All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Ṣād 38:11 Juzʾ 23 Page 453

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ "الْمَلَأُ" الْأَشْرَافُ، وَالِانْطِلَاقُ الذَّهَابُ بِسُرْعَةٍ، أَيِ انْطَلَقَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ "أَنِ امْشُوا" أَيِ امْضُوا على ما كنتم عليه وما لا تَدْخُلُوا فِي دِينِهِ. "وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ". وَقِيلَ: هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى مَشْيِهِمْ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فِي مَرَضِهِ كَمَا سَبَقَ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَشَيْبَةُ وَعُتْبَةُ أَبْنَاءُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَأَبُو مُعَيْطٍ، وَجَاءُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا وَأَنْصَفُنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَاكْفِنَا أَمْرَ ابْنِ أَخِيكَ وَسُفَهَاءَ مَعَهُ، فَقَدْ تَرَكُوا آلِهَتَنَا وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا، فَأَرْسَلَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ يَدْعُونَكَ إِلَى السَّوَاءِ وَالنَّصَفَةِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّمَا أَدْعُوهُمْ إِلَى كلمة واحدة" فال أَبُو جَهْلٍ وَعَشْرًا. قَالَ: "تَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَقَامُوا وَقَالُوا: "أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً" الْآيَاتِ. "أَنِ امْشُوا" "أَنْ" فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالْمَعْنَى بِأَنِ امْشُوا. وَقِيلَ: "أَنْ بِمَعْنَى أَيْ، أَيْ" وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ "أَيِ امْشُوا، وَهَذَا تَفْسِيرُ انْطِلَاقِهِمْ لَا أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِهَذَا اللَّفْظِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى انْطَلَقَ الْأَشْرَافُ مِنْهُمْ فَقَالُوا لِلْعَوَامِّ:" امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ "أَيْ عَلَى عِبَادَةِ آلِهَتِكُمْ." إِنَّ هَذَا "أَيْ هَذَا الَّذِي جاء به محمد عليه السلام" لَشَيْءٌ يُرادُ "أَيْ يُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ زَوَالِ نعم قوم وغير تنزل بهم. وقيل:" إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ" كَلِمَةُ تَحْذِيرٍ، أَيْ إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ بِمَا يَقُولُ الِانْقِيَادَ لَهُ لِيَعْلُوَ عَلَيْنَا، وَنَكُونَ لَهُ أَتْبَاعًا فَيَتَحَكَّمَ فِينَا بِمَا يُرِيدُ، فَاحْذَرُوا أَنْ تُطِيعُوهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ عُمَرَ لَمَّا أَسْلَمَ وَقَوِيَ بِهِ الْإِسْلَامُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: إِنَّ إِسْلَامَ عُمَرَ فِي قُوَّةِ الْإِسْلَامِ لَشَيْءٌ يُرَادُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْقُرَظِيُّ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: يَعْنُونَ مِلَّةَ عِيسَى النَّصْرَانِيَّةَ وَهِيَ آخِرُ الْمِلَلِ. وَالنَّصَارَى يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ أَيْضًا: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَقِيلَ: أَيْ مَا سَمِعْنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ حَقٌّ. "إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ" أَيْ كَذِبٌ وَتَخَرُّصٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ. يُقَالُ: خَلَقَ وَاخْتَلَقَ أَيِ ابْتَدَعَ، وَخَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ مِنْ هَذَا، أَيِ ابْتَدَعَهُمْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَالذِّكْرُ ها هنا الْقُرْآنُ. أَنْكَرُوا اخْتِصَاصَهُ بِالْوَحْيِ مِنْ بَيْنِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي" أَيْ مِنْ وَحْيِي وَهُوَ الْقُرْآنُ أَيْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ لَمْ تَزَلْ صَدُوقًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا شَكُّوا فِيمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَيْكَ هَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِي أَمْ لَا. "بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ" أَيْ إِنَّمَا اغْتَرُّوا بِطُولِ الْإِمْهَالِ، وَلَوْ ذَاقُوا عَذَابِي عَلَى الشِّرْكِ لَزَالَ عَنْهُمُ الشَّكُّ، وَلَمَا قَالُوا ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَا يَنْفَعُ الْإِيمَانُ حِينَئِذٍ. وَ "لَمَّا" بِمَعْنَى لَمْ وَمَا زائدة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] وقوله ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قِيلَ: أَمْ لَهُمْ هَذَا فَيَمْنَعُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ النُّبُوَّةِ. وَ "أَمْ" قد ترد بمعنى التقريع إذا كالكلام مُتَّصِلًا بِكَلَامٍ قَبْلَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣ - ١] وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ: "أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ" متصل بقول: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ص: ٤] فَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرْسِلُ مَنْ يشاء، لأن خزائن السموات وَالْأَرْضِ لَهُ. "أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما" أَيْ فَإِنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ "فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ" أي فليصعدوا إلى السموات، وَلْيَمْنَعُوا الْمَلَائِكَةَ مِنْ إِنْزَالِ الْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ. يُقَالُ: رَقِيَ يَرْقَى وَارْتَقَى إِذَا صَعِدَ. وَرَقَى يَرْقِي رَقْيًا مِثْلَ رَمَى يَرْمِي رَمْيًا مِنَ الرُّقْيَةِ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْأَسْبَابُ أَرَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ وَلَكِنْ لَا تُرَى. وَالسَّبَبُ فِي اللُّغَةِ كُلُّ مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ حَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. وقيل: الأسباب أبواب السموات الَّتِي تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهَا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ. قَالَ زُهَيْرٌ:

وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ صدر البيت:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنه

وقيل: الأسباب السموات نَفْسُهَا، أَيْ فَلْيَصْعَدُوا سَمَاءً سَمَاءً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: "فِي الْأَسْبابِ" فِي الْفَضْلِ وَالدِّينِ. وَقِيلَ: أَيْ فَلْيُعْلُوا فِي أَسْبَابِ الْقُوَّةِ إِنْ ظَنُّوا أَنَّهَا مَانِعَةٌ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي

عُبَيْدَةَ. وَقِيلَ: الْأَسْبَابُ الْحِبَالُ، يَعْنِي إِنْ وَجَدُوا حَبْلًا أَوْ سَبَبًا يَصْعَدُونَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ فَلْيَرْتَقُوا، وَهَذَا أمر توبيخ وتعجيز. وعد نبيه صلى النَّصْرَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: "جُنْدٌ مَا هُنالِكَ" "مَا" صِلَةٌ وَتَقْدِيرُهُ هُمْ جُنْدٌ، فَ "جُنْدٌ" خَبَرُ ابتدا مَحْذُوفٍ. "مَهْزُومٌ" أَيْ مَقْمُوعٌ ذَلِيلٌ قَدِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى أَنْ يَقُولُوا هذا لنا. ويقال: هزمت الْقِرْبَةُ إِذَا انْكَسَرَتْ، وَهَزَمْتُ الْجَيْشَ كَسَرْتُهُ. وَالْكَلَامُ مُرْتَبِطٌ بِمَا قَبْلَ، أَيْ "بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ" وَهُمْ جُنْدٌ مِنَ الْأَحْزَابِ مَهْزُومُونَ، فَلَا تَغُمَّكَ عِزَّتُهُمْ وَشِقَاقُهُمْ، فَإِنِّي أَهْزِمُ جَمْعَهُمْ وَأَسْلُبُ عِزَّهُمْ. وَهَذَا تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ فَعَلَ بِهِمْ هَذَا فِي يَوْمِ بَدْرٍ. قَالَ قَتَادَةُ: وَعَدَ اللَّهُ أنه سيهزمهم وهم بما فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يَوْمَ بَدْرٍ. وَ "هُنالِكَ" إِشَارَةٌ لِبَدْرٍ وَهُوَ مَوْضِعُ تَحَزُّبِهِمْ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَحْزَابِ الَّذِينَ أتوا المدينة وتحزبوا على النبي صلى اله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي "الْأَحْزَابِ" راجع ج ١٤ ص ١٢٨ وما تعدها طبعه أو ثانية.. وَالْأَحْزَابُ الْجُنْدُ، كَمَا يُقَالُ: جُنْدٌ مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى. وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَحْزَابِ الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ مِنَ الْكُفَّارِ أَيْ هَؤُلَاءِ جُنْدٌ عَلَى طَرِيقَةِ أُولَئِكَ، كقوله تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ [البقرة: ٢٤٩] أَيْ عَلَى دِينِي وَمَذْهَبِي. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى هُمْ جُنْدٌ مَغْلُوبٌ، أَيْ مَمْنُوعٌ عَنْ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُمْ جُنْدٌ لِهَذِهِ الْآلِهَةِ مَهْزُومٌ، فَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَدَّعُوا لِشَيْءٍ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَلَا لِأَنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا من ملك السموات والأرض."

The same ayah, in another commentary

Ṣād 38:11