبل الهمزة نافع وابن كثير.

قوله: «كذلك أَتَتْكَ» قال أبو البقاء: «كَذَلِكَ» في موضع نصب أي: حَشَرْنَا مثل ذلك أو فَعَلْنَا مثل ذلك أو إتياناً مثل ذلك أو جزاءً مثل إعراضِك أو نسياناً وهذه الأوجه التي ذكرها تكون الكاف في بعضها نصباً (على المصدر، وفي بعضها نصباً) على المفعول به.

ولم يذكر الزمخشري في غير المفعول به فقال: أي: مثل ذلك فعلتَ أنْتَ، ثم فُسِّر بأنَّ آياتنَا أتتك واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر، فتركتَها وأعرضتَ عنها. ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ تُتْرَك في النار.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أي ومثل ذلك الجزاء نجزي «مَنْ أسْرَفَ» أي: أشرك، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مما يعذبهم في الدنيا (والقبر، «وَأبْقَى» وأدْوَمُ) .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed life, and We will gather him on the Day of Resurrection blind."

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

Loading…

You read 20:121–125 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Ṭā-Hā 20:121