All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ash-Shūrā 42:1 Juzʾ 25 Page 483

‏‏ ‏

Ha, Meem.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٢٢
(سُورَةُ الشُّورى)
خَمْسُونَ وثَلاثُ آياتٍ، مَكِّيَّةٌ

‏‏ ﴿عسق﴾ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ﴿عسق﴾ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ مَعْلُومٌ إلّا أنَّ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالانِ زائِدانِ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّوَرَ السَّبْعَةَ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ: ‏‏ فَما السَّبَبُ في اخْتِصاصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَزِيدِ ﴿عسق﴾ ؟ .

الثّانِي: أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ( وهَهُنا يُفْصَلُ بَيْنَ ‏‏ وبَيْنَ ﴿عسق﴾ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟

واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في أمْثالِ هَذِهِ الفَواتِحِ يَضِيقُ، وفَتْحُ بابِ المُجازَفاتِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى اللَّهِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ”حم عسق“ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ فالكافُ مَعْناهُ المِثْلُ وذا لِلْإشارَةِ إلى شَيْءٍ سَبَقَ ذِكْرُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: مِثْلُ: ‏‏ ﴿عسق﴾ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وعِنْدَ هَذا حَصَلَ قَوْلانِ:

صفحة ١٢٣
الأوَّلُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”لا نَبِيَّ صاحِبَ كِتابٍ إلّا وقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ حم عسق“ وهَذا عِنْدِي بِعِيدٌ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ المُرادُ مِنها المُماثَلَةُ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وتَقْبِيحِ أحْوالِ الدُّنْيا والتَّرْغِيبِ في التَّوَجُّهِ إلى الآخِرَةِ، والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنّا بَيَّنّا في سُورَةِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأعلى: ١] أنَّ أوَّلَها في تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وأوْسَطَها في تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ، وآخِرَها في تَقْرِيرِ المَعادِ، ولَمّا تَمَّمَ الكَلامَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ المَطالِبِ الثَّلاثَةِ قالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] يَعْنِي أنَّ المَقْصُودَ مِن إنْزالِ جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ المَطالِبَ الثَّلاثَةَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا يَعْنِي مِثْلَ الكِتابِ المُسَمّى بِـ ”حم عسق“ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ وإلى كُلِّ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُماثَلَةِ الدَّعْوَةُ إلى هَذِهِ المَطالِبِ العالِيَةِ والمَباحِثِ المُقَدَّسَةِ الإلَهِيَّةِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ولَمْ يَقُلْ أوْحى إلَيْكَ، ولَكِنْ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ عَلى لَفْظِ المُضارِعِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إيحاءَ مِثْلِهِ عادَتُهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”كَذَلِكَ يُوحى“ بِفَتْحِ الحاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو وعَنْ بَعْضِهِمْ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ ”يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“ بِكَسْرِ الحاءِ، فَإنْ قِيلَ فَعَلى القِراءَةِ الأُولى ما رافِعُ اسْمِ اللَّهِ تَعالى ؟ قُلْنا ما دَلَّ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ، كَأنَّ قائِلًا قالَ مَنِ المُوحِي ؟ فَقِيلَ اللَّهُ، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ السُّلَمِيِّ ”وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم“ [الأنعام: ١٣٧] عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ ”شُرَكاؤُهم“ فَإنْ قِيلَ فَما رافِعُهُ فِيمَن قَرَأ ”نُوحِي“ بِالنُّونِ ؟ قُلْنا يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، والعَزِيزُ وما بَعْدَهُ أخْبارٌ، أوِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ صِفَتانِ والظَّرْفُ خَبَرُهُ، ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ حَصَلَ بِالوَحْيِ بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ مَن هو، فَقالَ إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ سُورَةِ ”حم المُؤْمِنِ“ أنَّ كَوْنَهُ عَزِيزًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قادِرًا عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وكَوْنَهُ حَكِيمًا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ فَيَحْصُلُ لَنا مِن كَوْنِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا كَوْنُهُ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ غَنِيًّا عَنْ جَمِيعِ الحاجاتِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ حِكْمَةً وصَوابًا، وكانَتْ مُبَرَّأةً عَنِ العَيْبِ والعَبَثِ، قالَ مُصَنِّفُ الكِتابِ: قُلْتُ في قَصِيدَةً:

الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الآلاءِ والنِّعَمِ والفَضْلِ والجُودِ والإحْسانِ والكَرَمِ

مُنَزَّهِ الفِعْلِ عَنْ عَيْبٍ وعَنْ عَبَثِ ∗∗∗ مُقَدَّسِ المُلْكِ عَنْ عَزْلٍ وعَنْ عَدَمِ
والصِّفَةُ الثّالِثَةُ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَطْلُوبَيْنِ في غايَةِ الجَلالِ: أحَدُهُما: كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِقُدْرَةٍ كامِلَةٍ نافِذَةٍ في جَمِيعِ أجْزاءِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِها وسِعَتِها، بِالإيجادِ والإعْدامِ، والتَّكْوِينِ والإبْطالِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أنَّ كُلَّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وإلّا لَزِمَ كَوْنُهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ.

وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ أيْضًا في العَرْشِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما سَماكَ فَهو سَماءٌ فَإذا كانَ العَرْشُ مَوْجُودًا فَوْقَ السَّماواتِ كانَ في الحَقِيقَةِ سَماءً، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما كانَ حاصِلًا في العَرْشِ مُلْكًا لِلَّهِ ومِلْكًا لَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنْ كَوْنِهِ حاصِلًا في العَرْشِ، وإنْ قالُوا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وكَلِمَةُ ما تَتَناوَلُ مَن يَعْقِلُ قُلْنا هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ

صفحة ١٢٤
لَفْظَةَ ما وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦] وقالَ: ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، [الكافرون: ٥] .
والثّانِي: أنَّ صِيغَةَ ”مَن“: ورَدَتْ في مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ تَعالى: ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وكَلِمَةُ ”مَن“ لا شَكَّ أنَّها وارِدَةٌ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو عَبْدُ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ اللَّهُ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والأرْضِ وفي العَرْشِ لَكانَ هو مِن جُمْلَةِ مَن في السَّماواتِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ، ولَمّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مَن كانَ مَوْجُودًا في السَّماواتِ والعَرْشِ فَهو عَبْدٌ لِلَّهِ وجَبَ فِيمَن تَقَدَّسَتْ كِبْرِياؤُهُ عَنْ تُهْمَةِ العُبُودِيَّةِ أنْ يَكُونَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَوْنِ في المَكانِ والجِهَةِ والعَرْشِ والكُرْسِيِّ.

والصِّفَةُ الرّابِعَةُ والخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِ عَلِيًّا العُلُوَّ في الجِهَةِ والمَكانِ لِما ثَبَتَتِ الدَّلالَةُ عَلى فَسادِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَظِيمِ العَظَمَةَ بِالجُثَّةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُؤَلَّفًا مِنَ الأجْزاءِ والأبْعاضِ، وذَلِكَ ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَلِيِّ المُتَعالِي عَنْ مُشابَهَةِ المُمْكِناتِ ومُناسَبَةِ المُحْدَثاتِ، ومِنَ العَظِيمِ العَظَمَةُ بِالقُدْرَةِ، والقَهْرُ بِالِاسْتِعْلاءِ، وكَمالُ الإلَهِيَّةِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ ”تَكادُ“ بِالتّاءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ بِالياءِ والتّاءِ، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ”يَكادُ“ بِالياءِ ”يَتَفَطَّرْنَ“ أيْضًا بِالتّاءِ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ورَوى يُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو قِراءَةً غَرِيبَةً ”تَتَفَطَّرْنَ“ بِالتّاءَيْنِ مَعَ النُّونِ، ونَظِيرُها حَرْفٌ نادِرٌ، رُوِيَ في نَوادِرِ ابْنِ الإعْرابِيِّ: الإبِلُ تَتَشَمَّسْنَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في فائِدَةِ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ: والمَعْنى أنَّها تَكادُ تَتَفَطَّرُ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ سَخِيفٌ، ويَجِبُ القَطْعُ بِبَراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْهُ، ويَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ.

وثانِيها: هَبْ أنَّهُ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ اللَّهِ عَلَيْها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الحالَةَ إنَّما حَصَلَتْ مِن ثِقَلِ المَلائِكَةِ عَلَيْها، كَما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» “ .

وثالِثُها: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَكادُ السَّماواتُ تَنْشَقُّ وتَنْفَطِرُ مِن هَيْبَةِ مَن هو فَوْقَها فَوْقِيَّةً بِالإلَهِيَّةِ والقَهْرِ والقُدْرَةِ ؟ .

فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ القَوْلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ في غايَةِ الفَسادِ والرَّكاكَةِ.

والوَجْهُ الثّانِي: في تَأْوِيلِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وهو أنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ إنَّما جاءَتْ مِنَ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماواتِ، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ فَقُلِبَ فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في جِهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، ودَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ، ونَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ تَعالى؛ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحج: ١٩] فَجُعِلَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِ الباطِنَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَأْوِيلِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ثُمَّ قالَ:

صفحة ١٢٥
‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن فَوْقِ الأرْضِينَ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: في التَّأْوِيلِ أنْ يُقالَ مَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ هَذِهِ السَّماواتُ فِيها، وتِلْكَ الجِهَةُ هي فَوْقَ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ الجِهَةِ الفَوْقانِيَّةِ الَّتِي هُنَّ فِيها.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الهَيْئَةَ لِمَ حَصَلَتْ ؟ وفِيهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ المُوحِيَ لِهَذا الكِتابِ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، بَيَّنَ وصْفَ جَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن هَيْبَتِهِ وجَلالَتِهِ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّبَبَ في إثْباتِهِمُ الوَلَدَ لِلَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾، وهَهُنا السَّبَبُ فِيهِ إثْباتُهُمُ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والصَّحِيحُ هو الأوَّلُ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى نَوْعانِ: عالَمُ الجُسْمانِيّاتِ وأعْظَمُها السَّماواتُ، وعالَمُ الرُّوحانِيّاتِ وأعْظَمُها المَلائِكَةُ، واللَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ كَمالَ عَظَمَتِهِ لِأجْلِ نَفاذِ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ في الجُسْمانِيّاتِ، ثُمَّ يُرْدِفُهُ بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ واسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الرُّوحانِيّاتِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] لَمّا أرادَ تَقْرِيرَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ بَدَأ بِذِكْرِ الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ [النبأ: ٣٧] ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النبأ: ٣٨] فَكَذَلِكَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ كَمالَ عَظَمَتِهِ بِاسْتِيلاءِ هَيْبَتِهِ عَلى الجُسْمانِيّاتِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ الرُّوحانِيّاتِ، فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَهَذا تَرْتِيبٌ شَرِيفٌ وبَيانٌ باهِرٌ.

واعْلَمْ أنَّ المَوْجُوداتِ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُؤَثِّرٌ لا يَقْبَلُ الأثَرَ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أشْرَفُ الأقْسامِ، ومُتَأثِّرٌ لا يُؤَثِّرُ، وهو القابِلُ وهو الجِسْمُ وهو أخَسُّ الأقْسامِ، ومَوْجُودٌ يَقْبَلُ الأثَرَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، ويُؤَثِّرُ في القِسْمِ الثّانِي وهو الجَواهِرُ الرُّوحانِيّاتُ المُقَدَّسَةُ، وهو المَرْتَبَةُ المُتَوَسِّطَةُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ لَها تَعَلُّقانِ: تَعَلُّقٌ بِعالَمِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وهو تَعَلُّقُ القَبُولِ، فَإنَّ الجَلايا القُدْسِيَّةَ والأضْواءَ الصَّمَدِيَّةَ إذا أشْرَقَتْ عَلى الجَواهِرِ الرُّوحانِيَّةِ اسْتَضاءَتْ جَواهِرُها وأشْرَقَتْ ماهِيّاتُها.

ثُمَّ إنَّ الجَواهِرَ الرُّوحانِيَّةَ إذا اسْتَفادَتْ تِلْكَ القُوى الرُّوحانِيَّةَ، قَوِيَتْ بِها عَلى الِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلَها وجْهانِ: وجْهٌ إلى جانِبِ الكِبْرِياءِ وحَضْرَةِ الجَلالِ، ووَجْهٌ إلى عالَمِ الأجْسامِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ:

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:1