القول في تأويل قوله: ﴿ ﴾
قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: ﴿ ﴾ ، وهم العادلون بالله الأوثان والأصنام من مشركي قريش= ﴿ ﴾ ، يقول: قالوا احتجازًا من الإذعان للحق بالباطل من الحجة، لما تبين لهم الحق، وعلموا باطل ما كانوا عليه مقيمين من شركهم، وتحريمهم ما كانوا يحرّمون من الحروث والأنعام، على ما قد بيَّن تعالى ذكره في الآيات الماضية قبل ذلك: ﴿ ﴾ ، وما بعد ذلك: لو أراد الله منا الإيمان به، وإفراده بالعبادة دون الأوثان والآلهة، وتحليل ما حرم من البحائر والسوائب وغير ذلك من أموالنا، ما جعلنا لله شريكًا، ولا جعل ذلك له آباؤنا من قبلنا، ولا حرمنا ما نحرمه من هذه الأشياء التي نحن على تحريمها مقيمون، لأنه قادر على أن يحول بيننا وبين ذلك، حتى لا يكون لنا إلى فعل شيء من ذلك سبيل: إما بأن يضطرنا إلى الإيمان وترك الشرك به، وإلى القول بتحليل ما حرمنا= وأما بأن يلطف بنا بتوفيقه، فنصير إلى الإقرار بوحدانيته، وترك عبادة ما دونه من الأنداد والأصنام، وإلى تحليل ما حرمنا، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأوثان والأصنام، واتخاذ الشريك له في العبادة والأنداد، وأراد ما نحرّم من الحروث والأنعام، فلم يَحُلْ بيننا وبين ما نحن عليه من ذلك.
قال الله مكذبًا لهم في قيلهم:"إن الله رضي منا ما نحن عليه من الشرك، وتحريم ما نحرّم"= ورادًّا عليهم باطلَ ما احتجوا به من حجتهم في ذلك= ﴿ ﴾ ، يقول: كما كذب هؤلاء المشركون، يا محمد، ما جئتهم به من الحق والبيان، كذب من قبلهم من فسقة الأمم الذين طَغَوا على ربهم ما جاءتهم به أنبياؤهم من آيات الله وواضح حججه، وردُّوا عليهم نصائحهم = ﴿ ﴾ ، يقول: حتى أسخطونا فغضبنا عليهم، فأحللنا بهم بأسنا فذاقوه، فعطبوا بذوقهم إياه، فخابوا وخسروا الدنيا والآخرة. انظر تفسير ((ذاق)) فيما سلف: ١١: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك. يقول: وهؤلاء الآخرون مسلوك بهم سبيلهم، إن هم لم ينيبوا فيؤمنوا ويصدقوا بما جئتهم به من عند ربهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك:
١٤١٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ ﴾ ، وقال: ﴿ ﴾ ، ثم قال: ﴿ ﴾ ، فإنهم قالوا:"عبادتنا الآلهة تقرّبنا إلى الله زلفى"، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: ﴿ ﴾ ، يقول الله سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.
١٤١٣٠- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ ﴾ ، قال: قول قريش= يعني: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة.
١٤١٣١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿ ﴾ ، قولُ قريش بغير يقين: إن الله حرّم هذه البحيرة والسائبة.
فإن قال قائل: وما برهانك على أن الله تعالى إنما كذب من قيل هؤلاء المشركين قولهم:"رضي الله منا عبادة الأوثان، وارأد منا تحريم ما حرمنا من الحروث والأنعام"، دون أن يكون تكذيبه إياهم كان على قولهم: ﴿ ﴾ ، وعلى وصفهم إياه بأنه قد شاء شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما كانوا يحرمون؟
قيل له: الدلالة على ذلك قوله: ﴿ ﴾ ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم سلكوا في تكذيبهم نبيهم محمدًا ﷺ فيما آتاهم به من عند الله = من النهي عن عبادة شيء غير الله تعالى ذكره، وتحريم غير ما حرّم الله في كتابه وعلى لسان رسوله = مسلكَ أسلافهم من الأمم الخالية المكذبة اللهَ ورسولَه. والتكذيبُ منهم إنما كان لمكذَّب، ولو كان ذلك خبرًا من الله عن كذبهم في قيلهم: ﴿ ﴾ ، لقال:"كذلك كذَبَ الذين من قبلهم"، بتخفيف"الذال"، وكان ينسبهم في قيلهم ذلك إلى الكذب على الله، لا إلى التكذيب = مع علل كثيرة يطول بذكرها الكتاب، وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه.
القول في تأويل قوله: ﴿ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: قل، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، المحرِّمين ما هم له محرِّمون من الحُروث والأنعام، القائلين: ﴿ ﴾ ، ولكنه رضي منا ما نحن عليه من الشرك وتحريم ما نحرم:"هل عندكم"، = بدعواكم ما تدعون على الله من رضاه بإشراككم في عبادته ما تشركون، وتحريمكم من أموالكم ما تحرمون = علمُ يقينٍ من خبر مَنْ يقطع خبره العذر، أو حجة توجب لنا اليقين، من العلم ="فتخرجوه لنا"، يقول: فتظهروا ذلك لنا وتبينوه، كما بينا لكم مواضع خطأ قولكم وفعلكم، وتناقض ذلك واستحالته في المعقول والمسموع انظر تفسير ((الإخراج)) فيما سلف ٢: ٢٢٨. = ﴿ ﴾ ، يقولُ له: قل لهم: إن تقولون ما تقولون، أيها المشركون، وتعبدون من الأوثان والأصنام ما تعبدون، وتحرمون من الحروث والأنعام ما تحرّمون، إلا ظنًّا وحسبانًا أنه حق، وأنكم على حق، وهو باطلٌ، وأنتم على باطل = ﴿ ﴾ ، يقول:"وإن أنتم"، وما أنتم في ذلك كله ="إلا تخرصون"، يقول: إلا تتقوّلون الباطل على الله، ظنًّا بغير يقين علم ولا برهان واضح. انظر تفسير ((التخرص)) فيما سلف ص ٦٥.