All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

For a verse that carries a ruling. Strongest on the law.

An-Naml 27:32 Juzʾ 19 Page 379

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."

Read in the muṣḥaf
الجامع لأحكام القرآن Al-Qurṭubī

فِيهِ ثَلَاثَ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ الْمَلَأُ أَشْرَافُ الْقَوْمِ وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" راجع ج ٣ ص ٢٤٣ طبعه أولى أو ثانية. الْقَوْلُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مَعَهَا أَلْفُ قَيْلٍ. وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَيْلٍ مَعَ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ. وَالْقَيْلُ الْمَلِكُ دُونَ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ. فَأَخَذَتْ فِي حُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ قَوْمِهَا، وَمُشَاوَرَتِهِمْ فِي أَمْرِهَا، وَأَعْلَمَتْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مطرد عندها في كل أمر يعرض، بقولها: (مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) فَكَيْفَ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ الْكُبْرَى. فَرَاجَعَهَا الْمَلَأُ بِمَا يُقِرُّ عَيْنَهَا، مِنْ إِعْلَامِهِمْ إِيَّاهَا بِالْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ، ثُمَّ سَلَّمُوا الْأَمْرَ إِلَى نَظَرِهَا، وَهَذِهِ مُحَاوَرَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الْجَمِيعِ. قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا هُمْ أَهْلُ مَشُورَتِهَا، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ. الثَّانِيَةُ- فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْمُشَاوَرَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: "وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" فِي "آلِ عِمْرَانَ" إِمَّا اسْتِعَانَةً بِالْآرَاءِ، وَإِمَّا مُدَارَاةً لِلْأَوْلِيَاءِ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْفُضَلَاءَ بِقَوْلِهِ: "وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ". وَالْمُشَاوَرَةُ مِنَ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ وَخَاصَّةً فِي الْحَرْبِ، فَهَذِهِ بِلْقِيسُ امْرَأَةٌ جَاهِلِيَّةٌ كَانَتْ تَعْبُدُ الشَّمْسَ: "قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ" لِتَخْتَبِرَ عَزْمَهُمْ عَلَى مُقَاوَمَةِ عَدُوِّهِمْ، وَحَزْمَهُمْ فِيمَا يُقِيمُ أَمْرَهُمْ، وَإِمْضَائَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ لَهَا، بِعِلْمِهَا بِأَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَبْذُلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ دُونَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا طَاقَةٌ بِمُقَاوَمَةِ عَدُوِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ أَمْرُهُمْ وَحَزْمُهُمْ وَجِدُّهُمْ كَانَ ذَلِكَ عَوْنًا لِعَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَخْتَبِرْ مَا عِنْدَهُمْ، وَتَعْلَمْ قدر عزمهم لم تكن على بصيرة مِنْ أَمْرِهِمْ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي اسْتِبْدَادِهَا بِرَأْيِهَا وَهَنٌ فِي طَاعَتِهَا، وَدَخِيلَةٌ فِي تَقْدِيرِ أَمْرِهِمْ، وَكَانَ فِي مُشَاوَرَتِهِمْ وَأَخْذِ رَأْيِهِمْ عَوْنٌ عَلَى مَا تُرِيدُهُ مِنْ قُوَّةِ شَوْكَتِهِمْ، وَشِدَّةِ مُدَافَعَتِهِمْ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ فِي جَوَابِهِمْ: (نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنْ قُوَّةِ أَحَدِهِمْ أَنَّهُ يَرْكُضُ فَرَسُهُ حَتَّى إِذَا احْتَدَّ ضَمَّ فَخِذَيْهِ فَحَبَسَهُ بِقُوَّتِهِ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ سَلَّمُوا الْأَمْرَ إِلَى نَظَرِهَا مَعَ مَا أَظْهَرُوا لَهَا مِنَ الْقُوَّةِ وَالْبَأْسِ وَالشِّدَّةِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ أَخْبَرَتْ عِنْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْمُلُوكِ بِالْقُرَى الَّتِي يَتَغَلَّبُونَ عَلَيْهَا. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ خَوْفٌ عَلَى قَوْمِهَا، وَحِيطَةٌ وَاسْتِعْظَامٌ لِأَمْرِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. "وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" قِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ بِلْقِيسَ تَأْكِيدًا لِلْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُعَرِّفًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَأُمَّتِهِ بِذَلِكَ وَمُخْبِرًا بِهِ. وَقَالَ وَهْبٌ: لَمَّا قَرَأَتْ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ لَمْ تَعْرِفِ اسْمَ اللَّهِ، فَقَالَتْ: مَا هَذَا؟! فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَا نَظُنُّ هَذَا إِلَّا عِفْرِيتًا عَظِيمًا مِنَ الْجِنِّ يَقْتَدِرُ بِهِ هَذَا الْمَلِكُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَسَكَّتُوهُ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَرَاهُمْ ثَلَاثَةً مِنَ الْعَفَارِيتِ، فَسَكَّتُوهُ، فَقَالَ شَابٌّ قَدْ عَلِمَ: يَا سَيِّدَةَ الْمُلُوكِ! إِنَّ سُلَيْمَانَ مَلِكٌ قَدْ أَعْطَاهُ مَلِكُ السَّمَاءِ مُلْكًا عَظِيمًا فَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِلَّا بَدَأَ فيها بتسمية إلهه، والله اسم مليك السماء، والرحمن الرَّحِيمُ نُعُوتُهُ، فَعِنْدَهَا قَالَتْ: "أَفْتُونِي فِي أَمْرِي" فقالوا: "نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ" في القتال "وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ" في الحرب واللقاء "وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ" ردوا أمر هم إِلَيْهَا لِمَا جَرَّبُوا عَلَى رَأْيِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ "فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ" فَ "قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً" أَهَانُوا شُرَفَاءَهَا لِتَسْتَقِيمَ لَهُمُ الْأُمُورُ، فَصَدَّقَ اللَّهُ قَوْلَهَا. "وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: "وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً" هَذَا وَقْفٌ تَامٌّ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهَا: "وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" وَشَبِيهٌ بِهِ فِي سُورَةِ "الْأَعْرَافِ" "قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ عَلِيمٌ. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ" تَمَّ الكلام، فقال فرعون:"فَماذا تَأْمُرُونَ". وَقَالَ ابْنُ شَجَرَةَ. هُوَ قَوْلُ بِلْقِيسَ، فَالْوَقْفُ "وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ" أَيْ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ سُلَيْمَانُ إذا دخل بلادنا.

The same ayah, in another commentary

An-Naml 27:32