All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Āl ʿImrān 3:92 Juzʾ 4 Page 62

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Never will you attain the good [reward] until you spend [in the way of Allah] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allah is Knowing of it.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْفاقَ لا يَنْفَعُ الكافِرَ البَتَّةَ عَلَّمَ المُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ الإنْفاقِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ كانَ مِن جُمْلَةِ الأبْرارِ، ثُمَّ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، وقالَ أيْضًا: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإنسان: ٥]، وقالَ أيْضًا: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]، وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧]، فاللَّهُ تَعالى لَمّا فَصَّلَ في سائِرِ الآياتِ كَيْفِيَّةَ ثَوابِ الأبْرارِ اكْتَفى هاهُنا بِأنْ ذَكَرَ أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ نالَ البِرَّ، وفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى:

وهِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أكْثَرَ أعْمالِ الخَيْرِ، وسَمّاهُ البِرَّ ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، والمَعْنى أنَّكم وإنْ أتَيْتُمْ بِكُلِّ تِلْكَ الخَيْراتِ المَذْكُورَةِ في تِلْكَ الآيَةِ فَإنَّكم لا تَفُوزُونَ بِفَضِيلَةِ البِرِّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ إذا أنْفَقَ ما يُحِبُّهُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ الطّاعاتِ، وهاهُنا بَحْثٌ وهو: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَلِمَةُ ”حَتّى“ لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ مِمّا أحَبَّ فَقَدْ نالَ البِرَّ ومَن نالَ البِرَّ دَخَلَ تَحْتَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ الثَّوابِ لِلْأبْرارِ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن أنْفَقَ ما أحَبَّ وصَلَ إلى الثَّوابِ العَظِيمِ وإنْ لَمْ يَأْتِ بِسائِرِ الطّاعاتِ، وهو باطِلٌ.

وجَوابُ هَذا الإشْكالِ: أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ مَحْبُوبَهُ إلّا إذا تَوَسَّلَ بِإنْفاقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ إلى وِجْدانِ مَحْبُوبٍ أشْرَفَ مِنَ الأوَّلِ، فَعَلى هَذا الإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْفِقَ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا تَيَقَّنَ سَعادَةَ الآخِرَةِ، ولا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْتَرِفَ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ إلّا إذا أقَرَّ بِوُجُودِ الصّانِعِ العالِمِ القادِرِ، وأقَرَّ بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْقِيادُ لِتَكالِيفِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ إنْفاقُ الدُّنْيا في الدُّنْيا إلّا إذا كانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الخِصالِ المَحْمُودَةِ في الدُّنْيا، ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ، فَنَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: كانَ السَّلَفُ إذا أحَبُّوا شَيْئًا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، رُوِيَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِي حائِطٌ بِالمَدِينَةِ وهو أحَبُّ أمْوالِي إلَيَّ أفَأتَصَدَّقُ بِهِ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”بَخٍ بَخٍ ذاكَ مالٌ رابِحٌ، وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ“، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَها في أقارِبِهِ»، ويُرْوى أنَّهُ جَعَلَها بَيْنَ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «ورُوِيَ أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جاءَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّهُ وجَعَلَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُسامَةَ، فَوَجَدَ زَيْدٌ في نَفْسِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَها“»، واشْتَرى ابْنُ عُمَرَ جارِيَةً أعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها فَقِيلَ لَهُ: لِمَ أعْتَقْتَها ولَمْ تُصِبْ مِنها ؟ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْمُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ البِرِّ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما بِهِ يَصِيرُونَ أبْرارًا حَتّى يَدْخُلُوا في قَوْلِهِ:

صفحة ١١٨
﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، فَيَكُونُ المُرادُ بِالبِرِّ ما يَحْصُلُ مِنهم مِنَ الأعْمالِ المَقْبُولَةِ.
والثّانِي: الثَّوابُ والجَنَّةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَنْ تَنالُوا هَذِهِ المَنزِلَةَ إلّا بِالإنْفاقِ عَلى هَذا الوَجْهِ.

أمّا القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، فَمِنهم مَن قالَ: (البِرَّ) هو التَّقْوى واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٧٧]، وقالَ أبُو ذَرٍّ: إنَّ البِرَّ هو الخَيْرُ، وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

وأمّا الَّذِينَ قالُوا: البِرُّ هو الجَنَّةُ فَمِنهم مَن قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لَنْ تَنالُوا ثَوابَ البِرِّ، ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ بِرُّ اللَّهِ أوْلِياءَهُ وإكْرامُهُ إيّاهم وتَفَضُّلُهُ عَلَيْهِمْ، وهو مِن قَوْلِ النّاسِ: بَرَّنِي فُلانٌ بِكَذا، وبِرُّ فُلانٍ لا يَنْقَطِعُ عَنِّي، وقالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنهم مَن قالَ: إنَّهُ نَفْسُ المالِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [العاديات: ٨]، ومِنهم مَن قالَ: أنْ تَكُونَ الهِبَةُ رَفِيعَةً جَيِّدَةً، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٦٧]، ومِنهم مَن قالَ: ما يَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإنسان: ٨] أحَدُ تَفاسِيرِ الحُبِّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحشر: ٩]، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أفْضَلُ الصَّدَقَةِ ما تَصَدَّقْتَ بِهِ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ العَيْشَ وتَخْشى الفَقْرَ“»، والأوْلى أنْ يُقالَ: كُلُّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ في بابِ الفَضْلِ وكَثْرَةِ الثَّوابِ.

* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ هَذا الإنْفاقَ، هَلْ هو الزَّكاةُ أوْ غَيْرُها ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِهِ الزَّكاةَ، يَعْنِي حَتّى تُخْرِجُوا زَكاةَ أمْوالِكم، وقالَ الحَسَنُ: كُلُّ شَيْءٍ أنْفَقَهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ طَلَبَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ فَإنَّهُ مِنَ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حَتّى التَّمْرَةَ، والقاضِي اخْتارَ القَوْلَ الأوَّلَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا الإنْفاقَ، وقَفَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَوْنَ المُكَلَّفِ مِنَ الأبْرارِ، والفَوْزَ بِالجَنَّةِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ هَذا الإنْفاقُ، لَمْ يَصِرِ العَبْدُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ، وما ذاكَ إلّا الإنْفاقُ الواجِبُ. وأقُولُ: لَوْ خَصَّصْنا الآيَةَ بِغَيْرِ الزَّكاةِ لَكانَ أوْلى؛ لِأنَّ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ الأحَبِّ، والزَّكاةَ الواجِبَةَ لَيْسَ فِيها إيتاءُ الأحَبِّ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلى المُزَكِّي أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ وأكْرَمَها، بَلِ الصَّحِيحُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ المالِ عَلى سَبِيلِ النَّدْبِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ؛ لِأنَّ إيجابَ الزَّكاةِ كَيْفَ يُنافِي التَّرْغِيبَ في بَذْلِ المَحْبُوبِ لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ بَعْضُهم كَلِمَةُ ”مِن“ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلتَّبْعِيضِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ“ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إنْفاقَ الكُلِّ لا يَجُوزُ، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٦٧]، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها لِلتَّبْيِينِ.

* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَفِيهِ سُؤالٌ:

وهُوَ أنْ يُقالَ: قِيلَ: فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ عَلى جِهَةِ جَوابِ الشَّرْطِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْلَمُهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَزاءِ، تَقْدِيرُهُ: وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ يُجازِيكم قَلَّ أمْ كَثُرَ؛ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، فَجَعَلَ كَوْنَهُ عالِمًا بِذَلِكَ الإنْفاقِ كِنايَةً عَنْ إعْطاءِ الثَّوابِ، والتَّعْرِيضُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ يَكُونُ أبْلَغَ مِنَ التَّصْرِيحِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الوَجْهَ الَّذِي لِأجْلِهِ يَفْعَلُونَهُ، ويَعْلَمُ أنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ أهْوَ الإخْلاصُ أمِ الرِّياءُ، ويَعْلَمُ أنَّكم تُنْفِقُونَ الأحَبَّ الأجْوَدَ، أمِ الأخَسَّ الأرْذَلَ.

واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٩٧]، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧٠]، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ”مِن“ في قَوْلِهِ: (مِن شَيْءٍ) لِتَبْيِينِ ما يُنْفِقُونَهُ أيْ مِن شَيْءٍ كانَ طَيِّبًا تُحِبُّونَهُ أوْ خَبِيثًا تَكْرَهُونَهُ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يُجازِيكم عَلى قَدْرِهِ.

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:92