القول في تأويل قوله: ﴿ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله ﷺ ببدر: ﴿ ﴾ ، يعني: إن تستحكموا الله على أقطع الحزبين للرحم، وأظلم الفئتين، وتستنصروه عليه، فقد جاءكم حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل. انظر تفسير " الاستفتاح " و " الفتح " فيما سلف ٢: ٢٥٤ \ ١٠: ٤٠٥، ٤٠٦ \ ١٢: ٥٦٣.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٣١- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿ ﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
١٥٨٣٢-. . . . قال: حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: ﴿ ﴾ ، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.
١٥٨٣٣- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿ ﴾ ، يعني بذلك المشركين: إن تستنصروا فقد جاءكم المدد.
١٥٨٣٤- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير، عن ابن عباس قوله: ﴿ ﴾ ، قال: إن تستقضوا القضاء= وإنه كان يقول: ﴿ ﴾ ، قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلا ذلك في المطبوعة والمخطوطة، " لا نعلم "، والجيد ما أثبت.
١٥٨٣٥- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿ ﴾ ، قال: كفار قريش في قولهم: "ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه"! ففُتح بينهم يوم بدر.
١٥٨٣٦ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.
١٥٨٣٧- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: ﴿ ﴾ ، قال: استفتح أبو جهل فقال: اللهم = يعني محمدًا ونفسه = "أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم"! يقال: " أحانه الله "، أهلكه. و " الحين " (بفتح فسكون) : الهلاك، أو هو أجل الهلاك على التحقيق. قال الله: ﴿ ﴾ .
١٥٨٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: ﴿ ﴾ ، قال: استفتح أبو جهل بن هشام فقال: "اللهم أيُّنا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه اليوم! " يعني محمدًا عليه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عز وجل: ﴿ ﴾ ، فضربه ابنا عفراء: عوف ومعوِّذ، وأجهزَ عليه ابن مسعود.
١٥٨٣٩- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العدوي، حليف بني زهرة، أن المستفتح يومئذ أبو جهل، وأنه قال حين التقى القوم: "أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة"! فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك: ﴿إن إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ ، الآية. الأثر: ١٥٨٣٩ - " عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي "، مسح رسول الله ﷺ وجهه ورأسه زمن الفتح، ودعا له. وقال أبو حاتم: " رأى النبي ﷺ وهو صغير "، وقال البخاري في التاريخ: " عبد الله بن ثعلية، عن النبي ﷺ، مرسل، إلا أن يكون عن أبيه، وهو أشبه ". مترجم في الإصابة، والتهذيب، وأسد الغابة، والاستيعاب: ٣٤١، وابن أبي حاتم ٢ \ ٢ \ ١٩.
وهذا الخبر سيأتي من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، برقم: ١٥٨٤٦، ١٥٨٤٨، ومن طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، رقم: ١٥٨٤٧.
ورواه أحمد في مسنده ٥: ٤٣١، ٤ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، وص: ٤٣١، ٤٣٢، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن الزهري.
ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٣٢٨ من طريق يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري = ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه "، ووافقه الذهبي.
وهذا الإسناد الثاني الذي ذكره الحاكم، لم أجده في المسند، و " إبراهيم بن سعد " يروي عن " صالح بن كيسان "، وعن " الزهري "، عن " ابن إسحاق ".
١٥٨٤٠- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ ﴾ ، الآية، يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً وعِبْرةً لمن اعتبر.
١٥٨٤١- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي ﷺ من مكة، أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: "اللهم انصر أعز الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين"! فقال الله: ﴿ ﴾ ، يقول: نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ.
١٥٨٤٢- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: ﴿ ﴾ إلى قوله: ﴿ ﴾ ، وذلك حين خرج المشركون ينظرون عِيرَهم، وإن أهلَ العير، أبا سفيان وأصحابه، أرسلوا إلى المشركين بمكة يستنصرونهم، فقال أبو جهل: "أينا كان خيرًا عندك فانصره"! وهو قوله: ﴿ ﴾ ، يقول: تستنصروا.
١٥٨٤٣- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿ ﴾ ، قال: إن تستفتحوا العذاب، فعُذِّبوا يوم بدر. قال: وكان استفتاحهم بمكة، قالوا: ﴿ ﴾ ، [سورة الأنفال: ٣٢] . قال: فجاءهم العذاب يوم بدر. وأخبر عن يوم أحد: ﴿وإن تعودوا نعد ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ .
١٥٨٤٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف، عن عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أهدى الفئتين، وخير الفئتين وأفضل" فنزلت: ﴿ ﴾ .
١٥٨٤٥ -. . . . قال، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري: أن أبا جهل هو الذي استفتح يوم بدر وقال: "اللهم أينا كان أفجر وأقطع لرحمه، فأحِنْه اليوم"! فأنزل الله: ﴿ ﴾ .
١٥٨٤٦ -. . . . قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل، قال يوم بدر: اللهمّ أقطعنا لرحمه، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! ". وكان ذلك استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿ ﴾ ، الآية. الأثر: ١٥٨٤٦ - انظر تخريج الأثر رقم: ١٥٨٣٩، والخبرين التاليين.
١٥٨٤٧ -. . . . قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال: كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فأنزل الله: ﴿ ﴾ . الأثر: ١٥٨٤٧ - انظر تخريج الآثار السالفة، والذي سيليه.
١٥٨٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، حليف بني زهرة قال: لما التقى الناس، ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة! "، فكان هو المستفتح على نفسه= قول: " على نفسه "، ليست في سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٠. وانظر تخريج الخبر، بعد. قال ابن إسحاق: فقال الله: ﴿ ﴾ ، لقول أبي جهل: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه للغداة! " قال: "الاستفتاح"، الإنصاف في الدعاء. الأثر: ١٥٨٤٨ - هما خبران، أولهما إلى قوله: " المستفتح على نفسه "، رواه ابن هشام في سيرته ٢: ٢٨٠، وسائر الخبر، رواه في سيرته ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر: ١٥٨٣٠.
وانظر تخريج الأثر رقم: ١٥٨٣٩.
١٥٨٤٩- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان وغيره: قال أبو جهل يوم بدر: "اللهم انصر أحب الدينين إليك، دينَنا العتيق، أم دينهم الحديث"! فأنزل الله: ﴿ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ ﴾ .
وأما قوله: ﴿ ﴾ ، فإنه يقول: "وإن تنتهوا"، يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله، وقتال نبيه ﷺ والمؤمنين به= "فهو خير لكم"، في دنياكم وآخرتكم انظر تفسير " الانتهاء " فيما سلف ٢٠: ٥٦٦، تعليق: ١ والمراجع هناك. = ﴿ ﴾ ، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال اتباعه المؤمنين= "نعد"، أي: بمثل الواقعة التي أوقعت بكم يوم بدر.
وقوله: ﴿ ﴾ ، يقول: وإن تعودوا نعد لهلاككم بأيدي أوليائي وهزيمتكم، ولن تغني عنكم عند عودي لقتلكم بأيديهم وسَبْيكم وهزمكم انظر تفسير " أغنى " فيما سلف ٧: ١٣٣. " فئتكم شيئًا ولو كثرت"، يعني: جندهم وجماعتهم من المشركين، انظر تفسير " فئة " فيما سلف ص: ٤٣٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك. كما لم يغنوا عنهم يوم بدر مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين شيئًا= ﴿ ﴾ ، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده على من كفر به منهم، ينصرهم عليهم، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على المشركين. انظر تفسير " مع " فيما سلف ص: ٤٢٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٥٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق في قوله: ﴿ ﴾ ، قال: يقول لقريش= "وإن تعودوا نعد"، لمثل الواقعة التي أصابتكم يوم بدر= ﴿ولئن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ ، أي: وإن كثر عددكم في أنفسكم لن يغني عنكم شيئًا. وإني مع المؤمنين، أنصرهم على من خالفهم. الأثر: ١٥٨٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٥٨٤٨، في القسم الثاني منه.
وكان في المطبوعة و " إن الله مع المؤمنين ينصرهم "، وفي المخطوطة مثله إلا أن فيها " أنصرهم "، وأثبت نص ما في سيرة ابن هشام، والذي في المخطوطة بعضه سهو من الناسخ وعجلة.
وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿ ﴾ ، وإن تعودوا للاستفتاح، نعد لفتح محمد ﷺ.
وهذا القول لا معنى له، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين أذن له في حرب أعدائه إظهارَ دينه وإعلاءَ كلمته، من قبل أن يستفتح أبو جهل وحزبه، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: "إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد"، لأن الله قد كان وعد نبيه ﷺ الفتح بقوله: ﴿ ﴾ ، [سورة الحج: ٣٩] ، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا.
ذكر من قال ذلك:
١٥٨٥١- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿ ﴾ ، إن تستفتحوا الثانية نفتح لمحمد ﷺ = ﴿ولن نغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين﴾ ، محمد وأصحابه.
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿ ﴾ .
ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى: ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وإن الله لمع المؤمنين= في المطبوعة: " مع المؤمنين " بغير لام، وأثبت ما في المخطوطة، وأنا في شك منه. فعطف ب"أن" على موضع "ولو كثرت"، كأنه قال: لكثرتها، ولأن الله مع المؤمنين. ويكون موضع "أن" حينئذ نصبًا على هذا القول. انظر معاني القرآن للفراء ١: ٤٠٧.
وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: ﴿ ﴾ ، ﴿ ﴾ ، عطفًا بالأخرى على الأولى.
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: "وَإِنَّ اللهَ"، بكسر الألف على الابتداء، واعتلوا بأنها في قراءة عبد الله: "وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ".
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من كسر "إن" للابتداء، لتقضِّي الخبر قبل ذلك عما يقتضي قوله: ﴿ ﴾ . في المطبوعة: " عما يقضي قوله "، والصواب ما في المخطوطة.