All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Al-ʿAnkabūt 29:46 Juzʾ 21 Page 402

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

(p-١٥٥)و(أهْلَ الكِتابِ) اليَهُودَ والنَّصارى.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ مِنَ المُلاطَفَةِ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّنْبِيهِ عَلى آياتِهِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِمَّنْ لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً ونَصَبَ الحَرْبَ، وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَهُ مُجاهِدٌ ومُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. (إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ) أيْ: بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَن بَقِيَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ، وعْدٌ لِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، والآيَةُ عَلى هَذا مُحْكَمَةٌ. وقِيلَ: إلّا الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (إلّا)، حَرْفُ اسْتِثْناءٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ: ”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ واسْتِفْتاحٍ، وتَقْدِيرُهُ: ألا جادِلُوهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ. (وقُولُوا آمَنّا) هَذا مِنَ المُجادَلَةِ بِالأحْسَنِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو القُرْآنُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ.

«وفِي صَحِيحِ» البُخارِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلَيْكم“» . (وكَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: القُرْآنَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مِن أهْلِ مَكَّةَ. وقِيلَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمُوا عَهْدَ الرَّسُولِ ﷺ، يُؤْمِنُونَ بِهِ: أيْ: بِالقُرْآنِ، إذْ هو مَذْكُورٌ في كُتُبِهِمْ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مِمَّنْ في عَهْدِهِ مِنهم.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعَ ظُهُورِها وزَوالِ الشُّبْهَةِ عَنْها ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ.

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا، فَنَزَلَتْ: (وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ) أيْ: مِن قَبْلِ نُزُولِهِ عَلَيْكَ (مِن كِتابٍ) أيْ: كِتابًا، و”مِن“ زائِدَةٌ لِأنَّها في مُتَعَلَّقِ النَّفْيِ (ولا تَخُطُّهُ) أيْ: لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ (بِيَمِينِكَ) وهي الجارِحَةُ الَّتِي يُكْتَبُ بِها، وذِكْرُها زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِما نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الكِتابَةِ، لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ عَلَيْهِ، مُتَضَمَّنًا مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ والإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ السّابِقَةِ والأُمُورِ المَغِيبَةِ ما أعْجَزَ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، أخَذَ يُحَقِّقُ، كَوْنُهُ نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، بِأنَّهُ ظَهَرَ عَنْ رَجُلٍ أُمِّيٍّ، لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يُخالِطُ أهْلَ العِلْمِ. وظُهُورُ هَذا القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى صِدْقِهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكْتُبْ قَطُّ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالنَّظَرِ في كِتابٍ.

ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى كَتَبَ وأسْنَدَ النِّقاشَ. حَدِيثُ أبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: أنَّهُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأخْبَرَ بِمَعْناها. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما ظاهِرُهُ: أنَّهُ كَتَبَ مُباشَرَةً، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ، مِنهم أبُو ذَرٍّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ الهَرَوِيُّ، والقاضِي أبُو الوَلِيدِ الباجِيُّ وغَيْرُهُما. واشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ بِلادِنا عَلى أبِي الوَلِيدِ الباجِيِّ، حَتّى كانَ بَعْضُهم يَسُبُّهُ ويَطْعَنُ فِيهِ عَلى المِنبَرِ. وتَأوَّلَ أكْثَرُ العُلَماءِ ما ورَدَ مِن أنَّهُ كَتَبَ عَلى أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ بِالكِتابَةِ، كَما تَقُولُ: كَتَبَ السُّلْطانُ لِفُلانٍ بِكَذا، أيْ: أمَرَ بِالكَتْبِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لَوْ كانَ يَقْرَأُ كُتُبًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، أوْ يَكْتُبُ، لَحَصَلَتِ الرِّيبَةُ لِلْمُبْطِلِينَ، إذا كانُوا يَقُولُونَ: حَصَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَتْلُوهُ مِمّا قَرَأهُ، قِيلَ: وخَطَّهُ واسْتَحْفَظَهُ؛ فَكانَ يَكُونُ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ شُبْهَةٍ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. والمُبْطِلُونَ: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أوْ كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وسُمُّوا مُبْطِلِينَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ، وهو أُمِّيٌّ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَبِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا، كانَ ارْتِيابُهم لا وجْهَ لَهُ.

(بَلْ هو) أيِ: القُرْآنُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ واضِحاتُ الإعْجازِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مُسْتَقِرَّةٌ، مُؤْمَنٌ بِها، مَحْفُوظَةٌ في صُدُورِهِمْ، يَتْلُوها أكْثَرُ الأُمَّةِ ظاهِرًا، بِخِلافِ غَيْرِهِ (p-١٥٦)مِنَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ، ولا يُقْرَأُ إلّا مِنَ الصُّحُفِ. وجاءَ في صِفَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ: صُدُورُهم أناجِيلُهم. وكَوْنُهُ القُرْآنَ يُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”بَلْ هي آياتٌ“ . وقِيلَ: بَلْ هو، أيِ: النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ: بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو، أيْ: كَوْنُهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ. ويُقالُ: جَحَدْتَهُ وجَحَدْتَ بِهِ، وكَفَرْتَهُ وكَفَرْتَ بِهِ، قِيلَ: والجُحُودُ الأوَّلُ مُعَلَّقٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، والثّانِي: مُعَلَّقٌ بِالنُّبُوَّةِ، وخُتِمَتْ تِلْكَ بِالكافِرِ. ولِأنَّهُ قَسِيمُ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ بِالظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ صَدَرَ مِنهُ القُرْآنُ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَهُمُ الظّالِمُونَ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قُرَيْشٌ، وبَعْضُ اليَهُودِ كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذا الِاقْتِراحِ يَقُولُونَ لَهُ: ألا يَأْتِيكم بِآيَةٍ مِثْلِ آياتِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها ؟ وقَرَأ العَرَبِيّانِ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ: (آياتٌ)، عَلى الجَمْعِ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: عَلى التَّوْحِيدِ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ يُنْزِلُ أيَّتَها شاءَ، ولَوْ شاءَ أنْ يُنْزِلَ ما يَقْتَرِحُونَهُ لَفَعَلَ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِما أُعْطِيتُ مِنَ الآياتِ. وذَكَرَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ألْقاها وقالَ: «كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ أنْ يَرْغَبُوا عَمّا جاءَ بِهِ نَبِيُّهم إلى ما جاءَ بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ»، فَنَزَلَتْ: (أوَلَمْ يَكْفِهِمْ) .

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] أيْ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ آيَةً مُغْنِيَةً عَنْ سائِرِ الآياتِ، إنْ كانُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ غَيْرَ مُتَعَنِّتِينَ، هَذا القُرْآنُ الَّذِي تَدُومُ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ ؟ فَلا تَزالُ مَعَهم آيَةٌ ثابِتَةٌ لا تَزُولُ ولا تَضْمَحِلُّ، كَما تَزُولُ كُلُّ آيَةٍ بَعْدَ وُجُودِها، ويَكُونُ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ المَوْجُودَةِ في كُلِّ مَكانٍ وزَمانٍ لَرَحْمَةٌ لَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا تُنْكَرُ وتُذْكَرُ. وقِيلَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ( أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقِ ما في أيْدِيهِمْ مِن نَعْتِكَ ونَعْتِ دِينِكَ، ورُوِيَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَنَزَلَتْ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدْ بَلَّغْتُ وأنْذَرْتُ، وأنَّكم جَحَدْتُمْ وكَذَّبْتُمْ، وهو العالِمُ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَيَعْلَمُ أمْرِي وأمْرَكم ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِغَيْرِ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ. وقِيلَ: بِالصَّنَمِ.

(ويَسْتَعْجِلُونَكَ) أيْ: كُفّارُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وقَوْلِ النَّضِرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] وهو اسْتِعْجالٌ عَلى جِهَةِ التَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِالعَذابِ الَّذِي كانَ يَتَوَعَّدُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والأجَلُ المُسَمّى: ما سَمّاهُ اللَّهُ وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ لِعَذابِهِمْ، وأوْجَبَتِ الحِكْمَةُ تَأْخِيرَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ ابْنُ سَلامٍ: أجَلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: فَجْأةً، وهو ما ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي السِّنِينَ السَّبْعِ. ثُمَّ كَرَّرَ فِعْلَهم وقَبَّحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم جَهَنَّمَ، تُحِيطُ بِهِمْ. وانْتَصَبَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِـ: ”مُحِيطَةٌ“ . وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، ونافِعٌ: (ويَقُولُ) أيِ: اللَّهُ؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنُّونِ، نُونِ العَظَمَةِ، أوْ نُونِ جَماعَةِ المَلائِكَةِ؛ وأبُو البَرِّ هُثَيْمٌ: بِالتّاءِ، أيْ: جَهَنَّمُ؛ كَما نُسِبَ القَوْلُ إلَيْها في: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [ق: ٣٠] . وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ويُقالُ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

The same ayah, in another commentary

Al-ʿAnkabūt 29:46