All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Al-Layl 92:5 Juzʾ 30 Page 595

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

As for he who gives and fears Allah

Read in the muṣḥaf

فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَهُ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ. فَرُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ عَجَائِزَ وَنِسَاءَ، قَالَ: فقال له أبوه قحافة: أي بني! لو أنك أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ مَعَكَ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ كذا في كتاب أسباب النزول وروح المعاني. وفي نسخ الأصل: (ما يريد). وفي تفسير الثعلبي ورواية أخرى في أسباب النزول: (لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك قال: منع ظهري أريد).. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى أَيْ بَذَلَ. وَاتَّقى أَيْ مَحَارِمَ اللَّهِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى أَيْ بِالْخُلْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَطَائِهِ. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا (. وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتِهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْقُ اللَّهِ كُلُّهمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى ... الْآيَاتِ. وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى الْمُعْسِرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَعْطَى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَعْطَى الصِّدْقَ مِنْ قَلْبِهِ.

(وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) أَيْ بِلَا إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالسُّلَمِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْجَنَّةِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ آية ٢٦ سورة يونس. ... [يونس: ٢٦] الْآيَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَهُ أَنْ يُثِيبَهُ. زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ. الْحَسَنُ: بِالْخُلْفِ مِنْ عَطَائِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ. وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، إِذْ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى الثَّوَابِ الَّذِي هُوَ الْجَنَّةِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أَيْ نُرْشِدُهُ لِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: لِلْيُسْرى لِلْجَنَّةِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ، فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ، وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: [مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا] قَدْ [كُتِبَ مَدْخَلُهَا [فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا؟ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَانْهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشقاء فإنه يعمل للشقاء. قال: [بل

اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَإِنَّهُ يُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاءِ- ثُمَّ قَرَأَ- فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ. وَقَالَ فِيهِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَسَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا: العمل فيه جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ؟ أَمْ في شي يُسْتَأْنَفُ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: [بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ [قَالَا: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: [اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ [قَالَا: فَالْآنَ نَجِدُّ وَنَعْمَلُ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أَيْ ضَنَّ بِمَا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْذُلْ خَيْرًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَثَمَرَتُهُ فِي الدُّنْيَا فِي سُورَةِ "آلِ عِمْرَانَ" راجع ج ٤ ص (٢٩١). وَفِي الْآخِرَةِ مَآلُهُ النَّارُ، كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى قَالَ: سَوْفَ أَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. وَعَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى يَقُولُ: بَخِلَ بِمَالِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبِّهِ.

(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى) أَيْ بِالْخُلْفِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى قَالَ: بِالْجَنَّةِ. وَبِإِسْنَادٍ عَنْهُ آخَرَ قَالَ بِالْحُسْنى أَيْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَسَنُيَسِّرُهُ أَيْ نَسْهُلُ طَرِيقَهُ ... لِلْعُسْرى أَيْ لِلشَّرِّ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لِلنَّارِ. وَقِيلَ: أَيْ فَسَنُعَسِّرُ عَلَيْهِ أَسْبَابَ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ حَتَّى يَصْعُبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَلَكَ يُنَادِي صَبَاحًا وَمَسَاءً: [اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا [. رَوَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وبقوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ آية ٣ سورة البقرة. [البقرة: ٣]، وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً آية ٢٧٤ سورة البقرة. [البقرة: ٢٧٤] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ- أَنَّ الْجُودَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْبُخْلَ مِنْ أَرْذَلِهَا. وَلَيْسَ الْجَوَادُ الَّذِي يُعْطِي فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْعَطَاءِ، وَلَا الْبَخِيلَ الَّذِي يَمْنَعُ فِي مَوْضِعِ الْمَنْعِ، لَكِنَّ الْجَوَادَ الَّذِي يُعْطِي فِي مَوْضِعِ الْعَطَاءِ، والبخيل

الَّذِي يَمْنَعُ فِي مَوْضِعِ الْعَطَاءِ، فَكُلُّ مَنِ اسْتَفَادَ بِمَا يُعْطِي أَجْرًا وَحَمْدًا فَهُوَ الْجَوَادُ. وَكُلُّ مَنِ اسْتَحَقَّ بِالْمَنْعِ ذَمًّا أَوْ عِقَابًا فَهُوَ الْبَخِيلُ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالْعَطَاءِ أَجْرًا وَلَا حَمْدًا، وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبَ بِهِ ذَمًّا فَلَيْسَ بجواد، وإنما هو مسوف مَذْمُومٌ، وَهُوَ مِنَ الْمُبَذِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ، وَأَوْجَبَ الْحَجْرَ عَلَيْهِمْ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ بِالْمَنْعِ عِقَابًا وَلَا ذَمًّا، وَاسْتَوْجَبَ بِهِ حَمْدًا، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الرُّشْدُ، الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْقِيَامَ عَلَى أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ، بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِمْ وَسَدَادِ رَأْيِهِمْ. الرَّابِعَةُ- قَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُ الْقَائِلُ: كَيْفَ قَالَ: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى؟ وَهَلْ فِي الْعُسْرَى تَيْسِيرٌ؟ فَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ: هَذَا فِي إِجَازَتِهِ بِمَنْزِلَةِ قوله عز وجل: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آية ٢١ سورة آل عمران. [آل عمران: ٢١]، وَالْبِشَارَةُ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْمُفْرِحِ وَالسَّارِّ، فَإِذَا جُمِعَ فِي كَلَامَيْنِ هَذَا خَيْرٌ وَهَذَا شَرٌّ، جَاءَتِ الْبِشَارَةُ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ التَّيْسِيرُ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْمُفْرِحِ، فَإِذَا جُمِعَ فِي كَلَامَيْنِ هَذَا خَيْرٌ وَهَذَا شَرٌّ، جَاءَ التَّيْسِيرُ فِيهِمَا جَمِيعًا. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَنُيَسِّرُهُ: سَنُهَيِّئُهُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الْغَنَمُ: إِذَا وَلَدَتْ أَوْ تهيأت للولادة. قال:

هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وَإِنَّمَا ... يَسُودَانِنَا أَنْ يَسَّرَتْ غنماهما البيت لابي سيدة الدبيري. وقبله.

إِنَّ لَنَا شَيْخَيْنِ لَا يَنْفَعَانِنَا ... غَنِيَّيْنِ لَا يجدي علينا غناهما

The same ayah, in another commentary

Al-Layl 92:5