All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Fāṭir 35:1 Juzʾ 22 Page 434

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

(سُورَةُ فاطِرٍ)
(أرْبَعُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)

﷽

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏

﷽

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ قَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعْمَةِ في أكْثَرِ الأمْرِ، ونِعَمُ اللَّهِ قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإيجادُ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٢] وقَوْلِهِ في الكَهْفِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الكهف: ١] إشارَةً إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإبْقاءُ، فَإنَّ البَقاءَ والصَّلاحَ بِالشَّرْعِ والكِتابِ، ولَوْلاهُ لَوَقَعَتِ المُنازَعَةُ والمُخاصَمَةُ بَيْنَ النّاسِ ولا يُفْصَلُ بَيْنَهم، فَكانَ يُفْضِي ذَلِكَ إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي، فَإنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها البَقاءُ العاجِلُ، وفي قَوْلِهِ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢] إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي بِالحَشْرِ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [سبأ: ٢] مِنَ الأجْسامِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سبأ: ٢] مِنَ الأرْواحِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [سبأ: ٢] وقَوْلِهِ عَنِ الكافِرِينَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [سبأ: ٣] وهَهُنا الحَمْدُ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: يَجْعَلُهم رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ مُبْدِعُها كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ شاقِّهِما لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَكُونُ المَلائِكَةُ رُسُلًا، وعَلى هَذا فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ وتَيَقُّنِهِ بِأنْ لا قَبُولَ لِتَوْبَتِهِ ولا فائِدَةَ لِقَوْلِهِ آمَنتُ. كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [سبأ: ٥٢] فَلَمّا ذَكَرَ حالَهم بَيَّنَ حالَ المُوقِنِ وبَشَّرَهُ بِإرْسالِهِ المَلائِكَةَ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَفْتَحُ لَهم أبْوابَ الرَّحْمَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أقَلُّ ما يَكُونُ لِذِي الجَناحِ أنْ يَكُونَ لَهُ جَناحانِ وما بَعْدَهُما زِيادَةٌ، وقالَ قَوْمٌ فِيهِ إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ فَهو تَحْتَ قُدْرَتِهِ ونِعْمَتِهِ، والمَلائِكَةُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وقالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] فَهُما جَناحانِ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ، فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ فِيهِ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وهو الَّذِي عَلَيْهِ إطْباقُ المُفَسِّرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّصَهُ وقالَ: المُرادُ الوَجْهُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: الصَّوْتُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ وصْفٍ مَحْمُودٍ، والأوْلى أنْ يُعَمَّمَ، ويُقالَ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ كامِلٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَيَزِيدُ ما يَشاءُ ويَنْقُصُ ما يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ يُقَرِّرُ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏.
لَمّا بَيَّنَ كَمالَ القُدْرَةِ ذَكَرَ بَيانَ نُفُوذِ المَشِيئَةِ ونَفاذِ الأمْرِ، وقالَ: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ، يَعْنِي إنْ رَحِمَ فَلا مانِعَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَرْحَمْ فَلا باعِثَ لَهُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: التَّقْدِيمُ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ فَتْحِ أبْوابِ الرَّحْمَةِ في الذِّكْرِ، وهو وإنْ كانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ الفَضْلِ.

وثانِيها: هو أنَّهُ أنَّثَ الكِنايَةَ في الأوَّلِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وجازَ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ أنْ يُقالَ لَهُ ويَكُونُ عائِدًا إلى ما، ولَكِنْ قالَ تَعالى: (لَها) لِيُعْلَمَ أنَّ المَفْتُوحَ أبْوابُ الرَّحْمَةِ ولا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ فَهي وصْلَةٌ إلى مَن رَحِمَتْهُ، وقالَ عِنْدَ الإمْساكِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ لَهُما فَما صَرَّحَ بِأنَّهُ لا مُرْسِلَ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لا يُرْسِلُ هو غَيْرُ الرَّحْمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ عامٌّ مِن غَيْرِ بَيانٍ وتَخْصِيصٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ مُبَيَّنٌ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ، فاسْتَثْنى هَهُنا وقالَ: لا مُرْسِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ فَنَزَلَ لَهُ مُرْسَلًا. وعِنْدَ الإمْساكِ قالَ: لا مُمْسِكَ لَها، ولَمْ يَقُلْ: غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ إذا جاءَتْ لا تَرْتَفِعُ فَإنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لا يُعَذِّبُهُ بَعْدَها هو ولا غَيْرُهُ، ومَن يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فَقَدْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ العَذابِ كالفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ.