All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Yā-Sīn 36:3 Juzʾ 22 Page 440

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed you, [O Muhammad], are from among the messengers,

Read in the muṣḥaf

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ يس وَهِيَ مكية بإجماع. وهى ثلاث وثمانون آية، إ لا أَنَّ فِرْقَةً قَالَتْ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ١٢] نَزَلَتْ فِي بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَتْرُكُوا دِيَارَهُمْ، وَيَنْتَقِلُوا إِلَى جِوَارِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، عَلَى مَا يَأْتِي. وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "قرءوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ". وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ كذا في نسخ الأصل والذي في الدر المنثور: أبي الدردا. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ سُورَةُ يس إِلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" من قَرَأَ سُورَةَ يس فِي لَيْلَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ "خَرَّجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ أَيْضًا. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس وَمَنْ قَرَأَ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ "قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ هَارُونُ أَبُو مُحَمَّدٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَسُورَةً تَشْفَعُ لِقُرَّائِهَا وَيُغْفَرُ لِمُسْتَمِعِهَا أَلَا وَهِيَ سُورَةُ يس تُدْعَى فِي التَّوْرَاةِ الْمُعِمَّةِ "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمُعِمَّةُ؟ قَالَ:" تَعُمُّ صَاحِبَهَا بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَتَدْفَعُ عَنْهُ أَهَاوِيلَ الْآخِرَةِ وَتُدْعَى الدَّافِعَةَ وَالْقَاضِيَةَ "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ:" تَدْفَعُ عَنْ صَاحِبِهَا كُلَّ سُوءٍ وَتَقْضِي لَهُ كُلَّ حَاجَةٍ وَمَنْ قَرَأَهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرِينَ حَجَّةً وَمَنْ سَمِعَهَا كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ دِينَارٍ تَصَدَّقَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَرِبَهَا أَدْخَلَتْ جَوْفَهُ أَلْفَ دَوَاءٍ وَأَلْفَ نُورٍ وَأَلْفَ يَقِينٍ وَأَلْفَ رَحْمَةٍ وَأَلْفَ رَأْفَةٍ وَأَلْفَ هدى ونزع عَنْهُ كُلُّ دَاءٍ وَغِلٍّ". ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُسْنَدًا. وَفِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ "يس" حِينَ يُصْبِحُ أُعْطِيَ يُسْرَ يَوْمِهِ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَرَأَهَا فِي صَدْرِ لَيْلَتِهِ أُعْطِيَ يُسْرَ لَيْلَتِهِ حَتَّى يُصْبِحَ. وَذَكَرَ النَّحَّاسُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لكل شي قَلْبٌ وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يس مَنْ قَرَأَهَا نَهَارًا كُفِيَ هَمَّهُ وَمَنْ قَرَأَهَا لَيْلًا غُفِرَ ذَنْبُهُ. وقال شهر ابن حَوْشَبٍ: يَقْرَأُ أَهْلُ الْجَنَّةِ "طَه" وَ "يس" فَقَطْ. رَفَعَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ الثَّلَاثَةَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ: رَوَى الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أن لكل شي قَلْبًا وَإِنَّ قَلْبَ الْقُرْآنِ يس وَمَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ أُعْطِيَ يُسْرَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَمَنْ قَرَأَهَا فِي يَوْمٍ أُعْطِيَ يُسْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يُرْفَعُ عَنْهُمُ الْقُرْآنُ فَلَا يَقْرَءُونَ شَيْئًا إِلَّا طَهَ وَيس". وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: بَلَغَنِي أَنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ "يس" لَيْلًا لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ جَرَّبَهَا، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ قَسَاوَةً فَلْيَكْتُبْ "يس" فِي جَامٍ بِزَعْفَرَانٍ ثُمَّ يَشْرَبُهُ، حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ أَشْرَفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ" القرآن أفضل من كل شي دُونَ اللَّهِ وَفَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ وَقَّرَ الْقُرْآنَ فَقَدْ وَقَّرَ اللَّهَ وَمَنَ لَمْ يُوَقِّرِ الْقُرْآنَ لَمْ يُوَقِّرِ اللَّهَ وَحُرْمَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ اللَّهِ كَحُرْمَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ. الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وما حل قال ابن الأثير: ما حل أي خصم مجادل مصدق. مُصَدَّقٌ فَمَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ شُفِّعَ وَمَنْ محل به القرآن ص، دق وَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ. وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ هُمُ الْمَحْفُوفُونَ بِحُرْمَةِ اللَّهِ الْمُلْبَسُونَ نُورَ اللَّهِ الْمُعَلَّمُونَ كَلَامَ اللَّهِ مَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ وَالَى اللَّهَ وَمَنْ عَادَاهُمْ فَقَدِ عَادَى اللَّهَ، يَقُولُ الله تعالى: يا حملة القرآن اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ بِتَوْقِيرِ كِتَابِهِ يَزِدْكُمْ حُبًّا وَيُحَبِّبْكُمْ إِلَى عِبَادِهِ يُدْفَعُ عَنْ مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ بَلْوَى الدُّنْيَا وَيُدْفَعُ عَنْ تَالِي الزيادة من "نوادر الأصول" للترمذي الحكيم. الْقُرْآنِ بَلْوَى الْآخِرَةِ وَمَنِ اسْتَمَعَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَفْضَلُ مِمَّا تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى التُّخُومِ وَإِنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَسُورَةً تُدْعَى الْعَزِيزَةَ وَيُدْعَى صَاحِبُهَا الشَّرِيفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَشْفَعُ لِصَاحِبِهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَهِيَ سُورَةُ يس". وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ يس لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ". وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى قَالَ: "مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ حروفها حسنات".

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يس﴾ فِي "يس" أَوْجُهٌ مِنَ الْقِرَاءَاتِ: قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيُّ "يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" بِإِدْغَامِ النُّونِ فِي الْوَاوِ. وقرا أبو عمرو والأعمش وحمزة "يس" بِإِظْهَارِ النُّونِ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "يَسِنَ" بِنَصْبِ النُّونِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَنَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ "يَسِنِ" بِالْكَسْرِ. وَقَرَأَ هَارُونُ الْأَعْوَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْقَعِ "يَسِنُ" بِضَمِّ النُّونِ، فَهَذِهِ خَمْسُ قِرَاءَاتٍ. الْقِرَاءَةُ الْأُولَى بِالْإِدْغَامِ عَلَى مَا يَجِبُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، لِأَنَّ النُّونَ تُدْغَمُ فِي الْوَاوِ. وَمَنْ بَيَّنَ قَالَ سَبِيلُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِدْغَامُ فِي الْإِدْرَاجِ. وَذَكَرَ سِيبَوَيْهِ النَّصْبَ وَجَعَلَهُ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا وَلَا يَصْرِفُهُ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ بِمَنْزِلَةِ هَابِيلَ، والتقدير أذكر يسئن. وَجَعَلَهُ سِيبَوَيْهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ. وَقَوْلُهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْفَتْحِ مِثْلَ كَيْفَ وَأَيْنَ. وَأَمَّا الْكَسْرُ فَزَعَمَ الْفَرَّاءُ أَنَّهُ مُشَبَّهٌ بِقَوْلِ الْعَرَبِ جَيْرِ لَا أَفْعَلُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ "يَسِنِ" قَسَمًا. وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: مُشَبَّهٌ بِأَمْسِ وَحَذَامَ وَهَؤُلَاءِ وَرَقَاشَ. وَأَمَّا الضَّمُّ فَمُشَبَّهٌ بِمُنْذُ وَحَيْثُ وَقَطُّ، وَبِالْمُنَادَى الْمُفْرَدِ إِذَا قُلْتَ يَا رَجُلُ، لِمَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ السميقع وهارون: وقد جاء في تفسيرها يَا رَجُلُ فَالْأَوْلَى بِهَا الضَّمُّ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ" "يس" وَقْفٌ حَسَنٌ لِمَنْ قَالَ هُوَ افْتِتَاحٌ لِلسُّورَةِ. وَمَنْ قَالَ: مَعْنَى "يس" يَا رَجُلُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عباس مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَعْنَاهُ يَا إِنْسَانُ، وَقَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الصافات: ١٣٠] أَيْ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَدَلِيلُهُ "إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ". قَالَ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ:

يَا نَفْسُ لَا تَمْحَضِي بالنصح جاهدة ... وعلى الْمَوَدَّةِ إِلَّا آلَ يَاسِينَ

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: مَعْنَاهُ يَا سَيِّدَ الْبَشَرِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، قَالَ مَالِكٌ. رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَسَمَّى بِيَاسِينَ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَنْبَغِي لِقَوْلِ اللَّهِ: "يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ" يَقُولُ هَذَا اسْمِي يس. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا كَلَامٌ بَدِيعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَمَّى بِاسْمِ الرَّبِّ إِذَا كَانَ فِيهِ مَعْنًى مِنْهُ، كَقَوْلِهِ: عَالِمٌ وَقَادِرٌ وَمُرِيدٌ وَمُتَكَلِّمٌ. وَإِنَّمَا منع مالك من بالتسمية "يسئن"، لِأَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ، فَرُبَّمَا كَانَ مَعْنَاهُ يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّبُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الصافات: ١٣٠] راجع ج ١١ ص ١٦٥ وما بعدها طبعه أولى أو ثانية. وج ١ ص ٦٧ وما بعدها طبعه ثانية. قُلْنَا: ذَلِكَ مَكْتُوبٌ بِهِجَاءٍ فَتَجُوزُ التَّسْمِيَةُ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي لَيْسَ بِمُتَهَجًّى هُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْكَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: افْتَتَحَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِالْيَاءِ وَالسِّينِ وَفِيهِمَا مَجْمَعُ الْخَيْرِ: وَدَلَّ الْمُفْتَتَحُ عَلَى أَنَّهُ قَلْبٌ، وَالْقَلْبُ أَمِيرٌ عَلَى الْجَسَدِ، وَكَذَلِكَ "يَس" أَمِيرٌ عَلَى سَائِرِ السُّوَرِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ الْقُرْآنِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ بِلُغَةِ طَيٍّ. الْحَسَنُ: بِلُغَةِ كَلْبٍ. الْكَلْبِيُّ: هُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ فَصَارَ مِنْ لُغَتِهِمْ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [طه] وَفِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ مُسْتَوْفًى. وَقَدْ سَرَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَقْوَالَ الْمُفَسِّرِينَ فِي مَعْنَى "يس" فَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ" ذَكَرَ أَنَّ مِنْهَا طَه وَيس اسْمَانِ لَهُ.

قُلْتُ: وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْمَانِي فِي الْقُرْآنِ سَبْعَةَ أَسْمَاءٍ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَطَه وَيس وَالْمُزَّمِّلُ وَالْمُدَّثِّرُ وَعَبْدُ اللَّهِ" قَالَهُ الْقَاضِي. وَحَكَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُ أَرَادَ يَا سَيِّدُ، مُخَاطَبَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "يس" يَا إِنْسَانُ أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ. وَقَالَ: هُوَ قَسَمٌ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قِيلَ مَعْنَاهُ يَا مُحَمَّدُ وَقِيلَ يَا رَجُلُ وَقِيلَ يَا إِنْسَانُ. وَعَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: "يس" يَا مُحَمَّدُ. وَعَنْ كَعْبٍ: "يس" قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ قَالَ زيادة يقتضيها المقام، ويدل عليها ما ورد في "الدر المنثور" السيوطي عن كعب. يَا مُحَمَّدُ: "إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" ثُمَّ قَالَ: "وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ". فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ، وَصَحَّ فِيهِ أَنَّهُ قَسَمٌ كَانَ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا تقدم، مو كد فِيهِ الْقَسَمَ عَطْفُ الْقَسَمِ الْآخَرِ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى النِّدَاءِ فَقَدْ جَاءَ قَسَمٌ آخَرُ بَعْدَهُ لِتَحْقِيقِ رِسَالَتِهِ وَالشَّهَادَةِ بِهِدَايَتِهِ. أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ وَكِتَابِهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ بِوَحْيِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ مِنْ إِيمَانِهِ، أَيْ طَرِيقٍ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا عُدُولَ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ النَّقَّاشُ: لَمْ يُقْسِمِ اللَّهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ بِالرِّسَالَةِ فِي كِتَابِهِ إِلَّا لَهُ، وَفِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَتَمْجِيدِهِ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يَا سَيِّدُ مَا فِيهِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ" انْتَهَى كَلَامُهُ. وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ لَسْتَ مُرْسَلًا وَمَا أَرْسَلَكَ اللَّهُ إِلَيْنَا، فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ الْمُحْكَمِ أَنَّ مُحَمَّدًا مِنَ الْمُرْسَلِينَ. "والْحَكِيمِ" الْمُحْكَمُ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ لِبُطْلَانٍ وَتَنَاقُضٍ، كَمَا قَالَ: "أُحْكِمَتْ آياتُهُ" وَكَذَلِكَ أُحْكِمَ فِي نَظْمِهِ وَمَعَانِيهِ فَلَا يَلْحَقُهُ خَلَلٌ. وَقَدْ يَكُونُ "الْحَكِيمِ" فِي حق الله بمعنى المحكم بكسر الكاف كا لأليم بمعنى المؤلم "عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" أَيْ دِينٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ الْإِسْلَامُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: عَلَى طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوكَ، وَقَالَ: "إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ" خَبَرُ إِنَّ، وَ "عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" خَبَرٌ ثَانٍ، أَيْ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ" مِنْ صِلَةِ الْمُرْسَلِينَ، أي إنك لمن المرسلين الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلَى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ" أَيِ الصِّرَاطُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ وَالْأَعْمَشُ وَيَحْيَى وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ: "تَنْزِيلَ" بِنَصْبِ اللَّامِ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ نَزَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَنْزِيلًا. وَأَضَافَ الْمَصْدَرَ فَصَارَ مَعْرِفَةً كَقَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] أَيْ فَضَرْبًا لِلرِّقَابِ. الْبَاقُونَ "تَنْزِيلَ" بِالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ ابْتِدَاءٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ تَنْزِيلٌ، أَوِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. هَذَا وقرى: "تَنْزِيلِ" بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ "الْقُرْآنِ" وَالتَّنْزِيلُ يَرْجِعُ إِلَى الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، أَيْ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، وَإِنَّكَ "تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ". فَالتَّنْزِيلُ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْإِرْسَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولًا يَتْلُوا﴾ [الطلاق: ١١ - ١٠] وَيُقَالُ: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَنْزَلَهُ بِمَعْنًى. وَمُحَمَّدٌ ﷺ رَحْمَةُ اللَّهِ أَنْزَلَهَا مِنَ السَّمَاءِ. وَمَنْ نَصَبَ قَالَ: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِرْسَالًا مِنَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. وَ "الْعَزِيزِ" المنتقم ممن خالفه "الرَّحِيمِ" بأهل طاعته.

The same ayah, in another commentary

Yā-Sīn 36:3