All commentaries

اللباب في علوم الكتاب

Ibn ʿĀdil

ابن عادل الحنبلي (ت ٨٨٠ هـ)

Language, law and argument of the earlier books in one reading.

An-Nāziʿāt 79:33 Juzʾ 30 Page 584

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

As provision for you and your grazing livestock.

Read in the muṣḥaf
اللباب في علوم الكتاب Ibn ʿĀdil

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ، يريد: أهل «مكّة» ، أي: أخلقكم بعد الموت أشدُّ في تقديركم أم السماءُ؟ .

فمن قدر على خلقِ السَّماء على عظمها، وعظم أحوالها، قدر على الإعادة، وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 57] .

والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ [يس: 81] .

ومعنى الكلام: التقريع والتوبيخ.

ثم وصف تعالى السماء، فقال: «أم السَّماءَ بَناهَا» عطف على «أنتم» ، وقوله «» بَنَاهَا «بيان لكيفية خلقه إياها، فالوقف على» السَّماءِ» ، والابتداء بما بعدها، ونظيره قوله - تعالى - في «الزخرف» : ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: 58] .

وقوله: «رَفَعَ سَمْكهَا» جملة مفسرة لكيفية البناء، «والسَّمْك» : «الارتفاع» .

قال الزمخشريُّ: «جعل مقدار ذهابها في سمتِ العلوِّ مديداً رفيعاً» .

وسكمتُ الشيء: رفعته في الهواء، وسمك هو، أي: ارتفع سُمُوكاً، فهو قاصرٌ ومتعدٍّ، وبناء مسموك، وسنامٌ سَامِكٌ تَامِكٌ، أي: عالٍ مرتفعٌ، وسماك البيت ما سمكته به، والمسموكاتُ: السماوات ويقال: اسمك في الدّيم، أي: اصعد في الدرجة، والسماك: نجم معروف، وهما اثنان، رامح وأعزل؛ قال الشاعر: [الكامل]

5099 - إنَّ الذي سَمكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ اعَزُّ وأطْوَلُ وقال البغويُّ: «رفَعَ سمْكهَا» أي: سقفها.

فصل في الكلام على هذه الآية

قال الكسائيُّ والفراء والزجاج: هذا الكلام تم عند قوله تعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، قال: لأنَّه من أصله السماء، والتقدير: «أم السماء التي بناها» فحذف «التي» ، ومثل هذا الحذف جائز.

قال القفالُ: يقال: الرجل جاءك عاقل، أي: الرجل الذي جاءك عاقل، وإذا ثبت جواز ذلك في اللغة، فنقول: الدَّليل على أن قوله تعالى: «بَنَاهَا» صلةٌ لما قبله، أنَّه لو لم يكن صلة لكان صفة فقوله: «بَنَاهَا» صفة، ثم قوله: «رَفَعَ سَمْكهَا» صفة، فقد توالت صفتان، لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى، فكان يجب إدخال العاطف بينهما، كما في قوله: «وأغطَشَ ليْلهَا» ، ولمَّا لم يكن كذلك، علمنا أنَّ قوله: «بَناهَا» صلةٌ للسَّماءِ، فكان التقدير: أم السَّماء التي بناهَا» ، وهذا يقتضي وجود سماءٍ ما بَنَاهَا اللهُ، وذلك باطل.

وقوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي: خَلقهَا خَلْقاً مستوياً، لا تفاوت فيه، ولا فطور، ولا شقوق.

فصل فيمن استدل بالآية على أن السماء كرة

قال ابن الخطيب: واستدلُّوا بهذه الآية على كونِ السَّماء كُرةً، قالوا: لأنه لو لم تكن كرةً لكان بعضُ جوانبها سطحاً، والبعض زاويةً والبعضُ خطًّا، ولكان بعض أجزائه اقرب إلينا، والبعض الآخر أبعد، فلا تحصل التَّسويةُ الحقيقية، ثُمَّ قالوا: لما ثبت أنَّها محدثةٌ مُفتقِرةٌ إلى فاعل مختار، فأيُّ ضررٍ في الدِّين يُنافِي كونها كرة.

قوله تعالى: ﴿وَأَغْطَشَ﴾ . أي: أظلم بلغة أنمار، يقال: غطشَ الليلُ، وأغطشته أنا؛ قال: [المتقارب]

5100 - عَقرْتُ لَهُمْ نَاقَتِي مَوهِناً ... فَليْلهُم مُدلَهِمٌّ غَطِشْ

وليل أغطش، وليلة غطشاء.

قال الراغب: وأصله من الأغطش، وهو الذي في عينه شبه عمش، ومنه فلاة غَطْشَى لا يهتدى فيها، والتَّغَاطشُ: التَّعامِي انتهى.

ويقال: أغْطشَ اللَّيْلُ قاصراً ك «أظلم» ، ف «أفْعَلَ» فيه متعدٍّ ولازمٍ، فالغَطَشُ والغَتَشُ: الظُّلمة، ورجل أغطش، أي: أعْمَى، أو شبيهٌ به، وقد غطش، والمرأة: غطشاءُ، وفلاة غَطْشَى لا يهتدى لها؛ قال الأعشى: [المتقارب]

5101 - وبَهْمَاءَ بالليْلِ غَطْشَى الفَلاَ ... ةِ يُؤنِسُنِي صَوْتُ قَيَّادِهَا

ومعنى قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أي: جعلهُ مُظلماً، وأضاف اللَّيل إلى السَّماء؛ لأنَّ الليل يكون بغروب الشمس، والشمس تضاف إلى السماء، ويقال: نجُومُ اللَّيْلِ؛ لأنَّ ظهورها بالليل.

قوله: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، فيه حذف، أي: ضحى شمسها، وأضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما، وإنَّما عبَّر عن النَّهارِ بالضحى؛ لأنَّ الضُّحى أكمل النَّهار بالنَّور والضَّوءِ.

قوله تعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أي: بسطها، و «بَعْدَ» على بابها من التأخير، ولا معارضة بينها وبين آية فُصلت؛ لأنَّه - تعالى - خلق الأرض غير مدحوة، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض.

وقول أبي عبيدة: إنَّها بمعنى: «قَبْلَ» منكرٌ عند العلماء.

والعرب تقول: دحوتُ الشيء ادحوهُ دحْواً: إذا بسطه، ودحَى يَدحِي دَحْياً: إذا بسطه، فهو من ذوات الواو والياء، فيكتب بالألف، والياء.

وقيل لعشّ النَّعامة: أدحو، وأدحى لانبساطه في الأرض.

وقال أمية بن أبي الصلت: [الوافر]

5102 - وبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحاهَا ... فَهُمْ قُطَّانُهَا حتَّى التَّنَادِي

وقيل: دَحَى بمعنى سوَّى.

قال زيدُ بنُ عمرو بن نفيلٍ: [المتقارب]

5103 - وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَنْ أسْلمَتْ ... لَهُ الأرْضُ تَحْمِلُ صَخْراً ثِقَالاً

دَحَاهَا فلمَّا اسْتَوَتْ شَدَّهَا بأيدٍ وأرْسَى عَلَيْهَا الجِبَالا

والعامة: على نصب الأرض، والجبال على إضمار فعلٍ مفسَّر بما بعده، وهو المختار لتقدُّم جملة فعلية.

ورفعهما الحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة وأبو السمال وعمرو بن عبيد، برفعهما علىلابتداء، وعيسى برفع «الأرض» فقط.

فصل

روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان، وكان قبل أن يخلق الدُّنيا بألفي عام، ثم دُحيتِ الأرض من تحت البيت.

وحكى القرطبي عن بعض أهل العلم أنَّ «بَعْدَ» هنا في موضع: «مع» ، كأنَّه قال: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [القلم: 13] ، ومنه قولهم: «أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيِّئُ الخلقِ» ؛ وقال الشاعر: [الطويل]

5104 - فَقُلت لَهَا: عَنِّي إليْك فإنَّنِي ... حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذَاكَ لَبِيبُ

أي: مع ذلك.

وقيل: «بعد» بمعنى: «قبل» كقوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنبياء: 105] أي: من قبلِ الفرقان؛ قال أبو كثير: [الطويل]

5105 - حَمدْتُ إلَهِي بَعْدَ عُرْوةَ إذْ نَجَا ... خِراشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أهونُ مِنَ بعضِ

وزعموا أن خِراشاً نجا قبل عروة.

وقيل: «دَحاهَا» حرثها وشقَّها، قاله ابن زيد.

وقيل: «دَحاهَا» مهَّدها للأقوات، والمعنى متقارب.

قوله: ﴿أَخْرَجَ﴾ . فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون تفسيراً.

والثاني: أن يكون حالاً.

قال الزمخشري: فإن قلت هلاَّ أدخل حرف العطف على «أخرج» ؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن يكون «دَحَاهَا» بمعنى: بسطها، ومهَّدها للسُّكْنَى، ثم فسَّر التَّمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المأكلِ والمشربِ وإمكان القرار عليها.

والثاني: أن يكون «أخْرَج» حالاً، بإضمار «قد» ، كقوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: 90] .

واعلم أنَّ إضمار «قد» هو قول الجمهور، وخالف الكوفيون والأخفش.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ، أي: من الأرض عيونها المتفجِّرة بالماء.

و «مَرْعَاهَا» أي: النبات الذي يرعى، والمراد بمرعاها، ما يأكل النَّاسُ والأنعامُ، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً﴾ [عبس: 25، 26] ، إلى قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [عبس: 32] ، واستعير الرَّعي للإنسان، كما استعير الرَّتعُ في قوله: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12] وقد قُرئ «نرتع» ويرتع من الرَّعي، والرعي في الأصل مكان أو زمان، أو مصدر، وهو هنا مصدر بمعنى: «المفعول» ، وهو في حق الآدميين استعارة.

قال ابن قتيبة: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] ، فانظر كيف دلَّ بقوله: «مَاءهَا ومَرْعاهَا» على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً، ومنها متاعاً للأنام من العشب، والشجر، والثمر، والحب والقضب، واللباس، والدواء، حتى النار والملح.

أمَّا النار؛ فلأنها من العيدانِ، قال جلا وعلا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون﴾ [الواقعة: 71، 72] .

وأمَّا الملحُ؛ فلأنَّه من الماءِ.

قوله تعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

قراءة العامة: بنصب «الجبال» .

وأرْسَى: ثبَّت فيها الجبال.

وقرأ الحسنُ، وعمرو بنُ عبيدٍ، وعمرو بنُ ميمونٍ، ونصرُ بنُ عاصمٍ: بالرَّفعِ على الابتداءِ.

قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ .

العامَّة: على النصب مفعولاً له، أو مصدراً لعاملٍ مقدرٍ، اي: متَّعكُمْ، أو مصدراً من غير اللفظ؛ لأن المعنى: أخرج منها ماءها ومرعاها أمتع بذلك.

وقيل: نُصِبَ بإسقاط حرف الصفة، تقديره: لتتمتعوا به متاعاً، والمعنى منفعة لكم ولأنعامكم.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But when there comes the greatest Overwhelming Calamity -

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في جواب «إذا» أوجه:

أحدها: قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ، نحو: «إذا جاءك بنو تميمٍ، فأما العاصي فأهنه، وأمَّا الطائع فأكرمه» .

وقيل: محذوف.

فقدَّرهُ الزمخشريُّ: فإن الأمر كذلك، أي: فإنَّ الجحيمَ مأواهُ.

وقدَّره غيرهُ: انقسم الرَّاءون قسمين.

وقيل: عاينُوا أو علموا.

وقيل: جوابها أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة.

وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

والطَّامةُ الكبرى: الدَّاهيَة العُظمَى التي تطمّ على غيرها من الدَّواهي لعظمها، و «الطَّمُّ» : «الدفن» ، ومنه: طمَّ السَّيلُ الرَّكية، وفي المثل: جَرَى الوادِي فطمَّ على القُرَى.

وقيل: مأخوذٌ من قولهم: طمَّ الفرس طميماً، إذا استفرغ جهده في الجري، والمراد بها في القرآن: النَّفخة الثانية؛ لأن بها يحصل ذلك.

قال ابن عباس: هي النَّفخةُ الثانية التي يكون معها البعث.

وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً، والضحاك: أنَّها القيامة، سميت بذلك؛ لأنَّها تطمُّ على كل شيء فتغمره.

وقال القاسمُ بنُ الوليد الهمداني: الطامةُ الكبرى حين يساق أهل الجنَّة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بدل من «إذا» ، أو: منصوباًَ بإضمار فعلٍ، أي: أعني: يوم أو يوم يتذكر كيت وكيت.

قوله: ‏‏ ‏‏ أي: ما عمل من خير أو شر يراه مكتوباً في كتابه فيتذكرهُ، وكان قد نسيه، لقوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6] .

قوله تعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ العامة على بنائه للمفعول مشدداً، و ‏‏‏ ‏‏‏ بياء الغيبة.

وزيدُ بن علي وعائشة وعكرمة: مبنيًّا للفاعل مخففاً، و «ترى» بتاء من فوق، فجوزوا في تاء «ترى» أن تكون للتأنيث، وفي «ترى» ضمير الجحيم، كقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: 12] ، وأن تكون للخطاب، أي: ترى أنت يا محمد، والمراد: ترى الناس. وقرأ عبد الله: «لمن رأى» فعلاً ماضياً.

قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «بُرِّزَتْ» كشفت عنها تتلظّى، فيراه كل ذي بصرٍ، فالمؤمنون يمرُّون عليها، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [مريم: 71] ، وأمَّا الكفار فهي مأواهُم.

وقيل: الرؤية هنا: استعارة، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين.

وقيل: المراد: الكافر؛ لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب.

وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النَّعمةِ.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أي: تجاوز الحدَّ في العصيان.

قيل: نزلت في النَّضْرِ وأبيه الحارث، وهي عامة في كل كافرٍ آثر الحياة الدنيا على الآخرة.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ إمَّا هي المأوى له، أو هي مأواه، وقامت «أل» مقام الضمير، وهو رأي الكوفيين وقد تقدم تحقيق هذا والرد على قائله، خلافاً للبصريين؛ قال الشاعر: [الطويل]

5106 - رَحيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ ... بِجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ

إذ لو كانت «أل» عوضاً من الضمير لما جمع بينهما في هذا البيت، ولا بُدَّ من أحد هذين التأويلين في الآية الكريمة لأجل العائد من الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ، والذي حسَّن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت رأس فاصلة.

وقال الزمخشري «فإن الجحيم مأواهُ، كما تقول للرجل: غُضَّ الطَّرف، تريد طرفك، وليس الألف و» اللام» بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أنَّ الطَّاغي هو صاحب المأوى، وأنَّه لا يغُضُّ طرف غيره تركت الإضافة، ودخول الألف واللام في «المأوى» والطرف، للتعريف؛ لأنهما معروفان» .

قال أبو حيان: «وهو كلام لا يتحصَّل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدّر ضميراً محذوفاً ضميراً كما قدَّره البصريون، فرام حصول الرابط بلا رابط» .

قال شهابُ الدِّين: «ولكن لما علم إلى آخره، هو عين قول البصريين، ولا أدري كيف خفي عليه هذا» .

قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اي: حَذِرَ مقامه بين يدي ربه.

وقال الربيعُ: مقامه يوم الحساب.

وقال مجاهدٌ: خوفه في الدنيا من الله عند مواقعه الذَّنب فقلع عنه، نظيره: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرحمن: 46] .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أي: زجرها عن المعاصي والمحارم.

قال ابن الخطيب: هذان الوصفان مضادَّان للوصفين المتقدمين، فقوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ضدُّ قوله: «فأمَّا من طغى» ، «ونَهَى النفس» ضدُّ قوله: «وآثر الحياةَ الدُّنيا» فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الهوى، وسيأتي زمان يقوى الهوى الحقَّ، فنعوذُ بالله من ذلك الزمنِ.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أي: المنزل، نزلت لآيتان في مصعبِ بن عميرٍ، وأخيه عامرِ بنِ عميرٍ.

روى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أمَّا من طغى فهو أخٌ لمصعب بن عمير، أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت. قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلمَّا أصبحُوا حدَّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدُّوا أسيركم، فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاءِ حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه.

«» وأمَّا من خَاف مَقامَ ربِّهِ «فمصعب بن عمير، وَقَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بنفسه يوم» أحُدٍ «حين تفرَّق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السِّهام، فلما رأه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مشطحاً في دمهِ، قال:» عِندَ اللهِ أحْتسبهُ» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأصحابه: «لَقِدْ رأيْتهُ وعَليْهِ بُرْدَانِ ما تُعرفُ قيمتُهما وإنَّ شِراكَ نَعْليهِ مِنْ ذَهَبٍ» » .

وعن ابن عباس: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «نزلت هذه الآية في رجلين: أبو جهل بن هشام، ومصعب بن عمير» .

وقال السديُّ: نزل قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في أبي بكرٍ الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

وقال الكلبيُّ: هما عامَّتان.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏

The Day when man will remember that for which he strove,

اللباب في علوم الكتابIbn ʿĀdil

قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في جواب «إذا» أوجه:

أحدها: قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ، نحو: «إذا جاءك بنو تميمٍ، فأما العاصي فأهنه، وأمَّا الطائع فأكرمه» .

وقيل: محذوف.

فقدَّرهُ الزمخشريُّ: فإن الأمر كذلك، أي: فإنَّ الجحيمَ مأواهُ.

وقدَّره غيرهُ: انقسم الرَّاءون قسمين.

وقيل: عاينُوا أو علموا.

وقيل: جوابها أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة.

وقال أبو البقاء: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

والطَّامةُ الكبرى: الدَّاهيَة العُظمَى التي تطمّ على غيرها من الدَّواهي لعظمها، و «الطَّمُّ» : «الدفن» ، ومنه: طمَّ السَّيلُ الرَّكية، وفي المثل: جَرَى الوادِي فطمَّ على القُرَى.

وقيل: مأخوذٌ من قولهم: طمَّ الفرس طميماً، إذا استفرغ جهده في الجري، والمراد بها في القرآن: النَّفخة الثانية؛ لأن بها يحصل ذلك.

قال ابن عباس: هي النَّفخةُ الثانية التي يكون معها البعث.

وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً، والضحاك: أنَّها القيامة، سميت بذلك؛ لأنَّها تطمُّ على كل شيء فتغمره.

وقال القاسمُ بنُ الوليد الهمداني: الطامةُ الكبرى حين يساق أهل الجنَّة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بدل من «إذا» ، أو: منصوباًَ بإضمار فعلٍ، أي: أعني: يوم أو يوم يتذكر كيت وكيت.

قوله: ‏‏ ‏‏ أي: ما عمل من خير أو شر يراه مكتوباً في كتابه فيتذكرهُ، وكان قد نسيه، لقوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6] .

قوله تعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ العامة على بنائه للمفعول مشدداً، و ‏‏‏ ‏‏‏ بياء الغيبة.

وزيدُ بن علي وعائشة وعكرمة: مبنيًّا للفاعل مخففاً، و «ترى» بتاء من فوق، فجوزوا في تاء «ترى» أن تكون للتأنيث، وفي «ترى» ضمير الجحيم، كقوله تعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: 12] ، وأن تكون للخطاب، أي: ترى أنت يا محمد، والمراد: ترى الناس. وقرأ عبد الله: «لمن رأى» فعلاً ماضياً.

قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «بُرِّزَتْ» كشفت عنها تتلظّى، فيراه كل ذي بصرٍ، فالمؤمنون يمرُّون عليها، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [مريم: 71] ، وأمَّا الكفار فهي مأواهُم.

وقيل: الرؤية هنا: استعارة، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين.

وقيل: المراد: الكافر؛ لأنه الذي يرى النار بما فيها من أصناف العذاب.

وقيل: يراها المؤمن ليعرف قدر النَّعمةِ.

قوله: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ أي: تجاوز الحدَّ في العصيان.

قيل: نزلت في النَّضْرِ وأبيه الحارث، وهي عامة في كل كافرٍ آثر الحياة الدنيا على الآخرة.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ إمَّا هي المأوى له، أو هي مأواه، وقامت «أل» مقام الضمير، وهو رأي الكوفيين وقد تقدم تحقيق هذا والرد على قائله، خلافاً للبصريين؛ قال الشاعر: [الطويل]

5106 - رَحيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ ... بِجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ

إذ لو كانت «أل» عوضاً من الضمير لما جمع بينهما في هذا البيت، ولا بُدَّ من أحد هذين التأويلين في الآية الكريمة لأجل العائد من الجملة الواقعة خبراً للمبتدأ، والذي حسَّن عدم ذكر العائد كون الكلمة وقعت رأس فاصلة.

وقال الزمخشري «فإن الجحيم مأواهُ، كما تقول للرجل: غُضَّ الطَّرف، تريد طرفك، وليس الألف و» اللام» بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أنَّ الطَّاغي هو صاحب المأوى، وأنَّه لا يغُضُّ طرف غيره تركت الإضافة، ودخول الألف واللام في «المأوى» والطرف، للتعريف؛ لأنهما معروفان» .

قال أبو حيان: «وهو كلام لا يتحصَّل منه الرابط العائد على المبتدأ، إذ قد نفى مذهب الكوفيين، ولم يقدّر ضميراً محذوفاً ضميراً كما قدَّره البصريون، فرام حصول الرابط بلا رابط» .

قال شهابُ الدِّين: «ولكن لما علم إلى آخره، هو عين قول البصريين، ولا أدري كيف خفي عليه هذا» .

قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اي: حَذِرَ مقامه بين يدي ربه.

وقال الربيعُ: مقامه يوم الحساب.

وقال مجاهدٌ: خوفه في الدنيا من الله عند مواقعه الذَّنب فقلع عنه، نظيره: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرحمن: 46] .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أي: زجرها عن المعاصي والمحارم.

قال ابن الخطيب: هذان الوصفان مضادَّان للوصفين المتقدمين، فقوله تعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ضدُّ قوله: «فأمَّا من طغى» ، «ونَهَى النفس» ضدُّ قوله: «وآثر الحياةَ الدُّنيا» فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الهوى، وسيأتي زمان يقوى الهوى الحقَّ، فنعوذُ بالله من ذلك الزمنِ.

قوله: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أي: المنزل، نزلت لآيتان في مصعبِ بن عميرٍ، وأخيه عامرِ بنِ عميرٍ.

روى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أمَّا من طغى فهو أخٌ لمصعب بن عمير، أسر يوم بدر، فأخذته الأنصار، فقالوا: من أنت. قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدوه في الوثاق، وأكرموه، وبيتوه عندهم، فلمَّا أصبحُوا حدَّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ، شدُّوا أسيركم، فإنَّ أمَّه أكثر أهل البطحاءِ حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى بعثت أمه في فدائه.

«» وأمَّا من خَاف مَقامَ ربِّهِ «فمصعب بن عمير، وَقَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بنفسه يوم» أحُدٍ «حين تفرَّق الناس عنه، حتى نفذت المشاقص في جوفه، وهي السِّهام، فلما رأه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مشطحاً في دمهِ، قال:» عِندَ اللهِ أحْتسبهُ» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأصحابه: «لَقِدْ رأيْتهُ وعَليْهِ بُرْدَانِ ما تُعرفُ قيمتُهما وإنَّ شِراكَ نَعْليهِ مِنْ ذَهَبٍ» » .

وعن ابن عباس: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «نزلت هذه الآية في رجلين: أبو جهل بن هشام، ومصعب بن عمير» .

وقال السديُّ: نزل قوله تعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في أبي بكرٍ الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.

وقال الكلبيُّ: هما عامَّتان.

You read 79:33–35 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

An-Nāziʿāt 79:33