All commentaries

الدر المصون

As-Samīn al-Ḥalabī

السمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)

The standard work on the grammar of the Qur'an.

An-Naml 27:18 Juzʾ 19 Page 378

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Until, when they came upon the valley of the ants, an ant said, "O ants, enter your dwellings that you not be crushed by Solomon and his soldiers while they perceive not."

Read in the muṣḥaf

قوله: {حتى إِذَآ} : في المُغَيَّا ب «حتى» وجهان، أحدهما: هو يُوْزَعُون؛ لأنَّه مُضَمَّنٌ معنى: فهم يسيرون ممنوعاً بعضُهم مِنْ مفارقةِ بعضٍ حتى إذا. والثاني: أنَّه محذوفٌ أي: فسارُوا حتى. وتقدَّم الكلامُ في «حتى» الداخلةِ على «إذا» هل هي حرفُ ابتداءٍ أو حرفُ جرّ؟

قوله: «وادي» متعلقٌ ب «أَتَوْا» وإنما عُدِّيَ ب «على» لأنَّ الواقعَ كذا؛ لأنَّهم كانوا محمولِيْنَ على الرِّيح فهم مُسْتَعْلُون. وقيل: هو مِنْ قولِهم: أَتَيْتُ عليه، إذا اسْتَقْصَيْتَه إلى آخره والمعنى: أنهم قَطَعوا الواديَ كلَّه وبَلَغُوا آخرَه.

ووقف القُراءُ كلُّهم على «وادِ» دونَ ياءٍ اتِّباعاً للرَّسْمِ، ولأنها محذوفةٌ لفظاً لالتقاءِ الساكنين في الوصلِ، ولأنها قد حُذِفَتْ حيث لم تُحْذَفْ لالتقاءِ الساكنين نحو: {جَابُواْ الصخر بالواد} [الفجر: 9] فَحَذُفها وقفاً وقد عُهِدَ حَذْفُها دونَ التقاء ساكنين أولى. إلاَّ الكسائيَّ فإنه وَقَفَ بالياء قال: «لأنَّ المُوْجِبَ للحذفِ إنما هو التقاءُ ساكنين بالوصلِ، وقد زالَ فعادَتِ اللامُ» ، واعتَذَر عن مخالفةِ الرسمِ بقوةِ الأصلِ.

والنَّمْلُ اسمُ جنسٍ معروفٌ، واحده نَمْلة، ويقال: نُمْلَة ونُمْلٌ بضمِّ النونِ وسكونِ الميم، ونُمُلَةٌ ونُمُلٌ بضمهما ونَمُلَة بالفتح والضم، بوزن سَمُرة، ونَمُل بوزن رَجُل. واشتقاقُه من التنمُّلِ لكثرةِ حركتِه. ومنه قيل للواشي: المُنْمِل، يقال: أَنْمَلَ بين القومِ يُنْمِلُ أي: وشى، ونَمَّ لكثرةِ تَرَدُّدِه وحركتِه في ذلك، قال:

3545 - ولَسْتُ بذي نَيْرَبٍ فيهمُ ... ولا مُنْمِشٍ فيهمُ مُنْمِلُ

ويقال أيضاً: نَمَل يَنْمُلُ فهو نَمِل ونَمَّال. وتَنَمَّل القوم: تفرَّقوا للجمع تفرُّقَ النملِ. وفي المثل: «أجمعُ مِنْ نملة» . والنَّّمْلَةُ أيضاً: فُرْجَةٌ تخرج في الجَنْب تشبيهاً بها في الهيئة، والنَّمْلَة أيضاً: شَقٌّ في الحافِر، ومنه: فَرَسٌ مَنْمولُ القوائم. والأَنْمُلَة طرفُ الإِصْبَعِ مِنْ ذلك لِدِقَّتِها وسُرْعَةِ حركتِها. والجمعُ: أَنامِل.

قوله: {قَالَتْ نَمْلَةٌ} هذه النملةُ هنا مؤنثةٌ حقيقيةٌ بدليلِ لَحاقِ علامةِ التأنيثِ فِعْلَها؛ لأنَّ نملةَ يُطْلَقُ على الذَّكَرِ وعلى الأنْثى، فإذا أُريد تمييزُ ذلك قيل: نَمْلَةٌ ذَكَرٌ ونملةٌ أُنْثى نحو: حَمامةٌ ويَمامةٌ. وحكى الزمخشري عن أبي حنيفةَ رضي الله عنه. أنه وقف على قتادةَ وهو يقول: سَلُوني. فأمَرَ مَنْ سأله عن نملةِ سليمان: هل كانت ذكراً أو أنثى؟ فلم يُجب. فقيل لأبي حنيفة في ذلك؟ فقال: كانَتْ أنثى. واستدل بلَحاقِ العلامةِ. قال الزمخشري: «وذلك أنَّ النَّمْلَةَ مثلُ الحمامةِ والشاةِ في وقوعِهما على المذكَّرِ والمؤنثِ فيُمَيَّزُ بينهما بعلامةٍ نحو قولهم: حمامةٌ ذَكَرٌ وحمامَةٌ أُنْثى، وهو وهي» انتهى.

إلاَّ أنَّ الشيخَ قد رَدَّ هذا فقال: «ولَحاقُ التاءِ في» قالَتْ «لا يَدُلُّ على أنَّ النملةَ مؤنثٌ، بل يَصِحُّ أن يُقال في المذكر:» قالت نملة «؛ لأنَّ» نملة «وإنْ كانَتْ بالتاء هو ممَّا لا يتميَّزُ فيه المذكرُ من المؤمث، وما كان كذلك كالنَّمْلَةِ والقَمْلة مِمَّا بَيْنَه في الجمعِ وبين واحدِه تاءُ التأنيثِ من الحيوان، فإنَّه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ، ولا يَدُلُّ كونُه يُخْبَرُ عنه إخبارُ المؤنثِ على أنه ذَكَرٌ أو أنثى؛ لأن التاءَ دخلت فيه للفَرْقِ لا للدلالةِ على التأنيثِ الحقيقيِّ، بل دالةٌ على الواحدِ من هذا الجنس» ، قال: «وكان قتادةُ بصيراً بالعربيةِ.

وكونُه أُفْحِمَ يَدُلُّ على معرفتهِ باللسانِ؛ إذْ عَلِم أنَّ النملةَ يُخبر عنها إخبارُ المؤنث، وإنْ كانَتْ تنطلقُ على الأنثى والذكرِ إذْ لا يَتَمَيَّزُ فيه أحدُ هذين. ولحاقُ العلامةِ لا يَدُلُّ، فلا يُعْلَمُ التذكيرُ والتأنيثُ إلاَّ بوحيٍ من اللهِ تعالى «قال:» وأمَّا استنباطُ تأنيثِه من كتابِ اللهِ ب «قالَتْ» ولو كان ذَكَراً لقيل: قال، فكلامُ النحاةِ على خِلافه، وأنَّه لا يُخْبر عنه ألاَّ إخبارُ المؤنثِ سواءً كان ذكراً أم أنثى «، قال:» وأمَّا تشبيهُ الزمخشري/ النملةَ بالحمامةِ والشاةِ ففيهما قَدْرٌ مشتركٌ يتميَّزُ فيهما المذكرُ من المؤنثِ فيمكن أَنْ يقول: حمامةٌ ذَكَرٌ وحمامةٌ أنثى فتمييزُه بالصفة، وأمَّا تمييزُه ب هو وهي فإنه لا يجوزُ. لا تقول: هو الحمامةُ ولا هو الشاةُ، وأمَّا النملةُ والقملةُ فلا يَتَمَيَّزُ فيه المذكرُ من المؤنثِ فلا يجوز في الإِخبار إلاَّ التأنيثُ، وحكمُه حكمُ المؤنثِ بالتاءِ من الحيوان نحو: المرأة، أو غيرِ العاقل كالدابَّة، إلاَّ إنْ وَقَعَ فَصْلٌ بين الفعلِ وبين ما أُسْنِدَ إليه من ذلك، فيجوزُ أَنْ تَلحق العلامةُ وأن لا تَلْحَقَها على ما تقرَّر في علم العربية «انتهى.

أمَّا ما ذكره ففيه نظرٌ: من حيث إنَّ التأنيثَ: أمَّا لفظيٌّ أو معنويٌّ، واللفظيُّ لا يُعتبر في لحاقِ العلامةِ البتة، بدليلِ أنه لا يجوز:» قامَتْ ربعةُ «وأنت تعني رجلاً؛ ولذلك لا يجوز: قامت طلحةُ ولا حمزةُ عَلَمَيْ مذكرٍ، فَتَعَيَّنَ أن يكونَ اللَّحاقُ إنما هو للتأنيثِ المعنويِّ، وإنما تعيَّن لفظُ التأنيثِ والتذكيرِ في بابِ العددِ على معنى خاصٍّ أيضاً: وهو أنَّا ننظر إلى ما عامَلَتِ العربُ ذلك اللفظَ به من تذكيرٍ أو تأنيثٍ، من غيرِ نَظَرٍ إلى مدلولهِ فهناك له هذا الاعتبارُ، وتحقيقُه هنا يُخْرِجُنا عن المقصودِ، وإنما نَبَّهْتُك على القَدْرِ المحتاج إليه.

وأمَّا قولُه:» وأمَّا النملةُ والقَمْلةُ فلا يَتَمَيَّزُ «يعني: لا يُتَوَصَّلُ لمعرفةِ الذَّكرِ منهما ولا الأنثى بخلافِ الحمامةِ والشاةِ؛ فإنَّ الاطلاعِ على ذلك ممكنٌ فهو أيضاً ممنوعٌ. قد يمكن الاطلاعُ على ذلك، وإنَّ الاطلاع على ذكوريَّةِ الحمامةِ والشاةِ أسهلُ من الاطلاعِ على ذُكورِيَّةِ النملةِ والقملةِ. ومَنْعُه أيضاً أن يقال: هو الشاةُ، وهو الحمامة، ممنوعٌ.

وقرأ الحسن وطلحة ومعتمر بن سليمان النَّمُل ونَمُلة بضم الميم وفتح النون بزنةِ رَجُل وسَمُرَة.

وسليمان التميمي بضمتين فيهما. وقد تقدَّم أن ذلك لغاتٌ في الواحدِ والجمعِ.

قوله: {لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} فيه وجهان، أحدهما: أنه نهيٌ. والثاني: أنه جوابٌ للأمرِ، وإذا كان نَهْياً ففيه وجهان، أحدُهما: أنه نهيٌ مستأنِفٌ لا تَعَلُّقَ له بما قبله من حيث الإِعرابُ، وإنما هو نهيٌ للجنودِ في اللفظِ، وفي المعنى للنَّمْلِ أي: لا تكونوا بحيث يَحْطِموْنَكُمْ كقولهِم: «لا أُرَيَنَّك ههنا» . والثاني: أنه بدلٌ من جملةِ الأمرِ قبلَه، وهي ادْخلوا. وقد تَعَرَّضَ الزمخشريُّ لذلك فقال: «فإنْ قلتَ: لا يَحْطِمَنَّكم ما هو؟ قتل: يُحتمل أَنْ يكونَ جواباً للأمرِ، وأَنْ يكونَ نهياً بدلاً من الأمرِ. والذي جَوَّزَ أَنْ يكونَ بدلاً أنه في معنى: لا تكونوا حيث أنتم، فيَحْطِمَنَّكم، على طريقةِ» لا أُرَيَنَّك ههنا «أرادَتْ: لا يَحْطِمنكم جنودُ سليمان، فجاءت بما هو أبلغُ. ونحوُه» عَجِبْتُ من نفسي ومن إشْفاقِها «. قال الشيخ: أمَّا تخريجُه على أنه جوابٌ للأمرِ فلا يكون ذلك إلاَّ على قراءةِ الأعمشِ فإنه مجزومٌ، مع أنه يُحْتمل أن يكونَ اشتئنافَ نهي» قلت: يعني أنَّ الأعمشَ قرأ «لا يَحْطِمْكم» بجزم الميمِ، دونَ نونِ توكيدٍ.

قال: وأمَّا مع وجودِ نونِ التوكيد فلا يجوزُ ذلك، إلاَّ إنْ كان في شعرٍ، وإذا لم يَجُزْ ذلك في جوابِ الشرطِ إلاَّ في الشعر فأحرى أَنْ لا يجوزَ في جوابِ الأمرِ إلاَّ في الشعرِ. وكونُه جوابُ الأمرِ متنازعٌ فيه على ما قُرِّرَ في علمِ النحوِ. ومثالُ مجِيءِ النونِ في جوابِ الشرطِ قولُ الشاعر:

3546 - نَبَتُّمْ نباتَ الخَيْزُرانةِ في الثَّرَى ... حديثاً متى يأتِك الخيرُ يَنْفَعا

وقول الآخر:

3547 - فمهما تَشَأْ منه فَزارةُ تُعطِكُمْ ... ومهما تَشَأْ منه فَزارةُ تَمْنعا

قال سيبويه: «وهو قليلٌ في الشعرِ شَبَّهوه بالنهيِ حيث كان مجزوماً غيرَ واجب» قال: «وأما تخريجُه على البدلِ فلا يجوزُ لأنَّ مدلولَ» لا يَحْطِمَنَّكم «مخالِفٌ لمدلولِ» ادْخُلوا «. وأمَّا قولُه لأنَّه بمعنى: لا تكونوا حيث أنتم فَيَحْطِمَنَّكم فتفسيرُ معنى لا إعراب/ والبدلُ من صفةِ الألفاظِ. نعم لو كان اللفظُ القرآنيُّ: لا تكونوا بحيث لا يَحْطِمَنَّكم لتُخُيِّلَ فيه البدلُ؛ لأنَّ الأمرَ بدخولِ المساكنِ نهيٌ عن كونِهم بظاهرِ الأرضِ. وأمَّا قوله:» إنه أراد لا يحْطِمَنَّكم جنودُ سليمان إلى آخرِه «فسوِّغُ زيادةَ الأسماءِ وهي لا تجوزُ، بل الظاهرُ إسنادُ الحكمِ إلى سليمانَ وإلى جنودِه. وهو على حَذْفِ مضافٍ أي: خيلُ سليمانَ وجنودُه، أو نحو ذلك، مما يَصِحُّ تقديره» . انتهى.

أمَّا مَنْعُه كونَه جوابَ الأمرِ مِنْ أجلِ النون فقد سبقه إليه أبو البقاء فقال: «وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ جوابَ الشرطِ لا يؤكَّدُ بالنونِ في الاختيار» .

وأمَّا مَنْعُهُ البدلَ بما ذَكَر فلا نُسَلِّم تغايُرَ المدلولِ بالنسبةِ لِما يَؤُول إليه المعنى. وأمَّا قوله: «فيُسَوِّغُ زيادةَ الأسماءِ» لم يُسَوِّغ ذلك، وإنما فَسَّر المعنى. وعلى تقدير ذلك فقد قيل به. وجاء الخطابُ في قولها: «ادْخُلوا» كخطابِ العقلاء لَمَّا عُوْمِلوا معاملتَهم.

وقرأ أُبَيٌّ «ادْخُلْنَ» ، «مَساكِنَكُنَّ» ، «لا يَحْطِمَنْكُنَّ» بالنونِ الخفيفةِ جاءَ به على الأصل. وقرأ شهر بن حوشب «مَسْكَنَكُمْ» بالإِفراد. وقرأ حسن وأبو رجاء وقتادة وعيسى الهمداني بضمِّ الياءِ، وفتحِ الحاءِ، وتشديدِ الطاءِ والنونِ، مضارعَ حَطَّمه بالتشديد. وعن الحسن أيضاً قراءاتان: فتحُ الياءُ وتشديدُ الطاءِ مع سكونِ الحاءِ وكسرِها. والأصل: لا يَحْتَطِمَنَّكم فأَدْغَم. وإسكانُ الحاءِ مُشْكِلٌ تقدَّم نظيرُه في «لا يَهِدِّي» ونحوِه. وقرأ ابن أبي إسحاقَ ويعقوبُ وأبو عمروٍ في روايةٍ بسكونِ نونِ التوكيدِ.

قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} جملة حالية. والحَطْمُ: الكَسْر. يقال منه: حَطَمْتُه فحَطِمَ ثم اسْتُعمِل لكلِّ كَسْرٍ مُتَناهٍ. والحُطامُ: ما تكسَّر يُبْساً، وغَلَبَ على الأشياءِ التافهةِ. والحُطَمُ: السائق السريع كأنه يَحْطِمُ الإِبل قال:

3548 - قد لَفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ ... ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَمْ

ولا بَجَزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ ... والحُطَمَةُ: من دَرَكاتِ النار. ورجلٌ حُطَمة: للأكولِ. تشبيهاً لبطنه بالنارِ كقوله: 3549 - كأنمَّا في جَوْفِه تَنُّوْرُ ...

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So [Solomon] smiled, amused at her speech, and said, "My Lord, enable me to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to do righteousness of which You approve. And admit me by Your mercy into [the ranks of] Your righteous servants."

قوله: {ضَاحِكاً} : قيل: هي حالٌ مؤكدةٌ؛ لأنَّها مفهومةٌ مِنْ تَبَسَّمَ. وقيل: بل هي حالٌ مقدرةٌ فإنَّ التبسُّمَ ابتداءُ الضحكِ. وقيل: لَمَّا كان التبسُّمُ قد يكون للغَضَبِ، ومنه: تَبَسَّم تَبَسُّمَ الغَضْبانِ، أتى بضاحكاً مبيِّناً له. قال عنترة:

3550 - لمَّا رآني قد قَصَدْت أُرِيْدُه ... أبدى نواجِذَه لِغَيْرِ تَبَسُّمِ

وتَبَسَّمَ تفعَّل، بمعنى بَسَمَ المجرد. قال:

3551 - وتَبْسِمُ عن ألمى كأن مُنَوَّراً ... تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ له نَدِي

وقال بعض المُوَلَّدين:

3552 - كأنَّما تَبْسِمُ عن لؤلؤٍ ... مُنَضَّدٍ أو بَرَدٍ أو أَقَاحِ

وقرأ ابن السمفيع «ضَحِكاً» مقصوراً. وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى تَبَسَّم لأنه بمعناه. والثاني: أنه في موضعِ الحالِ فهو في المعنى كالذي قبله. الثالث: أنه اسمُ فاعل كفَرِح؛ وذلك لأنَّ فِعْلَه على فَعِل بكسر العين وهو لازم فَهو كفَرحِ وبَطرِ.

قوله: {أَنْ أَشْكُرَ} مفعولٌ ثانٍ لأَوْزِعْني لأنَّ معناه أَلْهِمْني. وقيل: معناه اجْعَلني أَزَعُ شكرَ نعمتك أي: أكُفُّه وأمنعُه حتى لا ينفلتَ مني، فلا أزال شاكراً. وتفسير الزَّجاج له ب «امْنَعْني أن أكفَر نعمتَك» من بابِ تفسيرِ المعنى باللازم.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?

قوله: {مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد} : هذا استفهامُ توقيفٍ، ولا حاجةَ إلى ادِّعاء القَلْب، وأنَّ الأصلَ: ما للهدهد لا أراه؟ إذ المعنى قويٌّ دونه. والهُدْهُدُ معروفٌ. وتصغيره على هُدَيْهِد وهو القياس. وزعم بعضُ النحويين أنه تُقْلَبُ ياءُ تصغيره ألفاً، فيقال: هُداهِد. وأنشد:

3553 - كهُداهِدٍ كَسَرَ الرماةُ جناحَه ... يَدْعو بقارعةِ الطريق هَدِيْلا

كما قالوا دُوابَّة وشُوابَّة، في: دُوَيْبَّة وشُوَيْبَّة. ورَدَّه بعضُهم: بأن الهُداهِد الحَمامُ، الكثيرُ ترجيعِ الصوتِ. تزعُمُ العربُ أن جارحاً في زمان الطُّوفانِ، اخْتَطَفَ فرخَ حمامةٍ تسمَّى الهديل. قالوا: فكلُّ حمامةٍ تبكي فإنما تبكي على الهديل.

قوله: {أَمْ كَانَ} هذه «أم» المنقطعةُ وقد تقدَّم الكلامُ فيها. وقال ابن عطية: «قوله مالي لا أرى الهدهد» مَقْصَدُ الكلامِ: الهُدْهُدُ غاب، ولكنه أَخَذَ اللازمَ عن مُغَيَّبِه: وهو أَنْ لا يَراه، فاستفهم على جهةِ التوقُّفِ عن اللازمِ، وهذا ضَرْبٌ من الإِيجاز. والاستفهامُ الذي في قوله: «مالي» نابَ منابَ الألفِ التي تحتاجُها «أم» . قال الشيخ: «فظاهرُ كلامِه أنَّ» أم «متصلةٌ، وأن الاستفهامَ الذي في قوله» مالي «ناب منابَ ألفِ الاستفهام. فمعناه: أغاب عني الآن فلم أَرَهُ حال التفقُّد أم كان مِمَّنْ غابَ قبلُ، ولم أَشْعُرْ بغَيْبَتِه؟» . قلت: لا يُظَّنُّ بأبي محمد ذلك، فإنه لا يَجْهَلُ أنَّ شَرْطَ المتصلةِ تَقَدُّمُ همزةِ الاستفهامِ أو التسويةِ لا مطلقُ الاستفهامِ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."

قوله: {عَذَاباً} : أي: تَعْذِيباً، فهو اسمُ مصدرٍ أو مصدرٌ على حَذْفِ الزوائد ك {أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً} [نوح: 17] . وقد كتبوا «أو لأَاذْبَحَنَّه» بزيادةِ ألفٍ بين لامِ ألفٍ والذال. ولا يجوز أن يُقرأ بها. وهذا كما تقدم أنهم كتبوا «ولأَاوْضَعوا خلالَكم» بزيادة ألف بين لام ألف والواو.

قوله: {أَوْ لَيَأْتِيَنِّي} قرأ ابنُ كثيرٍ بنون التوكيد المشددة، بعدها نونُ الوقايةِ. وهذا هو الأصلُ واتَّبع مع ذلك رَسْمَ مصحفِه. والباقون بنونٍ مشدَّدَةٍ فقط. الأظهرُ أنها نونُ التوكيدِ الشديدةِ، تُوُصِّل بكسرِها لياءِ المتكلم. وقيل بل هي نونُ التوكيدِ الخفيفةِ أُدْغِمَتْ في نونِ الوقايةِ. وليس بشيءٍ لمخالَفَةِ الفعلين قبلَه. وعيسى بن عمر بنونٍ مشددةٍ مفتوحة لم يَصِلْها بالياء.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

But the hoopoe stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.

قوله: {فَمَكَثَ} : قرأ عاصم بفتحِ الكافِ. والباقون بضمِّها. وهما لغتان. إلاَّ أنَّ الفتحَ أشهرُ، ولذلك جاءت الصفة على «ماكِث» دون مَكِيْث. واعْتُذِر عنه بأنَّ فاعِلاً قد جاء لفَعُل بالضمِّ نحو: حَمُض فهو حامِض، وخَثُرَ فهو خاثِرٌ، وفَرُهَ فهو فارِهٌ.

قوله: {غَيْرَ بَعِيدٍ} يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً للمصدرِ أي: مُكْثاً غيرَ بعيدٍ، وللزمان أي: زماناً غيرَ بعيدٍ، وللمكان أي: مكاناً غيرَ بعيدٍ. والظاهرُ أنَّ الضمير في «مكث» للهُدْهُدِ. وقيل: لسليمان عليه السلام.

قوله: {مِن سَبَإٍ} : قرأ البَزِّيُّ وأبو عمروٍ بفتحِ الهمزةِ، جعلاه اسماً للقبيلة، أو البُقْعَةِ، فَمَنَعاه من الصرفِ للعَلَمِيَّةِ والتأنيث. وعليه قولُه:

3554 - مِنْ سَبَأَ الحاضرينَ مَأْرِبَ إذ ... يَبْنُون مِنْ دونِ سَيْلِها العَرِما

وقرأ قنبل بسكونِ الهمزةِ، كأنه نوى الوقفَ وأجرى الوَصْلَ مُجْراه. والباقون بالجَرِّ والتنوينِ، جعلوه اسماً للحَيِّ أو المكانِ. وعليه قولُه:

3555 - الوارِدُون وتَيْمٌ في ذُرا سَبَأٍ ... قد عَضَّ أعناقََهم جِلْدُ الجواميسِ

وهذا الخلافُ جارٍ بعينِه في سورة سَبَأ. وفي قوله: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} فيه من البديع: «التجانُسُ» وهو تَجْنيسُ التصريفِ. وهو عبارةٌ عن انفرادِ كلِّ كلمةٍ من الكلمتين عن الأخرى بحرفٍ كهذه الآيةِ. ومثلُه: {تَفْرَحُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] وفي الحديث: «الخيلُ مَعْقُوْدٌ بنواصِيها الخيرُ» .

وقال آخر:

3556 - للهِ ما صَنَعَتْ بنا ... تلك المَعاجِرُ والمحَاجِرْ

وقال الزمخشري: «وقوله: {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} مِنْ جنسِ الكلامِ الذي سَمَّاه المُحْدَثون بالبدِيع. وهو من محاسنِ الكلامِ الذي يتعلَّقُ باللفظِ، بشرطِ أَنْ يجيْءَ مطبوعاً، أو يصنَعه عالمٌ بجَوْهَرِ الكلامِ، يَحْفَظُ معه صحةَ المعنى وسَدادَه، ولقد جاء هنا زائداً على الصحةِ فَحَسُنَ وبَدُعَ لفظاً ومعنىً. ألا ترى أنه لو وُضِع مكان» بنَبَأ «» بخبر «لكان المعنى صحيحاً، وهو كما جاء أصَحُّ؛ لِما في النبأ من الزيادة التي يطابِقُها وصفُ الحال» . يريد بالزيادة: أنَّ النبأ أخصُّ من الخبرِ؛ لأنه لا يُقال إلاَّ فيما له شَأْنٌ من الأخبارِ بخلافِ الخبرِ فإنه يُطْلَقُ على ماله شَأْنٌ، وعلى ما لا شأنَ له، فكلُّ نبأ خبرٌ مِنْ غيرِ عكسٍ. وبعضُهم يُعَبِّرُ عن نحوِ {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ} في علم البديع بالتَّرْدِيد. قاله صاحب «التحرير» . وقال غيرُه: إنَّ الترِديدَ عبارةٌ عن رَدِّ أعجاز البيوت على صدورِها، أو رَدِّ كلمةٍ من النصفِ الأولِ إلى النصف الثاني. فمثالُ الأولِ قولُه:

3557 - سَريعٌ إلى ابنِ العَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَه ... وليس إلى داعي الخَنا بسَريعِ

ومثالُ الثاني قولُه:

3558 - والليالي إذا نَأَيْتُمْ طِوالٌ ... والليالي إذا دَنَوْتُمْ قِصَارُ

وقرأ ابن كثير في روايةٍ «مِنْ سَبَاً» مقصوراً منوَّناً. وعنه أيضاً: «مِنْ سَبْأَ» بسكون الباءِ وفتحِ الهمزةِ، جعله على فَعْل ومَنَعَه من الصرفِ لِما تقدَّم.

وعن الأعمش «مِنْ سَبْءِ» بهمزةٍ مكسورةٍ غير منونةٍ. وفيها إشكالٌ؛ إذ لا وجهَ للبناء. والذي يظهر لي أنَّ تنوينَها لا بدَّ أَنْ يُقْلَبَ ميماً وصلاً ضرورةَ ملاقاتِه للباء، فسمعها الراوي، فظنَّ أنه كَسَر مِنْ غيرِ تنوينٍ. ورُوِيَ عن أبي عمروٍ «مِنْ سَبَا» بالألفِ صريحةً كقولِهم: «تَفَرَّقُوا أَيْدِيْ سَبا» . وكذلك قُرِىء «بنَبَا» بألفٍ خالصةٍ، وينبغي أَنْ يكونا لقارِىءٍ واحدٍ.

و «سَبَأ» في الأصلِ اسمُ رجلٍ مِنْ قَحْطانَ، واسمه عبد شمس، وسَبَأُ لقبٌ له. وإنما لُقِّبَ به لأنه أولُ مَنْ سبى، وَوُلِدَ له عشرةُ أولادٍ، تيامَنَ ستةٌ وهم: حِمْيَرُ وكِنْدَةُ والأَزْدُ وأَشْعَرُ وَخَثْعَمُ وبُجَيْلَةُ، وتشاءَمَ أربعةٌ وهم: لَخْمٌ وجُذامُ وعامِلَةُ وغَسَّانُ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

An-Naml 27:18