All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

An-Najm 53:61 Juzʾ 27 Page 528

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

While you are proudly sporting?

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُرِيدُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرٌ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْذَرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ، فَإِنْ أَطَعْتُمُوهُ أَفْلَحْتُمْ، وَإِلَّا حَلَّ بِكُمْ مَا حَلَّ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ السَّالِفَةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يُرِيدُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُ نَذِيرٌ بِمَا أَنْذَرَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْأُولَى. وَقِيلَ: أَيْ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَا بِهِ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ هَلَكُوا تَخْوِيفٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مَا نَزَلَ بِأُولَئِكَ مِنَ النُّذُرِ أَيْ مِثْلَ النُّذُرِ، وَالنُّذُرُ فِي قَوْلِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْإِنْذَارِ كَالنُّكُرِ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ، أَيْ هَذَا إِنْذَارٌ لَكُمْ. وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ: هَذَا الَّذِي أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ وَقَائِعِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ هُوَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو صَالِحٍ قَالَ: هَذِهِ الْحُرُوفُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى. وَإِبْراهِيمَ) إِلَى قَوْلِهِ: (هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) كُلُّ هذه في صحف إبراهيم وموسى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أَيْ قَرُبَتِ السَّاعَةُ وَدَنَتِ الْقِيَامَةُ. وَسَمَّاهَا آزِفَةٌ لِقُرْبِ قِيَامِهَا عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ: (يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً) راجع ج ١٨ ص ٢٨٤.. وَقِيلَ: سَمَّاهَا آزِفَةٌ لِدُنُوِّهَا مِنَ النَّاسِ وَقُرْبِهَا مِنْهُمْ لِيَسْتَعِدُّوا لَهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. قَالَ:

أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ

وَفِي الصِّحَاحِ: أَزِفَ التَّرَحُّلُ يَأْزَفُ أَزَفًا أَيْ دَنَا وَأَفِدَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي الْقِيَامَةَ، وَأَزِفَ الرَّجُلُ أَيْ عَجِلَ فَهُوَ آزِفٌ عَلَى فَاعِلٍ، وَالْمُتَآزِفُ الْقَصِيرُ وَهُوَ الْمُتَدَانِي. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: قُلْتُ لِأَعْرَابِيٍّ مَا الْمُحْبَنْطِئُ؟ قَالَ: الْمُتَكَأْكِئُ. قُلْتُ: مَا الْمُتَكَأْكِئُ؟ قَالَ: الْمُتَآزِفُ. قُلْتُ: مَا الْمُتَآزِفُ؟ قَالَ: أَنْتَ أَحْمَقُ وَتَرَكَنِي وَمَرَّ.

(لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ) أَيْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ يُؤَخِّرُهَا أَوْ يُقَدِّمُهَا. وَقِيلَ: كَاشِفَةٌ أَيِ انْكِشَافٌ أَيْ لَا يَكْشِفُ عَنْهَا وَلَا يُبْدِيهَا إِلَّا اللَّهُ، فَالْكَاشِفَةُ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَالْهَاءُ فِيهِ كَالْهَاءِ فِي الْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ وَالدَّاهِيَةِ وَالْبَاقِيَةِ، كَقَوْلِهِمْ: مَا لِفُلَانٍ مِنْ بَاقِيَةٍ أَيْ مِنْ بَقَاءٍ. وَقِيلَ: أَيْ لَا أَحَدَ يَرُدُّ ذَلِكَ، أَيْ أَنَّ الْقِيَامَةَ إِذَا قَامَتْ لَا يَكْشِفُهَا أَحَدٌ مِنْ آلِهَتِهِمْ وَلَا يُنْجِيهِمْ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ سُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ غَاشِيَةٌ، فَإِذَا كَانَتْ غَاشِيَةٌ كَانَ رَدُّهَا كَشْفًا، فَالْكَاشِفَةُ عَلَى هَذَا نَعْتُ مُؤَنَّثٍ مَحْذُوفٍ، أي نقس كَاشِفَةٌ أَوْ فِرْقَةٌ كَاشِفَةٌ أَوْ حَالٌ كَاشِفَةٌ. وَقِيلَ: إِنَّ (كاشِفَةٌ) بِمَعْنَى كَاشِفٍ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ رَاوِيَةٍ وَدَاهِيَةٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي الْقُرْآنَ. وَهَذَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ (تَعْجَبُونَ) تَكْذِيبًا بِهِ (وَتَضْحَكُونَ) اسْتِهْزَاءً (وَلا تَبْكُونَ) انْزِجَارًا وَخَوْفًا مِنَ الْوَعِيدِ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما روى بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ضَاحِكًا إِلَّا تَبَسُّمًا. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) قَالَ أَهْلُ الصُّفَّةِ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) ثُمَّ بَكَوْا حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ بُكَاءَهُمْ بَكَى مَعَهُمْ فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَا يلج النار من بكى من) خَشْيَةِ اللَّهِ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُصِرٌّ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: نَزَلَ جِبْرِيلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا فُلَانٌ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّا نَزِنُ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا إِلَّا الْبُكَاءَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُطْفِئُ بِالدَّمْعَةِ الْوَاحِدَةِ بُحُورًا مِنْ جَهَنَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أَيْ لَاهُونَ مُعْرِضُونَ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ الْوَالِبِيُّ وَالْعَوْفِيُّ عَنْهُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنْهُ: هُوَ الْغِنَاءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، يُقَالُ: سَمِّدْ لَنَا أَيْ غَنِّ لَنَا، فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ يُتْلَى تَغَنَّوْا وَلَعِبُوا حَتَّى لَا يَسْمَعُوا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَامِدُونَ شَامِخُونَ مُتَكَبِّرُونَ. وَفِي الصِّحَاحِ: سَمَدَ سُمُودًا رَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا وَكُلُّ رَافِعٍ رَأْسَهُ فَهُوَ سَامِدٌ، قال»

:

سَوَامِدُ اللَّيْلِ خِفَافُ الْأَزْوَادْ

يَقُولُ: لَيْسَ فِي بُطُونِهَا عَلَفٌ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سَمَدْتُ سُمُودًا عَلَوْتُ. وَسَمَدَتِ الْإِبِلُ فِي سَيْرِهَا جَدَّتْ. وَالسُّمُودُ اللَّهْوُ، وَالسَّامِدُ اللَّاهِي، يُقَالُ لِلْقَيْنَةِ: أَسْمِدِينَا، أَيْ أَلْهِينَا بِالْغِنَاءِ. وَتَسْمِيدُ الْأَرْضِ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا السماد وهو سراجين وَرَمَادٌ. وَتَسْمِيدُ الرَّأْسِ اسْتِئْصَالُ شَعْرِهِ، لُغَةٌ فِي التَّسْبِيدِ. وَاسْمَأَدَّ الرَّجُلُ بِالْهَمْزِ اسْمِئْدَادًا أَيْ وَرِمَ غَضَبًا. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَى (سامِدُونَ) أَنْ يَجْلِسُوا غَيْرَ مُصَلِّينَ وَلَا مُنْتَظِرِينَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاقِفُونَ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ وُقُوفِ الْإِمَامِ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ الناس ينتظرونه قياما فقال: (مالي أَرَاكُمْ سَامِدِينَ) حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَرَأَى النَّاسَ قياما [ينتظرونه] فقال: (مالكم سَامِدُونَ) قَالَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَالْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ: سَمَدَ يَسْمُدُ سُمُودًا إِذَا لَهَا وَأَعْرَضَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: سَامِدُونَ خَامِدُونَ، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَتَى الْحِدْثَانُ نِسْوَةَ آل حرب ... بمقدور سمدن له سمودا

وَقَالَ صَالِحُ أَبُو الْخَلِيلِ: لَمَّا قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) لَمْ يُرَ ضَاحِكًا إِلَّا مُبْتَسِمًا حَتَّى مَاتَ ﷺ. ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ سُجُودُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ السُّورَةِ مِنْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سَجَدَ مَعَهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَصْوَاتَ الشَّيَاطِينِ فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عند قَوْلِهِ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) وَأَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَا وَشَفَاعَتُهُنَّ تُرْتَجَى. كَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ تُرْتَجَى. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَشَفَاعَتُهُنَّ تُرْتَضَى، وَمِثْلُهُنَّ لَا يُنْسَى. فَفَرِحَ الْمُشْرِكُونَ وَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي (الْحَجِّ) هذه الاخبار من المفتريات على المعصوم سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن ينطق بما هو نقيض القرآن، ولا يمكن أن ينطق على لسانه الشيطان. وكل ما كان من هذا المعنى فهو باطل وضعته الملاحدة للدخول به إلى الطعن في سيدنا محمد ﷺ أوفى الوحى أو في القران وهو الذي لا ينطق عن الهوى. راجع ما كتبه المصنف عن هذا الحديث في ج ١٢ ص ٨٠.. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرَ بِالْحَبَشَةِ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ رَجَعُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ آمَنُوا، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوا فِي تَعْذِيبِهِمْ إِلَى أَنْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ سُجُودُ الْفَرْضِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، كَانَ لَا يَرَاهَا مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَرَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ تَرْكَ السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ آخِرَ (الْأَعْرَافِ) راجع ج ٧ ص ٣٥٧. مُبَيَّنًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. تَمَّ تفسير سورة (والنجم).

The same ayah, in another commentary

An-Najm 53:61