All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Ar-Raḥmān 55:65 Juzʾ 27 Page 533

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So which of the favors of your Lord would you deny?

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أَيْ وَلَهُ مِنْ دُونِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ جَنَّتَانِ أُخْرَيَانِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمِنْ دُونِهِمَا فِي الدَّرَجِ. ابْنُ زَيْدٍ: وَمِنْ دُونِهِمَا فِي الْفَضْلِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْجَنَّاتُ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، فَيَكُونُ فِي الْأُولَيَيْنِ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ الزَّرْعُ وَالنَّبَاتُ وَمَا انْبَسَطَ. الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) لِأَتْبَاعِهِ لِقُصُورِ مَنْزِلَتِهِمْ عَنْ مَنْزِلَتِهِ، إِحْدَاهُمَا لِلْحُورِ الْعِينِ، وَالْأُخْرَى لِلْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ، لِيَتَمَيَّزَ بِهِمَا الذُّكُورُ عَنِ الْإِنَاثِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هِيَ أَرْبَعٌ: جَنَّتَانِ مِنْهَا لِلسَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) وَ (عَيْنانِ تَجْرِيانِ)، وَجَنَّتَانِ لِأَصْحَابِ اليمين (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) وِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ)

. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّ الْأُولَيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ وَرِقٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. قُلْتُ: إِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي كِتَابِ (مِنْهَاجِ الدِّينِ لَهُ)، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) إِلَى قَوْلِهِ: (مُدْهامَّتانِ) قَالَ: تَانِكَ لِلْمُقَرَّبِينَ، وَهَاتَانِ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ نَحْوُهُ. وَلَمَّا وَصَفَ اللَّهُ الْجَنَّتَيْنِ أَشَارَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ: (فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ)، وفي الأخريين: ِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ) أَيْ فَوَّارَتَانِ وَلَكِنَّهُمَا لَيْسَتَا كَالْجَارِيَتَيْنِ لِأَنَّ النَّضْخَ دُونَ الْجَرْيِ. وَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ: (فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ) فَعَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ. وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) ولم يقل كُلِّ فَاكِهَةٍ، وَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ: (مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) وَهُوَ الدِّيبَاجُ، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ) وَالْعَبْقَرِيُّ الْوَشْيُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الدِّيبَاجَ أَعْلَى مِنَ الْوَشْيِ، وَالرَّفْرَفُ كِسَرُ الْخِبَاءِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفُرُشَ الْمُعَدَّةَ لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ فَضْلِ الْخِبَاءِ. وَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ فِي صِفَةِ الْحُورِ: (كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ)، وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ (فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ) وَلَيْسَ كُلُّ حُسْنٍ كَحُسْنِ الْيَاقُوتِ وَالْمَرْجَانِ. وَقَالَ فِي الْأُولَيَيْنِ: (ذَواتا أَفْنانٍ) وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ (مُدْهامَّتانِ) أَيْ خَضْرَاوَانِ كَأَنَّهُمَا مِنْ شِدَّةِ خُضْرَتِهِمَا سَوْدَاوَانِ، وَوَصَفَ الْأُولَيَيْنِ بِكَثْرَةِ الْأَغْصَانِ، وَالْأُخْرَيَيْنِ بِالْخُضْرَةِ وَحْدَهَا، وَفِي هَذَا كُلِّهِ تَحْقِيقٌ لِلْمَعْنَى الَّذِي قَصَدْنَا بِقَوْلِهِ (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) وَلَعَلَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ مِنْ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يَذْكُرْ أَهْلَ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ؟ قِيلَ: الْجِنَانُ الْأَرْبَعُ لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ إِلَّا أَنَّ الْخَائِفِينَ لَهُمْ مَرَاتِبُ، فَالْجَنَّتَانِ الْأُولَيَانِ لِأَعْلَى الْعِبَادِ رُتْبَةً فِي الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجَنَّتَانِ الْأُخْرَيَانِ لِمَنْ قَصَرَتْ حَالُهُ فِي الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَذْهَبُ الضَّحَّاكِ أَنَّ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَالْأُخْرَيَيْنِ مِنْ يَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، وَقَوْلُهُ: (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) أَيْ وَمِنْ أَمَامِهِمَا وَمِنْ قَبْلِهِمَا. وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ) فَقَالَ: وَمَعْنَى (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) أَيْ دُونَ هَذَا إِلَى الْعَرْشِ، أَيْ أَقْرَبَ وَأَدْنَى إِلَى الْعَرْشِ، وَأَخَذَ يُفَضِّلُهُمَا عَلَى الْأُولَيَيْنِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ عَنْهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الْجَنَّتَانِ الْأُولَيَانِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَجَنَّةُ النَّعِيمِ، وَالْأُخْرَيَانِ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ وَجَنَّةُ الْمَأْوَى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ أي خضروان مِنَ الرِّيِّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْوَدَّتَانِ. وَالدُّهْمَةُ فِي اللُّغَةِ السَّوَادُ، يُقَالُ: فَرَسٌ أَدْهَمُ وَبَعِيرٌ أَدْهَمُ وَنَاقَةٌ دَهْمَاءُ أَيِ اشتدت زرقته حتى ذهب الْبَيَاضَ الَّذِي فِيهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اشْتَدَّ السَّوَادُ فَهُوَ جَوْنٌ. وَادْهَمَّ الْفَرَسُ ادْهِمَامًا أَيْ صَارَ أَدْهَمَ. وَادْهَامَّ الشَّيْءُ ادْهِيمَامًا أَيِ اسْوَادَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مُدْهامَّتانِ) أَيْ سَوْدَاوَانِ مِنْ شِدَّةِ الْخُضْرَةِ مِنَ الرَّيِّ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ أَخْضَرَ أَسْوَدُ. وَقَالَ لَبِيَدٌ يَرْثِي قَتْلَى هَوَازِنَ:

وَجَاءُوا وجاءوا به: يعنى قتادة بن مسلمة الحنفي. بِهِ فِي هَوْدَجٍ وَوَرَاءَهُ ... كَتَائِبُ خُضْرٌ فِي نَسِيجِ السَّنَوَّرِ

السَّنَوَّرُ لَبُوسٌ مِنْ قِدٍّ كَالدِّرْعِ. وَسُمِّيَتْ قُرَى الْعِرَاقِ سَوَادًا لِكَثْرَةِ خُضْرَتِهَا. وَيُقَالُ لِلَّيْلِ الْمُظْلِمِ: أَخْضَرُ. وَيُقَالُ: أَبَادَ اللَّهُ خَضْرَاءَهُمْ أَيْ سوادهم.

The same ayah, in another commentary

Ar-Raḥmān 55:65