All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Ash-Shūrā 42:1 Juzʾ 25 Page 483

‏‏ ‏

Ha, Meem.

Read in the muṣḥaf

سُورَةُ الشُّورى ثَلاثٌ وخَمْسُونَ آيَةً، مَكِّيَّةٌ

‏‏ ﴿عسق﴾ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٣] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٤] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ١٥] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٦] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٧] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ١٨] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ١٩] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٢٠] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الشورى: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٢] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٣] ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٤] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٥] (p-٥٠٧)‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٢٦] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٢٧] ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٨] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٢٩] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٣٠] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الشورى: ٣١] ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣٣] .

رَكَدَ الشَّيْءُ، ثَبَتَ في مَكانِهِ، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:

؎رُكُودًا يُوارِي الرَّبْرَبَ المُتَفَرِّقَ وقَدْ رَكَدَتْ وسَطَ السَّماءِ نُجُومُها

‏‏ ﴿عسق﴾ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكِّيَّةٌ إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ آياتٍ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٢٣] إلى (الصُّدُورِ) . ومُناسَبَةُ أوَّلِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها أنَّهُ قالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٥٢] الآيَةَ، وكانَ في ذَلِكَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ.

لَمّا كَفَرُوا بِهِ قالَ هُنا: (كَذَلِكَ)، أيْ: مِثْلُ الإيحاءِ السّابِقِ في القُرْآنِ الَّذِي كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ، ‏‏‏ ‏‏‏: أيْ: إنَّ وحْيَهُ تَعالى إلَيْكَ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، يَتَعَهَّدُكَ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في ‏‏ ﴿عسق﴾ أقْوالًا مُضْطَرِبَةً لا يَصِحُّ مِنها شَيْءٌ كَعادَتِهِمْ في هَذِهِ الفَواتِحِ، ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُوحِي) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ وأبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ (نُوحِي) (p-٥٠٨)بِنُونِ العَظَمَةِ.

ومُجاهِدٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعَبّاسٌ، ومَحْبُوبٌ، كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو: (يُوحى) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ و(اللَّهُ) مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ أوْحى، أوْ بِالِابْتِداءِ، التَّقْدِيرُ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ المُوحِي.

وعَلى قِراءَةِ (نُوحِي) بِالنُّونِ، يَكُونُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُبْتَدَأً وخَبَرًا.

و(يُوحِي) إمّا في مَعْنى أوْجَبَ حَتّى يَنْتَظِمَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏، أوْ يُقْرَأُ عَلى مَوْضُوعِهِ، ويُضْمِرُ عامِلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إلى الَّذِينَ) تَقْدِيرُهُ: وأوْحى إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في سُورَةِ مَرْيَمَ قِراءَةً وتَفْسِيرًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عُمَرَ وقِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ (تَتَفَطَّرْنَ) بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ. انْتَهى.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في النَّقْلِ؛ لِأنَّ ابْنَ خالَوَيْهِ ذَكَرَ في شَواذِّ القِراءاتِ لَهُ ما نَصَبَ (تَفَطَّرْنَ) بِالتّاءِ والنُّونِ، يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا حَرْفٌ نادِرٌ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تَجْمَعُ بَيْنَ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ.

لا يُقالُ: النِّساءُ تَقُمْنَ، ولَكِنْ يَقُمْنَ، والوالِداتُ يُرْضِعْنَ. قَدْ كانَ أبُو عُمَرَ الزّاهِدُ رَوى في نَوادِرِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّمْنَ، فَأنْكَرْناهُ، فَقَدْ قَوّاهُ؛ لِأنَّ هَذا كَلامُ ابْنِ خالَوَيْهِ. فَإنْ كانَتْ نُسَخُ الزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّفِقَةً عَلى قَوْلِهِ بِتاءَيْنِ مَعَ النُّونِ فَهو وهْمٌ، وإنْ كانَ في بَعْضِها بِتاءٍ مَعَ النُّونِ، كانَ مُوافِقًا لِقَوْلِ ابْنِ خالَوَيْهِ، وكانَ بِتاءَيْنِ تَحْرِيفًا مِنَ النُّسّاخِ.

وكَذَلِكَ كَتْبُهم تَتَفَطَّرْنَ وتَتَشَمَّمْنَ بِتاءَيْنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (مِن فَوْقِهِنَّ) عَلى (السَّماواتُ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن أعْلاهُنَّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَنْفَطِرْنَ مِن عُلُوِّ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مَجِيئُهُ بَعْدَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وقِيلَ: مِن دُعائِهِمْ لَهُ ولَدًا، كَقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] . فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ (مِن فَوْقِهِنَّ) ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي العَرَضُ والكُرْسِيُّ وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتَيْنِ الفَوْقانِيَّةِ.

وقالَ جَماعَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفِيُّ، قالَ: (مِن فَوْقِهِنَّ)، والهاءُ والنُّونُ كِنايَةٌ عَنِ الأرَضِينَ. انْتَهى.

(مِن فَوْقِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَتَفَطَّرْنَ) ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ ذِكْرُ الأرْضِ قَبْلُ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ، أيْ مِن أجْلِ أقْوالِها. انْتَهى.

فَهَذِهِ الآيَةُ كالَّذِي في سُورَةِ مَرْيَمَ، واسْتَبْعَدَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ، قالَ: لا يَجُوزُ في الذُّكُورِ مِن بَنِي آدَمَ، يَعْنِي ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ والِاسْتِشْعارُ ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ. قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ، وظاهِرُ المَلائِكَةِ العُمُومُ. وقالَ مُقاتِلٌ: حَمَلَةُ العَرْشِ والتَّسْبِيحِ، قِيلَ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللَّهَ، وقِيلَ: يُهَلِّلُونَ؛ والظّاهِرُ في (يَسْتَغْفِرُونَ) طَلَبُ الغُفْرانِ، ولِأهْلِ الأرْضِ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧]، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: عامٌّ. ومَعْنى الِاسْتِغْفارِ: طَلَبُ الهِدايَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى المَغْفِرَةِ، كَأنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اهْدِ أهْلَ الأرْضِ، فاغْفِرْ لَهم.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُهُ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ والِاسْتِفْتاحِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدُوا بِالِاسْتِغْفارِ لَهم: طَلَبَ الحِلْمِ والغُفْرانِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١]، إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٦]، والمُرادُ: الحِلْمُ عَنْهم، وأنْ لا يُعاجِلَهم بِالِانْتِقامِ فَيَكُونُ عامًّا. انْتَهى.

وتَكَلَّمَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كَلامًا خارِجًا عَنْ مَناحِي مَفْهُوماتِ العَرَبِ، مُنْتَزَعًا مِن كَلامِ الفَلاسِفَةِ ومَن جَرى مَجْراهم، يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كِتابِهِ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: أيْ أصْنامًا وأوْثانًا، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: أيْ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازِيهِمْ عَلَيْها، ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: بِمُفَوَّضٍ إلَيْكَ أمْرُهم ولا قائِمٍ.

وما في هَذا مِنَ المُوادَعَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. (وكَذَلِكَ) أيْ: ومِثْلُ هَذا الإيحاءِ والقَضاءِ، إنَّكَ لَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

(p-٥٠٩)والظّاهِرُ أنَّ (قُرْءانًا) مَفْعُولُ (أوْحَيْنا) .

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وهو قُرْآنٌ عَرَبِيٌّ لا لَبْسَ فِيهِ عَلَيْكَ، إذْ نَزَلَ بِلِسانِكَ. انْتَهى.

فاسْتَعْمَلَ الكافَ اسْمًا في الكَلامِ، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏: مَكَّةَ، أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والثّانِي هو: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ: اجْتِماعِ الخَلائِقِ، والمُنْذَرُ بِهِ هو ما يَقَعُ في يَوْمِ الجَمْعِ مِنَ الجَزاءِ وانْقِسامِ الجَمْعِ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوِ اجْتِماعِ الأرْواحِ بِالأجْسادِ، أوْ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَّماءِ، أوِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ.

(لِيُنْذِرَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لا شَكَّ في وُقُوعِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏: اعْتِراضٌ لا مَحالَةَ. انْتَهى.

ولا يَظْهَرُ أنَّهُ اعْتِراضٌ، أعْنِي صِناعِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَ طالِبٍ ومَطْلُوبٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَرِيقٌ) بِالرَّفْعِ فِيهِما، أيْ: هم فَرِيقٌ أوْ مِنهم فَرِيقٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهِما، أيِ: افْتَرَقُوا، فَرِيقًا في كَذا، وفَرِيقًا في كَذا؛ ويَدُلُّ عَلى الِافْتِراقِ: الِاجْتِماعُ المَفْهُومُ مِن يَوْمِ الجَمْعِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏: يَعْنِي مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، قالَ مَعْناهُ الضَّحّاكُ، وهو قَوْلُ أهْلِ السُّنَّةِ، وذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ.

كَما كانَ يُقاسِيهِ مَن كُفْرِ قَوْمِهِ، وتَوْقِيفٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ أدْخَلَهُ في رَحْمَتِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مُؤْمِنِينَ كُلَّهم عَلى القَسْرِ والإكْراهِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ١٣]، وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٩٩] .

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى هو الإيحاءُ إلى الإيمانِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يونس: ٩٩]، وذَكَرَ ما ظَنَّهُ اسْتِدْلالًا عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ.

وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: ‏ ‏‏‏‏‏‏: في دِينِ الإسْلامِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أمْ: بِمَعْنى بَلْ، لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: أمْ بِمَعْنى الهَمْزَةِ فَقَطْ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا، حَيْثُ جاءَتْ أمِ المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: اتَّخَذُوا أوْلِياءَ دُونَ اللَّهِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ حَقِيقَةً، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ، والَّذِي يَجِبُ أنْ يَتَوَلّى وحْدَهُ، لا ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوْلِيائِهِمْ.

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ هو الوَلِيُّ، عَطَفَ عَلَيْهِ هَذا الفِعْلَ الغَرِيبَ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وهو إحْياءُ المَوْتى.

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الوَصْفَ، ذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تَتَعَلَّقُ إرادَتُهُ بِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏، والفاءُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ إنْكارِ كُلِّ ولِيٍّ سِواهُ، وإنْ أرادُوا ولَيًّا بِحَقٍّ، فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ، لا ولِيَّ سِواهُ. انْتَهى.

ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ يَتِمُّ بِدُونِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏: هَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ الرَّسُولِ، أيْ: ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها النّاسُ مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ وإيمانٍ وكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا إلى اللَّهِ، لا إلَيَّ، ولَفْظَةُ مِن شَيْءٍ تَدُلُّ عَلى العُمُومِ.

وقِيلَ: مِن شَيْءٍ مِنَ الخُصُوماتِ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولا تُؤْثِرُوا عَلى حُكُومَتِهِ حُكُومَةَ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النساء: ٥٩] . وقِيلَ: (مِن شَيْءٍ): مِن تَأْوِيلِ آيَةٍ واشْتَبَهَ عَلَيْكم، فارْجِعُوا في بَيانِهِ إلى آيِ المُحْكَمِ مِن كِتابِ اللَّهِ، والظّاهِرِ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وقِيلَ: ما وقَعَ مِنكُمُ الخِلافُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الَّتِي لا تَتَّصِلُ بِتَكْلِيفِكم، ولا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِهِ، فَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، كَمَعْرِفَةِ الرُّوحِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ ما خالَفَكم فِيهِ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ فاخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وهم فِيهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، فَحُكْمُ ذَلِكَ المُخْتَلَفِ فِيهِ مُفَوَّضٌ إلى اللَّهِ، وهو إثابَةُ المُحِقِّينَ فِيهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُعاتِبَةُ المُبْطِلِينَ.

(ذَلِكم): الحَكَمُ بَيْنَكم هو ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في رَدِّ كَيْدِ أعْداءِ الدِّينِ، وإلَيْهِ أرْجِعُ في كِفايَةِ شَرِّهِمْ. انْتَهى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فاطِرُ) بِالرَّفْعِ، أيْ: هو فاطِرُ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ: (ذَلِكم) .

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فاطِرِ) بِالجَرِّ، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (إلى اللَّهِ)، والجُمْلَةُ بَعْدَها اعْتِراضٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِن جِنْسِ أنْفُسِكم، أيْ: (p-٥١٠)آدَمَيّاتٍ، (أزْواجًا): إناثًا، أوْ جَعَلَ الخَلْقَ لِأبِينا آدَمَ مِن ضِلْعِهِ حَوّاءَ زَوْجًا لَهُ خَلْقًا لَنا، ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أنْواعًا كَثِيرَةً، ذُكُورًا وإناثًا، أوْ أزْواجًا إناثًا.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرْزُقُكم فِيهِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ قَبْلَهُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: يَخْلُقُكم في بُطُونِ الإناثِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُكَثِّرُكم بِهِ، أيْ: فِيهِ، أيْ: يُكَثِّرُكم في خَلْقِكم أزْواجًا.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: يَنْقُلُكم مِن حالٍ إلى حالٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرُ في فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ: يَخْلُقُكم ويُكَثِّرُكم في الجَعْلِ، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ، وهو تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَذْرَؤُكم): يُكَثِّرُكم، يُقالُ ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ: بَثَّهم وكَثَّرَهم، والذَّرْءُ والذَّرُوءُ والذَّرْواءُ أخَواتٌ في هَذا التَّدْبِيرِ، وهو أنْ جَعَلَ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا حَتّى كانَ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمُ التَّوالُدُ والتَّناسُلُ.

والضَّمِيرُ في يَذْرَؤُكم يَرْجِعُ إلى المُخاطَبِينَ، و(الأنْعامِ) مُغَلَّبًا فِيهِ المُخاطَبُونَ العُقَلاءُ عَلى الغَيْرِ مِمّا لا يَعْقِلُ، وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: وهي مِنَ الأحْكامِ ذاتِ العِلَّتَيْنِ اصْطِلاحٌ غَرِيبٌ، ويَعْنِي أنَّ الخِطابَ يُغَلَّبُ عَلى الغَيْبَةِ إذا اجْتَمَعا فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَقُومانِ؛ والعاقِلُ يُغَلَّبُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ إذا اجْتَمَعا، فَتَقُولُ: الحَيَوانُ وغَيْرُهم يُسَبِّحُونَ خالِقَهم.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (يَذْرَؤُكم) في هَذا التَّدْبِيرِ ؟ وهَلّا قِيلَ: يَذْرَؤُكم بِهِ ؟ قُلْتُ: جَعَلَ هَذا التَّدْبِيرَ كالمَنبَعِ والمَعْدِنِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ. ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْحَيَوانِ في خَلْقِ الأزْواجِ تَكْثِيرٌ ؟ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٩] انْتَهى.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏، تَقُولُ العَرَبُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، يُرِيدُونَ بِهِ المُخاطَبَ، كَأنَّهم إذا نَفَوُا الوَصْفَ عَنْ مِثْلِ الشَّخْصِ كانَ نَفْيًا عَنِ الشَّخْصِ، وهو مِن بابِ المُبالَغَةِ، ومِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ:

؎لَيْسَ كَمِثْلِ الفَتى زُهَيْرِ ∗∗∗ خُلُقٌ يُوازِيهِ في الفَضائِلِ

وقالَ آخَرُ:

؎وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مَسْبَلٌ مُنْهَمِرْ

وقالَ آخَرُ:

؎سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ما إنَّ مِثْلَهُمُ في النّاسِ مِن أحَدِ

فَجَرَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى نَهْجِ كَلامِ العَرَبِ مِن إطْلاقِ المِثْلِ عَلى نَفْسِ الشَّيْءِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ كالكافِّ في قَوْلِهِ:

؎فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ

وقَوْلِهِ:

وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ مِثْلًا اسْمٌ، والأسْماءُ لا تُزادُ، بِخِلافِ الكافِ، فَإنَّها حَرْفٌ، فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ.

ونَظِيرُ نِسْبَةِ المِثْلِ إلى مَن لا مِثْلَ لَهُ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، يُرِيدُ أنَّهُ جَوادٌ، ولا نَظِيرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ إلى اليَدِ حَتّى تَقُولَ ذَلِكَ لِمَن لا يَدَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤] .

فَكَما جَعَلْتَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الجَوادِ فِيمَن لا يَدَ لَهُ، فَكَذَلِكَ جَعَلْتَ المِثْلَ كِنايَةً عَنِ الذَّواتِ في مَن لا مِثْلَ لَهُ.

ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالمِثْلِ الصِّفَةُ، وذَلِكَ سائِغٌ، يُطْلَقُ المِثْلُ بِمَعْنى المِثْلِ وهو الصِّفَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ تَعالى شَيْءٌ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لِغَيْرِهِ، وهَذا مَحْمَلٌ سَهْلٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ أغْوَصُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَرَبُ تُقِيمُ المِثالَ مَقامَ النَّفْسِ، فَيَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا. انْتَهى.

فَقَدْ صارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الذّاتِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِكِ: لَيْسَ كاللَّهِ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ. وقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الكافَ والمِثْلَ يُرادُ بِهِما مَوْضُوعُهُما الحَقِيقِيُّ مِن أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ، وذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّ فِيهِ إثْباتُ مِثْلٍ لِلَّهِ (p-٥١١)تَعالى، وهو مُحالٌ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأقْوالِ الخَلْقِ، (البَصِيرُ) لِأعْمالِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في سُورَةِ الزُّمَرِ؛ وقُرِئَ: (ويَقْدِرُ) أيْ: يُضَيِّقُ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: يُوَسِّعُ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإذا عَلِمَ أنَّ الغِنى خَيْرٌ لِلْعَبْدِ أغْناهُ لا أفْقَرَهُ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:1