All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction, at length.

Al-Ḥāqqah 69:37 Juzʾ 29 Page 568

‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

None will eat it except the sinners.

Read in the muṣḥaf
البحر المحيط Abū Ḥayyān

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ روَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

”أمّا“ حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِها ما وقَعَ في يَوْمِ العَرْضِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، أنَّهُ في يَوْمِ العَرْضِ يَأْخُذُ (p-٣٢٥)كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النّاجِينَ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ العَذابِ. وقِيلَ: لا يَأْخُذُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ، وإيمانُهُ أنِيسُهُ مُدَّةَ العَذابِ. قِيلَ: وهَذا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن يُسارُ بِهِ إلى النّارِ كَيْفَ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ وهَلْ هَذا إلّا اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ ؟ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ النّارِ. وهاؤُمُ إنْ كانَ مَدْلُولَها خُذْ، فَهي مُتَسَلِّطَةٌ عَلى ”كِتابِيَهْ“ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها تَعالَوْا، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلَيْهِ بِواسِطَةِ إلى، و”كِتابِيَهْ“ يَطْلُبُهُ هاؤُمُ واقْرَءُوا. فالبَصْرِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”اقْرَءُوا“، والكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”هاؤُمُ“، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّنازُعِ بَيْنَ اسْمِ الفِعْلِ والقَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) في مَوْضِعَيْهِما، و﴿مالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ وفي القارِعَةِ: (ماهِيَهْ) بِإثْباتِ هاءِ السَّكْتِ وقْفًا ووَصْلًا لِمُراعاةِ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا وإسْكانِ الياءِ، وذَلِكَ كِتابِي وحِسابِي ومالِي وسُلْطانِي، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ في (ماهِيَهْ) في القارِعَةِ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ: بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِما في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وطَرَحَهُما حَمْزَةُ في مالِي وسُلْطانِي، وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وفَتَحَ الياءَ فِيهِنَّ. وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَما قالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيْقَنْتُ، ولَوْ كانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكانَ كُفْرًا.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: ذاتِ رِضًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: راضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ: مَدْفُوقٍ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَكانًا وقَدْرًا.

﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ما يَجْنِي مِنها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. كُلُوا واشْرَبُوا أيْ: يُقالُ، و﴿هَنِيئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ النِّساءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أكْلًا وشُرْبًا هَنَيِئًا، أوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلى المَصْدَرِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَقْدِيرِ الإضْمارِ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا وشُرْبًا هَنِيئًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: يَعْنِي أيّامَ الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَكِيعٌ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أيّامُ الصَّوْمِ، أيْ: بَدَلُ ما أمْسَكْتُمْ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾: لَمّا رَأى فِيهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وما يَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْهِ، تَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسابَهُ، فَإنَّهُ انْجَلى عَنْهُ حِسابُهُ عَنْ ما يَسُوءُهُ فِيهِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ لا لَهُ. يا لَيْتَها أيِ: المَوْتَةُ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ ولَمْ أُعَذَّبْ، أوْ يا لَيْتَ الحالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إلَيْها الآنَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي مِنها في الدُّنْيا؛ حَيْثُ رَأى أنَّ حالَتَهُ الَّتِي هو فِيها أمَرُّ مِمّا ذاقَهُ مِنَ المَوْتَةِ، وكَيْفَ لا وأمْرُهُ آلَ إلى عَذابٍ لا يَنْقَطِعُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأسِّفًا عَلى مالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وقَرَّرَها عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَّتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا. وكانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ لَمّا تَسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ غَلّابِ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وجُنَّ، فَكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْعَلُوا في عُنُقِهِ غُلًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ. يُقالُ: صَلِيَ النّارَ وصَلّاهُ النّارَ. انْتَهى، وإنَّما قَدَرُهُ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَيْسَ ما قالَهُ مَذْهَبًا لِـ سِيبَوَيْهِ ولا لِحُذّاقِ النُّحاةِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، فَهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو مَرْجُوحٌ، والرّاجِحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: أنَّ السُّلْطانَ هُنا هو الحُجَّةُ الَّتِي كانَ يَحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ مَن أُوتِيَ كِتابُهُ بِشَمالِهِ (p-٣٢٦)لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُلُوكِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ الشَّقاوَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في طُولِها وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذا العَدَدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: بِذِراعِ المَلَكِ. وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ وغَيْرُهُ: الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا، في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي. وقِيلَ: بِالذِّراعِ المَعْرُوفِ، وإنَّما خاطَبَنا تَعالى بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنها حَلْقَةٌ عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ.

﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ في السِّلْسِلَةِ، ولِطُولِها تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، فَيَبْقى داخِلًا فِيها مَضْغُوطًا حَتّى تَعُمَّهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في فَمِهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى إخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، إلّا إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ مِثْلُهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ في الجَحِيمِ. ومَعْنى ”ثُمَّ“ الدَّلالَةُ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ الغُلِّ والتَّصْلِيَةِ بِالجَحِيمِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ السِّلْكِ في السِّلْسِلَةِ، لا عَلى تَراخِي المُدَّةِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن مَذْهَبِهِ الحَصْرَ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا ”ثُمَّ“ فَيُمْكِنُ بَقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ، وأنَّهُ أوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. ولَمّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالعَجَلَةِ، صارَتْ لَهُ اسْتِراحَةً، ثُمَّ جاءَ تَصْلِيَةَ الجَحِيمِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في عَذابِهِ، إذْ جاءَهُ ذَلِكَ وقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا في النّارِ، لَكِنَّهُ كانَ لَهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمّا سُلِكَ في السِّلْسِلَةِ كانَ ذَلِكَ أشُدَّ ما عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ صارَ لا حِراكَ لَهُ ولا انْتِقالَ، وأنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غايَةً، فَهَذا يَصِحُّ فِيهِ أنْ تَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ . بَدَأ بِأقْوى أسْبابِ تَعْذِيبِهِ وهو كُفْرُهُ بِاللَّهِ، و”إنَّهُ“ تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذا العَذابَ البَلِيغَ ؟ . وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏ عَلى ‏ ‏‏‏‏ داخِلٌ في العِلَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَنْبِ مَن لا يَحُضُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، إذْ جُعِلَ قَرِينَ الكُفْرِ، وهَذا حُكْمُ تَرْكِ الحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الإطْعامِ ؟ والتَّقْدِيرُ عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ. وأضافَ الطَّعامَ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ، إذْ يَسْتَحِقُّ المِسْكِينُ حَقًّا في مالِ الغَنِيِّ المُوسِرِ ولَوْ بِأدْنى يَسارٍ. ولِلْعَرَبِ في مَكارِمِهِمْ وإيثارِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِمْ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ، أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَرَ ؟ وقِيلَ: هو مَنعُ الكُفّارِ. وقَوْلُهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٧] يَعْنِي أنَّهُ إذا نُفِيَ الحَضُّ انْتَفى الإطْعامُ بِجِهَةِ الأوْلى، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] .

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ وادٌّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] . وقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هو والزَّقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقِيلَ: هو شَيْءٌ يَجْرِي مِن أهْلِ النّارِ، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في الغاشِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٦] فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ مُتَداخِلانِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَبايِنَيْنِ، وأخْبَرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ طائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ الَّتِي الآخَرُ طَعامُها، و”لَهُ“ خَبَرُ لَيْسَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”هاهُنا“، ولَمْ يُبَيِّنُ ما المانِعُ (p-٣٢٧)مِن ذَلِكَ. وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ، و”هاهُنا“ مُتَعَلِّقٌ بِما في ”لَهُ“ مِن مَعْنى الفِعْلِ. انْتَهى. وإذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ، وكانَ الأكْلُ غَيْرَ أكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا تَناقُضَ، إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ، وهو أنَّهُ إذا جَعَلْنا الخَبَرَ ”هاهُنا“ كانَ ”لَهُ واليَوْمَ“ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وهو العامِلُ في هاهُنا، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ٤] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كُفْوًا) وهو خَبَرٌ لِـ (يَكُنْ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الخاطِئُونَ“ بِالهَمْزِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، والمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في نَقْلٍ: بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فالظّاهِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ مَن خَطا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٢١] خَطا إلى المَعاصِي.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So I swear by what you see

البحر المحيطAbū Ḥayyān

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.

ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:

؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها

أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.

ومَعْنى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:

؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ

أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And what you do not see

البحر المحيطAbū Ḥayyān

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ رتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

(p-٣٢٨)تَقَدَّمَ الكَلامُ في ”لا“ قَبْلَ القَسَمِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الواقعة: ٧٥] وقِراءَةُ الحَسَنِ: لَأُقْسِمُ بِجَعْلِها لا ما دَخَلَتْ عَلى أقُسِمَ. وقِيلَ: ”لا“ هُنا نَفْيٌ لِلْقَسَمِ، أيْ: لا يَحْتاجُ في هَذا إلى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الحَقِّ في ذَلِكَ، وعَلى هَذا فَجَوابُهُ جَوابُ القَسَمِ. قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: شاعِرٌ، وقالَ: كاهِنٌ. فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وما لا تُبْصِرُونَ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ. وقالَ عَطاءٌ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وما لا تُبْصِرُونَ مِن أسْرارِ القُدْرَةِ. وقِيلَ: ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏: المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الأجْسادُ والأرْواحُ. (إنَّهُ) أيْ: إنَّ القُرْآنَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏: هو مُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وما بَعْدَهُ، ونَسَبَ القَوْلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو مُبَلِّغُهُ والعامِلُ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ: هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ.

ونَفى تَعالى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ لِمُبايَنَتِهِ لِضُرُوبِ الشِّعْرِ. ولا قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّهُ ورَدَ بِسَبَبِ الشَّياطِينِ. وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا. وكَذا التَّقْدِيرُ في: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والقِلَّةُ هو إقْرارُهم إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم قالُوا: اللَّهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونُصِبَ (قَلِيلًا) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) وما تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمُتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِّلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو حَقٌّ صَوابٌ. انْتَهى. أمّا قَوْلُهُ: ونُصِبَ ”قَلِيلًا“ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ فَلا يَصِحُّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الدّالَّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) إمّا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً أوْ مَصْدَرِيَّةً، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نافِيَةً، فَذَلِكَ الفِعْلُ المُضْمَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ تُؤْمِنُونَ المَنفِيُّ بِما يَكُونُ مَنفِيًّا، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ، والفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ ولا حَذْفَ ما لا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرَبَ زَيْدًا ما أضْرَبَهُ، وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ ”ما“ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِـ (قَلِيلًا) أيْ: قَلِيلًا إيمانُكم، ويَبْقى ”قَلِيلًا“ لا يَتَقَدَّمُهُ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتّى يَعْمَلَ ولا ناصِبَ لَهُ؛ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لا خَبَرَ لَهُ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والقِلَّةُ في مَعْنى العَدَمِ، أيْ: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ البَتَّةَ، والمَعْنى: ما أكْفَرَكم وما أغْفَلَكم. انْتَهى. ولا يُرادُ بِـ (قَلِيلًا) هُنا النَّفْيُ المَحْضُ، كَما زَعَمَ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلَّ، نَحْوُ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا، وفي قَلَّ نَحْوُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زَيْدًا. وقَدْ تُسْتَعْمَلُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ، نَحْوُ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ:

؎قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها

أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوُ: قَلِيلًا ضَرَبْتُ، أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ، عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُورُ؛ لِأنَّهُ في: قَلِيلًا ضَرَبْتُ (p-٣٢٩)مَنصُوبٌ بِـ (ضَرَبْتُ) ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا، بَلْ مُقابِلًا لِكَثِيرٍ. وأمّا في (قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ) عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، فَتَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ؛ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما. والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ: يُؤْمِنُونَ، يَذَّكَّرُونَ: بِالياءِ فِيهِما. وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ. وأُبَيٌّ: بِياءَيْنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَنْزِيلٌ) بِالرَّفْعِ. وأبُو السَّمّالِ: تَنْزِيلًا بِالنَّصْبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ والتَّقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عَنْ آخَرَ إنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ. وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ: يَقُولُ مُضارِعُ قالَ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعْتَرَضَةٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقُرِئَ: ولَوْ تُقُوِّلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وحُذِفَ الفاعِلُ وقامَ المَفْعُولُ مَقامَهُ، وهو (بَعْضَ) إنْ كانَ قُرِئَ مَرْفُوعًا. وإنْ كانَ قُرِئَ مَنصُوبًا بِعَلَيْنا قامَ مَقامَ الفاعِلِ، والمَعْنى: ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا مُتَقَوِّلٌ. ولا يَكُونُ الضَّمِيرُ في تَقَوَّلَ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنهُ، فَنَحْنُ نَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في حَقِّهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والأقاوِيلُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهو أقْوالٌ كَبَيْتٍ وأبْياتٍ وأبايِيتٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وسَمّى الأقْوالَ المَنقُولَةَ أقاوِيلَ تَصْغِيرًا لَها وتَحْقِيرًا، كَقَوْلِكَ: الأعاجِيبُ والأضاحِيكُ، كَأنَّها جَمْعُ أُفْعُولَةٍ مِنَ القَوْلِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (بِاليَمِينِ) المُرادُ بِهِ الجارِحَةُ. فَقالَ الحَسَنُ: المَعْنى قَطَعْناهُ عِبْرَةً ونَكالًا، والباءُ عَلى هَذا زائِدَةٌ. وقِيلَ: الأخْذُ عَلى ظاهِرِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ عَلَيْنا شَيْئًا لَمْ نَقُلْهُ لَقَتَلْناهُ صَبْرًا، كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ بِمَن يَتَكَذَّبُ عَلَيْهِمْ مُعاجَلَةً بِالسَّخَطِ والِانْتِقامِ، فَصَوَّرَ قَتْلَ الصَّبْرِ بِصُورَتِهِ لِيَكُونَ أهْوَلَ، وهو أنْ يُؤْخَذَ بِيَدِهِ وتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ، وخُصَّ اليَمِينُ عَلى اليَسارِ؛ لِأنَّ القَتّالَ إذا أرادَ أنْ يُوقِعَ الضَّرْبَ في قَفاهُ أخَذَ بِيُسارُهُ، وإذا أرادَ أنْ يُوقِعَهُ في جِيدِهِ وأنْ يُلْحِفَهُ بِالسَّيْفِ، وهو أشَدُّ عَلى المَصْبُورِ لِنَظَرِهِ إلى السَّيْفِ، أُخِذَ بِيَمِينِهِ.

ومَعْنى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏: لَأخَذْنا بِيَمِينِهِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏: لَقَطَعْنا وتِينَهُ. انْتَهى، وهو قَوْلٌ لِلْمُتَقَدِّمِينَ حَسَّنَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَكْثِيرِ ألْفاظِهِ ومَصاغِها. قالُوا: المَعْنى لَأخَذْنا بِيَدِهِ الَّتِي هي اليَمِينُ عَلى جِهَةِ الإذْلالِ والصَّغارِ، كَما يَقُولُ السُّلْطانُ إذا أرادَ عُقُوبَةَ رَجُلٍ: يا غُلامُ خُذْ بِيَدِهِ وافْعَلْ كَذا، قالَهُ أوْ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: اليَمِينُ هُنا مَجازٌ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِاليَمِينِ: بِالقُوَّةِ، مَعْناهُ لَنِلْنا مِنهُ عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا. وقالَ مُجاهِدٌ: بِالقُدْرَةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: عاقَبْناهُ بِالحَقِّ ومَن عَلى هَذا صِلَةٌ. وقالَ نِفْطَوَيْهِ: لَقَبَضْنا بِيَمِينِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ. وقِيلَ: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ. وقِيلَ: لَأذْلَلْناهُ وأعْجَزْناهُ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو نِياطُ القَلْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ: حَبْلُ القَلْبِ الَّذِي في الظَّهْرِ وهو النُّخاعُ. والمَوْتُونُ الَّذِي قُطِعَ وتِينُهُ، والمَعْنى: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا، والضَّمِيرُ في عَنْهُ الظّاهِرُ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِي تَقَوَّلَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القَتْلِ، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَحْجِزَهُ عَنْ ذَلِكَ ويَدْفَعَهُ عَنْهُ، والخِطابُ في ”مِنكم“ لِلنّاسِ، والظّاهِرُ في (حاجِزِينَ) أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى لُغَةِ الحِجازِ؛ لِأنَّ حاجِزِينَ هو مَحَطُّ الفائِدَةِ، ويَكُونُ ”مِنكم“ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لِأحَدٍ، فَلَمّا تَقَدَّمَ صارَ حالًا، وفي جَوازِ هَذا نَظَرٌ. أوْ يَكُونُ لِلْبَيانِ، أوْ تَتَعَلَّقُ بِحاجِزِينَ، كَما تَقُولُ: ما فِيكَ زَيْدٌ راغِبًا، ولا يَمْنَعُ هَذا الفَصْلُ مِنَ انْتِصابِ خَبَرِ ”ما“ . وقالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: ”حاجِزِينَ“ نَعْتٌ لِأحَدٍ عَلى اللَّفْظِ، وجُمِعَ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ يَقَعُ في النَّفْيِ العامِّ لِلْواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ، ومِنهُ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٨٥] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٢] مَثَّلَ بِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَيْنِكَ في مَوْضِعَيْهِما. وفي الحَدِيثِ: ”لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكم“ . وإذا كانَ ”حاجِزِينَ“ نَعْتًا فَـ ”مِن أحَدٍ“ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ”مِنكم“، ويَضْعُفُ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَتَسَلَّطُ عَلى الخَبَرِ وهو كَيْنُونَتُهُ ”مِنكم“، فَلا يَتَسَلَّطُ عَلى الحَجْزِ. وإذا كانَ (حاجِزِينَ) (p-٣٣٠)خَبَرًا. تَسَلَّطَ النَّفْيُ عَلَيْهِ وصارَ المَعْنى: ما أحَدٌ مِنكم يَحْجِزُهُ عَنْ ما يُرِيدُ بِهِ مِن ذَلِكَ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: وإنَّ القُرْآنَ أوِ الرَّسُولَ، ﷺ .

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: وعِيدٌ، أيْ: مُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ أوْ بِالرَّسُولِ، ﷺ .

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ: القُرْآنُ مِن حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ، ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يُنَعَّمُ وهم مُعَذَّبُونَ. وقالَ مُقاتِلٌ: وإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ لَحَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، عادَ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (مُكَذِّبِينَ) كَقَوْلِهِ:

؎إذا نَهى السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ

أيْ: لِلسَّفَهِ. (وإنَّهُ) أيْ: وإنَّ القُرْآنَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وسَبَقَ الكَلامُ عَلى إضافَةِ (حَقٍّ) إلى اليَقِينِ في آخِرِ الواقِعَةِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

[That] indeed, the Qur'an is the word of a noble Messenger.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And it is not the word of a poet; little do you believe.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And if Muhammad had made up about Us some [false] sayings,

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

We would have seized him by the right hand;

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Then We would have cut from him the aorta.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

You read 69:37–46 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:37