All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

At-Takwīr 81:29 Juzʾ 30 Page 586

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And you do not will except that Allah wills - Lord of the worlds.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أَيْ رَأَى جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أَيْ بِمَطْلِعِ الشَّمْسِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، لِأَنَّ هَذَا الْأُفُقَ إِذَا كَانَ مِنْهُ تَطْلُعُ الشَّمْسِ فَهُوَ مُبِينٌ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ تُرَى الْأَشْيَاءُ. وَقِيلَ: الْأُفُقُ الْمُبِينُ: أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَنَوَاحِيهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ ... لَنَا قَمَرَاهَا وَالنُّجُومُ الطَّوَالِعُ

الْمَاوَرْدِيُّ: فَعَلَى هَذَا، فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ أَحَدُهَا: أَنَّهُ رَآهُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ الشَّرْقِيِّ، قَالَهُ سُفْيَانُ. الثَّانِي: فِي أُفُقِ السَّمَاءِ الْغَرْبِيِّ، حَكَاهُ ابْنُ شَجَرَةَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ رَآهُ نَحْوَ أَجْيَادٍ، وَهُوَ مَشْرِقُ مَكَّةَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِجِبْرِيلَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ فِي صُورَتِكَ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا فِي السَّمَاءِ" قَالَ: لَنْ تَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: "بَلَى" قَالَ: فَأَيْنَ تَشَاءُ أَنْ أَتَخَيَّلَ لَكَ؟ قَالَ: "بِالْأَبْطَحِ" قَالَ: لَا يَسْعُنِي. قَالَ: "فَبِمِنًى" قَالَ: لَا يَسْعُنِي. قَالَ: "فَبِعَرَفَاتٍ" قال: ذلك بالحري أن يسعني. قواعده فخرج النبي ﷺ لِلْوَقْتِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ بِخَشْخَشَةٍ وَكَلْكَلَةٍ مِنْ جِبَالِ عَرَفَاتٍ، قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَتَحَوَّلَ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ، وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَا تَخَفْ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَيْتَ إِسْرَافِيلَ وَرَأْسُهُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، وَإِنَّ الْعَرْشَ عَلَى كَاهِلِهِ، وَإِنَّهُ لَيَتَضَاءَلُ أَحْيَانًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْوَصَعِ في (اللسان: وصع) الوصع: هو العصفور الصغير. - يَعْنِي الْعُصْفُورَ- حَتَّى مَا يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ إِلَّا عَظَمَتُهُ. وقيل: إن محمدا عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي "وَالنَّجْمِ" راجع ج ١٧ ص ٩٤ وقول ابن مسعود هناك هو: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى جبريل والذي قال بأنه رأى ربه هو ابن عباس رضى الله عنهما. مُسْتَوْفًى، فَتَأَمَّلْهُ هُنَاكَ. وَفِي الْمُبِينِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صِفَةُ الْأُفُقِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ. الثَّانِي أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَنْ رَآهُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.

(وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ): بِالظَّاءِ، قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ، أَيْ بِمُتَّهَمٍ، وَالظِّنَّةُ التُّهْمَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

أَمَا وكتاب الله لا عن سناءه ... هُجِرْتُ وَلَكِنَّ الظَّنِينَ ظَنِينُ

وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَخِّلُوهُ وَلَكِنْ كَذَّبُوهُ، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: مَا هُوَ بِكَذَا، وَلَا يَقُولُونَ: مَا هُوَ عَلَى كَذَا، إِنَّمَا يَقُولُونَ: مَا أَنْتَ عَلَى هَذَا بِمُتَّهَمٍ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَنِينٍ بِالضَّادِ: أَيْ بِبَخِيلٍ مِنْ ضَنِنْتُ بِالشَّيْءِ أَضَنُّ ضَنًّا [فَهُوَ] ضَنِينٌ. فَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَا يَضَنُّ عَلَيْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ، بَلْ يُعَلِّمُ الْخَلْقَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَحْكَامَهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:

أَجُودُ بِمَكْنُونِ الْحَدِيثِ وَإِنَّنِي ... بِسِرِّكَ عَمَّنْ سَالَنِي لَضَنِينُ

وَالْغَيْبُ: الْقُرْآنُ وَخَبَرُ السَّمَاءِ. ثُمَّ هَذَا صِفَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: صِفَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: بِظَنِينٍ: بِضَعِيفٍ. حَكَاهُ الْفَرَّاءُ وَالْمُبَرِّدُ، يُقَالُ: رَجُلٌ ظَنِينٌ: أَيْ ضَعِيفٌ. وَبِئْرٌ ظَنُونٌ: إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ، قَالَ الْأَعْشَى:

مَا جُعِلَ الْجُدُّ الجد: البئر تكون في موضع كثير الكلا. الفراتي: المنسوب إلى الفرات. والبوصى: ضرب من سفن البحر والملاح أيضا. والماهر: السابح. الظَّنُونُ الَّذِي ... جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الْمَاطِرِ

مِثْلَ الْفُرَاتِيِّ إِذَا مَا طَمَا ... يَقْذِفُ بِالْبُوصِيِّ وَالْمَاهِرِ

وَالظَّنُونُ: الدَّيْنُ الَّذِي لَا يُدْرَى أَيَقْضِيهِ آخِذُهُ أَمْ لَا؟ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الدَّيْنُ الظَّنُونُ، قَالَ: يُزَكِّيهِ لَمَّا مَضَى إِذَا قَبَضَهُ إِنْ كَانَ صَادِقًا. وَالظَّنُونُ: الرَّجُلُ السَّيِّئُ الْخُلُقِ، فَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ.

(وَما هُوَ) يَعْنِي الْقُرْآنَ (بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) أَيْ مَرْجُومٍ مَلْعُونٍ، كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ. قَالَ عطاء: يريد بالشيطان الأبيض الذي كان يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فِي صُورَةِ جِبْرِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَفْتِنَهُ.

(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) قَالَ قَتَادَةُ: فَإِلَى أَيْنَ تَعْدِلُونَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ وَعَنْ طَاعَتِهِ. كَذَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ، أَيْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ عَنْ كِتَابِي وَطَاعَتِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فَأَيُّ طَرِيقَةٍ تَسْلُكُونَ أَبَيْنُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكُمْ. وَيُقَالُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ وَإِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ وَحَكَى الْفَرَّاءُ عَنِ الْعَرَبِ: ذَهَبْتُ الشَّامَ وَخَرَجْتُ الْعِرَاقَ وَانْطَلَقْتُ السُّوقَ: أَيْ إِلَيْهَا. قَالَ: سَمِعْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ الثَّلَاثَةِ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ بَنِي عُقَيْلٍ:

تَصِيحُ بِنَا حَنِيفَةُ إِذْ رَأَتْنَا ... وَأَيُّ الْأَرْضِ تَذْهَبُ بِالصِّيَاحِ

يُرِيدُ إِلَى أَيِّ أَرْضٍ تَذْهَبُ، فَحَذَفَ إِلَى. وَقَالَ الْجُنَيْدُ: مَعْنَى الْآيَةِ مَقْرُونٌ بِآيَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: ٢١] الْمَعْنَى: أَيُّ طَرِيقٍ تَسْلُكُونَ أَبَيْنُ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ لَكُمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ.

(إِنْ هُوَ) يَعْنِي الْقُرْآنَ (إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ) أي موعظة وزجر. وإِنْ بِمَعْنَى "مَا". وَقِيلَ: مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا ذِكْرٌ.

(لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) أَيْ يَتَّبِعَ الْحَقَّ وَيُقِيمَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: لَمَّا نَزَلَتْ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: الْأَمْرُ إِلَيْنَا، إِنْ شِئْنَا اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَسْتَقِمْ- وَهَذَا هُوَ الْقَدَرُ، وَهُوَ رَأْسُ الْقَدَرِيَّةِ- فَنَزَلَتْ: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، فَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ الْعَبْدُ خَيْرًا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَلَا شَرًّا إِلَّا بِخِذْلَانِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا شَاءَتِ الْعَرَبُ الْإِسْلَامَ حَتَّى شَاءَهُ اللَّهُ لَهَا. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قَرَأْتُ فِي سَبْعَةٍ في تفسير الثعلبي: بضعة وثمانين. وَثَمَانِينَ كِتَابًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ: مَنْ جَعَلَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَشِيئَةِ فَقَدْ كَفَرَ. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الانعام: ١١١]. وَقَالَ تَعَالَى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [يونس: ١٠٠]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] وَالْآيُ فِي هَذَا كَثِيرٌ، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هَدَى بِالْإِسْلَامِ، وَأَضَلَّ بِالْكُفْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. خُتِمَتِ السُّورَةُ وَالْحَمْدُ لله.

The same ayah, in another commentary

At-Takwīr 81:29