All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

For a verse that carries a ruling. Strongest on the law.

Al-Baqarah 2:126 Juzʾ 1 Page 19

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And [mention] when Abraham said, "My Lord, make this a secure city and provide its people with fruits - whoever of them believes in Allah and the Last Day." [Allah] said. "And whoever disbelieves - I will grant him enjoyment for a little; then I will force him to the punishment of the Fire, and wretched is the destination."

Read in the muṣḥaf
الجامع لأحكام القرآن Al-Qurṭubī

وَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي مَكَّةَ، فَدَعَا لِذُرِّيَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ بِالْأَمْنِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ. فَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ فَاقْتَلَعَ الطَّائِفَ مِنْ الشَّامِ فَطَافَ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ أُسْبُوعًا، فَسُمِّيَتْ الطَّائِفُ لِذَلِكَ، ثُمَّ أَنْزَلَهَا تِهَامَةَ، وَكَانَتْ مَكَّةُ وَمَا يَلِيهَا حِينَ ذَلِكَ قَفْرًا لَا مَاءَ وَلَا نَبَاتَ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِيمَا حَوْلَهَا كَالطَّائِفِ وَغَيْرِهَا، وَأَنْبَتَ فِيهَا أَنْوَاعُ الثَّمَرَاتِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ" إِبْرَاهِيمَ راجع ٩ ص ٣٦٨ فما بعدها. " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّانِيَةُ- اخْتَلَفَ العلماء في مكة هل صارت حراما آمِنًا بِسُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ أَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا- أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ حَرَمًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ الْمُسَلَّطِينَ، وَمِنَ الْخُسُوفِ وَالزَّلَازِلِ، وَسَائِرِ الْمَثُلَاتِ الَّتِي تَحِلُّ بِالْبِلَادِ، وَجَعَلَ فِي النُّفُوسِ الْمُتَمَرِّدَةِ مِنْ تَعْظِيمِهَا وَالْهَيْبَةِ لَهَا مَا صَارَ بِهِ أَهْلُهَا مُتَمَيِّزِينَ بِالْأَمْنِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى. وَلَقَدْ جَعَلَ فِيهَا سُبْحَانَهُ مِنَ الْعَلَامَةِ الْعَظِيمَةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ مَا شُوهِدَ مِنْ أَمْرِ الصَّيْدِ فِيهَا، فَيَجْتَمِعُ فِيهَا الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ فَلَا يُهَيِّجُ الْكَلْبُ الصَّيْدَ وَلَا يَنْفِرُ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجَا مِنَ الْحَرَمِ عَدَا الْكَلْبُ عَلَيْهِ وَعَادَ إِلَى النُّفُورِ وَالْهَرَبِ. وَإِنَّمَا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَهَا آمِنًا مِنَ الْقَحْطِ وَالْجَدْبِ وَالْغَارَاتِ، وَأَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ، لَا عَلَى مَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ الْمَنْعُ مِنْ سَفْكِ الدَّمِ فِي حَقِّ مَنْ لزمه القتل، فَإِنَّ ذَلِكَ يُبْعِدُ كَوْنَهُ مَقْصُودًا لِإِبْرَاهِيمَ ﷺ حَتَّى يُقَالَ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ فِي شَرْعِهِ تَحْرِيمُ قَتْلِ مَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ، هَذَا بَعِيدٌ جِدًّا. الثَّانِي- أَنَّ مَكَّةَ كَانَتْ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَسَائِرِ الْبِلَادِ، وَأَنَّ بِدَعْوَتِهِ صَارَتْ حَرَمًا آمِنًا كَمَا صَارَتْ الْمَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَلَالًا. احْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُعْضَدُ لا يعضد: لا يقطع. شَوْكُهُ وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا الخلى (مقصور): النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا، واختلاؤه: قطعه. (فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرُ الإذخر (بكسر الهمزة والخاء): حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب، ويحرق بدل الخشب والفحم. والقين: الحداد. فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ:) إِلَّا الْإِذْخِرُ (. وَنَحْوُهُ حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لِأَهْلِهَا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدَّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ (. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: "وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِخْبَارٌ بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهَا وَقَضَائِهِ، وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ مُدَّةُ آدَمَ وَأَوْقَاتُ عِمَارَةِ الْقُطْرِ بِإِيمَانٍ. وَالثَّانِي إِخْبَارٌ بِتَجْدِيدِ إِبْرَاهِيمَ لِحُرْمَتِهَا وَإِظْهَارِهِ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّثُورِ، وَكَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثَانِيَ يَوْمِ الْفَتْحِ إِخْبَارًا بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ مَكَّةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِإِسْنَادِ التَّحْرِيمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ مِثَالًا لِنَفْسِهِ، وَلَا مَحَالَةَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمَدِينَةِ هُوَ أَيْضًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ نَافِذِ قَضَائِهِ وَسَابِقِ عِلْمِهِ". وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَتْ مَكَّةُ حَرَامًا فَلَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الْخَلْقَ بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها.

الثالثة- قوله تعالى: "وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ" تَقَدَّمَ معنى الرزق راجع المسألة الثانية والعشرين ج ١ ص ١٧٧.. والثمرات جمع ثمرة، وقد تَقَدَّمَ راجع المسألة الرابعة ج ١ ص ٢٢٩.. "مَنْ آمَنَ" بَدَلُ مِنْ أَهْلِ، بَدَلَ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ. وَالْإِيمَانُ: التَّصْدِيقُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ راجع المسألة الاولى ج ١ ص ١٦٢ طبعه ثانية.. "قَالَ وَمَنْ كَفَرَ" "مَنْ" فِي قَوْلِهِ "وَمَنْ كَفَرَ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَارْزُقْ مَنْ كَفَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَهِيَ شَرْطٌ وَالْخَبَرُ "فَأُمَتِّعُهُ" وَهُوَ الْجَوَابُ. وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا: هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَرَءُوا "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ. "ثُمَّ أَضْطَرُّهُ" بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَكَذَلِكَ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ خَلَا ابْنَ عَامِرٍ فَإِنَّهُ سَكَّنَ الْمِيمَ وَخَفَّفَ التَّاءَ. وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ "فَنُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُ" بِالنُّونِ. وَقَالَ ابْنُ عباس ومجاهد وقتادة: هذا القول عن إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَرَءُوا "فَأَمْتِعْهُ" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِوَصْلِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَلَى الْكَافِرِينَ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي "قالَ" لِإِبْرَاهِيمَ، وَأُعِيدَ "قالَ" لِطُولِ الْكَلَامِ، أَوْ لِخُرُوجِهِ مِنَ الدُّعَاءِ لِقَوْمٍ إِلَى الدُّعَاءِ عَلَى آخَرِينَ. وَالْفَاعِلُ فِي "قالَ" عَلَى قِرَاءَةِ الْجَمَاعَةِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ، وَجَعَلَ الْقِرَاءَةَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَوَصْلِ الْأَلِفِ شَاذَّةً، قَالَ: وَنَسَقُ الْكَلَامِ وَالتَّفْسِيرِ جَمِيعًا يَدُلَّانِ عَلَى غَيْرِهَا، أَمَّا نَسَقُ الْكَلَامِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَبَّرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: "رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً" ثُمَّ جَاءَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُ بِقَالَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: "قالَ وَمَنْ كَفَرَ" فَكَانَ هَذَا جَوَابًا مِنَ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ بَعْدُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَأَمَّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عَبَّاسٍ: دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَنْ آمَنَ دُونَ النَّاسِ خَاصَّةً، فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَرْزُقُ مَنْ كَفَرَ كَمَا يَرْزُقُ مَنْ آمَنَ، وَأَنَّهُ يُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ يَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ راجع ج ١٠ ص ٢٣٦. "وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:" وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ راجع ج ٩ ص ٤٨. ". قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنَّمَا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ كُفَّارًا فَخَصَّ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ".

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:126