All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction, at length.

Al-Ḥāqqah 69:13 Juzʾ 29 Page 567

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Then when the Horn is blown with one blast

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في اللَّيالِي والأيّامِ، أوْ في دِيارِهِمْ، أوْ في مَهابِّ الرِّيحِ. احْتِمالاتٌ أظْهَرُها الأوَّلُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ومُصَرَّحٌ بِهِ. وقَرَأ أبُو نَهيِكٍ: أعْجُزٌ، عَلى وزْنٍ أفْعُلٍ، كَضَبْعٍ وأضْبُعٍ. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ قُرِئَ: (نَخِيلٍ خاوِيَةٍ) خَلَتْ أعْجازُها بِلًى وفَسادًا. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَسْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فَصارُوا كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: خَلَتْ أبْدانُهم مِن أرْواحِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا في سَبْعَةِ أيّامٍ في عَذابٍ، ثُمَّ في الثّامِنِ ماتُوا وألْقَتْهُمُ الرِّيحُ في البَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن باقٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ أيْضًا: مِن فِئَةٍ باقِيَةٍ. وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏: مِن بَقاءٍ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ، والنَّحْوِيّانِ: (ومَن قِبَلَهُ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، وتَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ أيْ: فِيما يَلِيكَ مِنَ المَكانِ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ قِبَلَكَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ عِنْدَكَ وفي جِهَتِكَ وما يَلِيكَ بِأيِّ وجْهٍ ولِيَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسُّلَمِيُّ: ومَن قَبْلَهُ ظَرْفُ زَمانٍ أيِ: الأُمَمُ الكافِرَةُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن حَدِيثِهِ بَعْدَ هَذا.

﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الحَسَنُ هُنا: (والمُؤْتَفِكَةُ) عَلى الإفْرادِ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالفِعْلَةِ أوِ الفِعْلاتِ الخاطِئَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ بِالخَطَأِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (p-٣٢٢)(رَسُولَ) جِنْسٌ، وهو مَن جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ - تَعالى - كَـ مُوسى ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو رَسُولِ المُؤْتَفِكاتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى الأسْبَقِ وهو رَسُولُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ: نامِيَةً. قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةً، يُرِيدُ أنَّها زادَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ الأخْذاتِ، وهي الغَرَقُ وقَلْبُ المَدائِنِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: زادَ وعَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ في الدُّنْيا خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: طَغى عَلى الخُزّانِ، كَما طَغَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم ‏ ‏‏‏‏‏‏: هي سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجارِيَةِ في السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣٢] وقالَ الشّاعِرُ:

؎تِسْعُونَ جارِيَةً في بَطْنِ جارِيَةٍ

وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى في السُّفُنِ الجارِيَةِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والمَحْمُولُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِما جَرى لِقَوْمِهِ الهالِكِينَ، وقَوْمِهِ النّاجِينَ فِيها وعِظَةً. قالَ قَتادَةُ: أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ ألْواحُها عَلى الجُودِيِّ. وقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكم مَوْعِظَةً تَذْكُرُونَ بِها نَجاةَ آبائِكم وإغْراقَ مُكَذِّبِي نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُ قِصَّتَها (أُذُنٌ) مِن شَأْنِها أنْ تَعِيَ المَواعِظَ، يُقالُ: وعَيْتُ لِما حُفِظَ في النَّفْسِ، وأوْعَيْتُ لِما حُفِظَ في غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الأوْعِيَةِ. وقالَ قَتادَةُ: الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ، أنَّهُ ﷺ قالَ لَـ عَلِيٍّ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» . قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وقَرَأها: وتَعِيَها، بِكَسْرِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الياءِ العامَّةِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ. وقُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: بِإسْكانِها. وحَمْزَةُ: بِإخْفاءِ الحَرَكَةِ، ووَجْهُ الإسْكانِ التَّشْبِيهُ في الفِعْلِ بِما كانَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ في الِاسْمِ والفِعْلِ. نَحْوُ: كِبْدٌ وعِلْمٌ. وتَعِي لَيْسَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ، بَلْ هو مُضارِعُ وعِيَ، فَصارَ إلى فِعْلٍ وأصْلُهُ حُذِفَتْ واوُهُ. ورَوى عَنْ عاصِمٍ عِصْمَةُ وحَمْزَةُ الأزْرَقُ: وتَعِيَّها بِتَشْدِيدِ الياءِ، قِيلَ: وهو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها، لا إدْغامَ حَرْفٍ في حَرْفٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ، وعَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَنْسِيِّ: وتَعِيها بِإسْكانِ الياءِ، فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافُ وهو الظّاهِرُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ ”مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم“ بِسُكُونِ الياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قِيلَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ (قُلْتُ): لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما سِواها لا يُبالِي بِآلَةٍ وإنْ مَلَأُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ. انْتَهى، وفِيهِ تَكْثِيرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، ذَكَرَ أمْرَ الآخِرَةِ وما يَعْرِضُ فِيها لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وبَدَأ بِإعْلامِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ النَّفْخَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي يَحْصُلُ عَنْها خَرابُ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٌ: هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الدَّكُّ بَعْدَ النَّفْخِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَمّا كانَتْ مَرَّةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ: (واحِدَةً) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، بِرَفْعِهِما، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ نَفَخَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ مَجازِيٌّ ووَقَعَ الفَصْلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ. انْتَهى. ولَوْ لَمْ يُنْعَتْ لَصَحَّ؛ لِأنَّ نَفْخَةَ مَصْدَرٌ مَحْدُودٌ ونَعْتُهُ لَيْسَ بِنَعْتِ تَخْصِيصٍ، إنَّما هو نَعْتُ تَوْكِيدٍ. (p-٣٢٣)وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِنَصْبِهِما، أقامَ الجارَّ والمَجْرُورَ مَقامَ الفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وحُمِلَتْ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ والأعْمَشُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ يَحْيى: بِتَشْدِيدِها، فالتَّخْفِيفُ عَلى أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ حَمَلَتْها الرِّيحُ العاصِفُ أوِ المَلائِكَةُ، أوِ القُدْرَةُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَخْلُوقٍ. ويَبْعُدُ قَوْلُهُ مَن قالَ: إنَّها الزَّلْزَلَةُ؛ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ لَيْسَ فِيها حَمْلٌ، إنَّما هي اضْطِرابٌ. والتَّشْدِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلنَّقْلِ، فَجازَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ المَفْعُولَ الأوَّلَ أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رِيحًا تُفَتِّتُها أوْ مَلائِكَةً أوْ قُدْرَةً. وجازَ أنْ يَكُونَ الثّانِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ المُقَدَّرَةِ. وثُنِّيَ الضَّمِيرُ في ﴿فَدُكَّتا﴾ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ، أيْ: ضَرَبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ حَتّى تَفَتَّتَتْ، وتَرْجِعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] . والدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ لِقَوْلِهِ: (هَباءً) والدَّقُّ فِيهِ اخْتِلافُ الأجْزاءِ. وقِيلَ: تُبْسَطُ فَتَصِيرُ أرْضًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ إذا ضَعُفا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُهُما واسْتَوَتْ عَراجِينُهُما مَعَ ظَهْرَيْهِما. (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو مَنصُوبٌ بِـ ”وقَعَتْ“، كَما أنَّ ”إذا“ مَنصُوبٌ بِـ ”نُفِخَ“ عَلى ما اخْتَرْناهُ وقَرَّرْناهُ، واسْتَدْلَلْنا لَهُ في أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو الفِعْلُ الَّذِي يَلِيهِما لا الجَوابُ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِقَوْلِ الجُمْهُورِ. والتَّنْوِينُ في ”إذٍ“ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، وهي في التَّقْدِيرِ: فَيَوْمَ إذْ نُفِخَ في الصُّورِ وجَرى كَيْتَ وكَيْتَ، و”الواقِعَةُ“ هي القِيامَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] أنَّ بَعْضَهم قالَ: هي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow -

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في اللَّيالِي والأيّامِ، أوْ في دِيارِهِمْ، أوْ في مَهابِّ الرِّيحِ. احْتِمالاتٌ أظْهَرُها الأوَّلُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ومُصَرَّحٌ بِهِ. وقَرَأ أبُو نَهيِكٍ: أعْجُزٌ، عَلى وزْنٍ أفْعُلٍ، كَضَبْعٍ وأضْبُعٍ. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ قُرِئَ: (نَخِيلٍ خاوِيَةٍ) خَلَتْ أعْجازُها بِلًى وفَسادًا. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَسْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فَصارُوا كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: خَلَتْ أبْدانُهم مِن أرْواحِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا في سَبْعَةِ أيّامٍ في عَذابٍ، ثُمَّ في الثّامِنِ ماتُوا وألْقَتْهُمُ الرِّيحُ في البَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن باقٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ أيْضًا: مِن فِئَةٍ باقِيَةٍ. وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏: مِن بَقاءٍ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ، والنَّحْوِيّانِ: (ومَن قِبَلَهُ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، وتَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ أيْ: فِيما يَلِيكَ مِنَ المَكانِ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ قِبَلَكَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ عِنْدَكَ وفي جِهَتِكَ وما يَلِيكَ بِأيِّ وجْهٍ ولِيَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسُّلَمِيُّ: ومَن قَبْلَهُ ظَرْفُ زَمانٍ أيِ: الأُمَمُ الكافِرَةُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن حَدِيثِهِ بَعْدَ هَذا.

﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الحَسَنُ هُنا: (والمُؤْتَفِكَةُ) عَلى الإفْرادِ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالفِعْلَةِ أوِ الفِعْلاتِ الخاطِئَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ بِالخَطَأِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (p-٣٢٢)(رَسُولَ) جِنْسٌ، وهو مَن جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ - تَعالى - كَـ مُوسى ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو رَسُولِ المُؤْتَفِكاتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى الأسْبَقِ وهو رَسُولُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ: نامِيَةً. قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةً، يُرِيدُ أنَّها زادَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ الأخْذاتِ، وهي الغَرَقُ وقَلْبُ المَدائِنِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: زادَ وعَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ في الدُّنْيا خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: طَغى عَلى الخُزّانِ، كَما طَغَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم ‏ ‏‏‏‏‏‏: هي سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجارِيَةِ في السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣٢] وقالَ الشّاعِرُ:

؎تِسْعُونَ جارِيَةً في بَطْنِ جارِيَةٍ

وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى في السُّفُنِ الجارِيَةِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والمَحْمُولُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِما جَرى لِقَوْمِهِ الهالِكِينَ، وقَوْمِهِ النّاجِينَ فِيها وعِظَةً. قالَ قَتادَةُ: أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ ألْواحُها عَلى الجُودِيِّ. وقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكم مَوْعِظَةً تَذْكُرُونَ بِها نَجاةَ آبائِكم وإغْراقَ مُكَذِّبِي نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُ قِصَّتَها (أُذُنٌ) مِن شَأْنِها أنْ تَعِيَ المَواعِظَ، يُقالُ: وعَيْتُ لِما حُفِظَ في النَّفْسِ، وأوْعَيْتُ لِما حُفِظَ في غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الأوْعِيَةِ. وقالَ قَتادَةُ: الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ، أنَّهُ ﷺ قالَ لَـ عَلِيٍّ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» . قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وقَرَأها: وتَعِيَها، بِكَسْرِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الياءِ العامَّةِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ. وقُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: بِإسْكانِها. وحَمْزَةُ: بِإخْفاءِ الحَرَكَةِ، ووَجْهُ الإسْكانِ التَّشْبِيهُ في الفِعْلِ بِما كانَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ في الِاسْمِ والفِعْلِ. نَحْوُ: كِبْدٌ وعِلْمٌ. وتَعِي لَيْسَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ، بَلْ هو مُضارِعُ وعِيَ، فَصارَ إلى فِعْلٍ وأصْلُهُ حُذِفَتْ واوُهُ. ورَوى عَنْ عاصِمٍ عِصْمَةُ وحَمْزَةُ الأزْرَقُ: وتَعِيَّها بِتَشْدِيدِ الياءِ، قِيلَ: وهو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها، لا إدْغامَ حَرْفٍ في حَرْفٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ، وعَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَنْسِيِّ: وتَعِيها بِإسْكانِ الياءِ، فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافُ وهو الظّاهِرُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ ”مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم“ بِسُكُونِ الياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قِيلَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ (قُلْتُ): لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما سِواها لا يُبالِي بِآلَةٍ وإنْ مَلَأُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ. انْتَهى، وفِيهِ تَكْثِيرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، ذَكَرَ أمْرَ الآخِرَةِ وما يَعْرِضُ فِيها لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وبَدَأ بِإعْلامِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ النَّفْخَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي يَحْصُلُ عَنْها خَرابُ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٌ: هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الدَّكُّ بَعْدَ النَّفْخِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَمّا كانَتْ مَرَّةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ: (واحِدَةً) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، بِرَفْعِهِما، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ نَفَخَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ مَجازِيٌّ ووَقَعَ الفَصْلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ. انْتَهى. ولَوْ لَمْ يُنْعَتْ لَصَحَّ؛ لِأنَّ نَفْخَةَ مَصْدَرٌ مَحْدُودٌ ونَعْتُهُ لَيْسَ بِنَعْتِ تَخْصِيصٍ، إنَّما هو نَعْتُ تَوْكِيدٍ. (p-٣٢٣)وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِنَصْبِهِما، أقامَ الجارَّ والمَجْرُورَ مَقامَ الفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وحُمِلَتْ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ والأعْمَشُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ يَحْيى: بِتَشْدِيدِها، فالتَّخْفِيفُ عَلى أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ حَمَلَتْها الرِّيحُ العاصِفُ أوِ المَلائِكَةُ، أوِ القُدْرَةُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَخْلُوقٍ. ويَبْعُدُ قَوْلُهُ مَن قالَ: إنَّها الزَّلْزَلَةُ؛ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ لَيْسَ فِيها حَمْلٌ، إنَّما هي اضْطِرابٌ. والتَّشْدِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلنَّقْلِ، فَجازَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ المَفْعُولَ الأوَّلَ أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رِيحًا تُفَتِّتُها أوْ مَلائِكَةً أوْ قُدْرَةً. وجازَ أنْ يَكُونَ الثّانِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ المُقَدَّرَةِ. وثُنِّيَ الضَّمِيرُ في ‏‏‏‏‏ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ، أيْ: ضَرَبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ حَتّى تَفَتَّتَتْ، وتَرْجِعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] . والدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ لِقَوْلِهِ: (هَباءً) والدَّقُّ فِيهِ اخْتِلافُ الأجْزاءِ. وقِيلَ: تُبْسَطُ فَتَصِيرُ أرْضًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ إذا ضَعُفا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُهُما واسْتَوَتْ عَراجِينُهُما مَعَ ظَهْرَيْهِما. (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو مَنصُوبٌ بِـ ”وقَعَتْ“، كَما أنَّ ”إذا“ مَنصُوبٌ بِـ ”نُفِخَ“ عَلى ما اخْتَرْناهُ وقَرَّرْناهُ، واسْتَدْلَلْنا لَهُ في أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو الفِعْلُ الَّذِي يَلِيهِما لا الجَوابُ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِقَوْلِ الجُمْهُورِ. والتَّنْوِينُ في ”إذٍ“ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، وهي في التَّقْدِيرِ: فَيَوْمَ إذْ نُفِخَ في الصُّورِ وجَرى كَيْتَ وكَيْتَ، و”الواقِعَةُ“ هي القِيامَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] أنَّ بَعْضَهم قالَ: هي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then on that Day, the Resurrection will occur,

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في اللَّيالِي والأيّامِ، أوْ في دِيارِهِمْ، أوْ في مَهابِّ الرِّيحِ. احْتِمالاتٌ أظْهَرُها الأوَّلُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ومُصَرَّحٌ بِهِ. وقَرَأ أبُو نَهيِكٍ: أعْجُزٌ، عَلى وزْنٍ أفْعُلٍ، كَضَبْعٍ وأضْبُعٍ. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ قُرِئَ: (نَخِيلٍ خاوِيَةٍ) خَلَتْ أعْجازُها بِلًى وفَسادًا. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَسْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فَصارُوا كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: خَلَتْ أبْدانُهم مِن أرْواحِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا في سَبْعَةِ أيّامٍ في عَذابٍ، ثُمَّ في الثّامِنِ ماتُوا وألْقَتْهُمُ الرِّيحُ في البَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن باقٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ أيْضًا: مِن فِئَةٍ باقِيَةٍ. وقِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏: مِن بَقاءٍ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ، والنَّحْوِيّانِ: (ومَن قِبَلَهُ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، وتَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ أيْ: فِيما يَلِيكَ مِنَ المَكانِ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ قِبَلَكَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ عِنْدَكَ وفي جِهَتِكَ وما يَلِيكَ بِأيِّ وجْهٍ ولِيَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسُّلَمِيُّ: ومَن قَبْلَهُ ظَرْفُ زَمانٍ أيِ: الأُمَمُ الكافِرَةُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن حَدِيثِهِ بَعْدَ هَذا.

﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الحَسَنُ هُنا: (والمُؤْتَفِكَةُ) عَلى الإفْرادِ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالفِعْلَةِ أوِ الفِعْلاتِ الخاطِئَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ بِالخَطَأِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ (p-٣٢٢)(رَسُولَ) جِنْسٌ، وهو مَن جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ - تَعالى - كَـ مُوسى ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو رَسُولِ المُؤْتَفِكاتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى الأسْبَقِ وهو رَسُولُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ: نامِيَةً. قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةً، يُرِيدُ أنَّها زادَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ الأخْذاتِ، وهي الغَرَقُ وقَلْبُ المَدائِنِ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: زادَ وعَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ في الدُّنْيا خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: طَغى عَلى الخُزّانِ، كَما طَغَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم ‏ ‏‏‏‏‏‏: هي سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجارِيَةِ في السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣٢] وقالَ الشّاعِرُ:

؎تِسْعُونَ جارِيَةً في بَطْنِ جارِيَةٍ

وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى في السُّفُنِ الجارِيَةِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والمَحْمُولُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِما جَرى لِقَوْمِهِ الهالِكِينَ، وقَوْمِهِ النّاجِينَ فِيها وعِظَةً. قالَ قَتادَةُ: أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ ألْواحُها عَلى الجُودِيِّ. وقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكم مَوْعِظَةً تَذْكُرُونَ بِها نَجاةَ آبائِكم وإغْراقَ مُكَذِّبِي نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُ قِصَّتَها (أُذُنٌ) مِن شَأْنِها أنْ تَعِيَ المَواعِظَ، يُقالُ: وعَيْتُ لِما حُفِظَ في النَّفْسِ، وأوْعَيْتُ لِما حُفِظَ في غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الأوْعِيَةِ. وقالَ قَتادَةُ: الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ، أنَّهُ ﷺ قالَ لَـ عَلِيٍّ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» . قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وقَرَأها: وتَعِيَها، بِكَسْرِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الياءِ العامَّةِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ. وقُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: بِإسْكانِها. وحَمْزَةُ: بِإخْفاءِ الحَرَكَةِ، ووَجْهُ الإسْكانِ التَّشْبِيهُ في الفِعْلِ بِما كانَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ في الِاسْمِ والفِعْلِ. نَحْوُ: كِبْدٌ وعِلْمٌ. وتَعِي لَيْسَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ، بَلْ هو مُضارِعُ وعِيَ، فَصارَ إلى فِعْلٍ وأصْلُهُ حُذِفَتْ واوُهُ. ورَوى عَنْ عاصِمٍ عِصْمَةُ وحَمْزَةُ الأزْرَقُ: وتَعِيَّها بِتَشْدِيدِ الياءِ، قِيلَ: وهو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها، لا إدْغامَ حَرْفٍ في حَرْفٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ، وعَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَنْسِيِّ: وتَعِيها بِإسْكانِ الياءِ، فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافُ وهو الظّاهِرُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ ”مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم“ بِسُكُونِ الياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قِيلَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ (قُلْتُ): لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما سِواها لا يُبالِي بِآلَةٍ وإنْ مَلَأُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ. انْتَهى، وفِيهِ تَكْثِيرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، ذَكَرَ أمْرَ الآخِرَةِ وما يَعْرِضُ فِيها لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وبَدَأ بِإعْلامِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ النَّفْخَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي يَحْصُلُ عَنْها خَرابُ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٌ: هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الدَّكُّ بَعْدَ النَّفْخِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَمّا كانَتْ مَرَّةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ: (واحِدَةً) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، بِرَفْعِهِما، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ نَفَخَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ مَجازِيٌّ ووَقَعَ الفَصْلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ. انْتَهى. ولَوْ لَمْ يُنْعَتْ لَصَحَّ؛ لِأنَّ نَفْخَةَ مَصْدَرٌ مَحْدُودٌ ونَعْتُهُ لَيْسَ بِنَعْتِ تَخْصِيصٍ، إنَّما هو نَعْتُ تَوْكِيدٍ. (p-٣٢٣)وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِنَصْبِهِما، أقامَ الجارَّ والمَجْرُورَ مَقامَ الفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وحُمِلَتْ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ والأعْمَشُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ يَحْيى: بِتَشْدِيدِها، فالتَّخْفِيفُ عَلى أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ حَمَلَتْها الرِّيحُ العاصِفُ أوِ المَلائِكَةُ، أوِ القُدْرَةُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَخْلُوقٍ. ويَبْعُدُ قَوْلُهُ مَن قالَ: إنَّها الزَّلْزَلَةُ؛ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ لَيْسَ فِيها حَمْلٌ، إنَّما هي اضْطِرابٌ. والتَّشْدِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلنَّقْلِ، فَجازَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ المَفْعُولَ الأوَّلَ أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رِيحًا تُفَتِّتُها أوْ مَلائِكَةً أوْ قُدْرَةً. وجازَ أنْ يَكُونَ الثّانِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ المُقَدَّرَةِ. وثُنِّيَ الضَّمِيرُ في ﴿فَدُكَّتا﴾ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ، أيْ: ضَرَبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ حَتّى تَفَتَّتَتْ، وتَرْجِعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] . والدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ لِقَوْلِهِ: (هَباءً) والدَّقُّ فِيهِ اخْتِلافُ الأجْزاءِ. وقِيلَ: تُبْسَطُ فَتَصِيرُ أرْضًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ إذا ضَعُفا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُهُما واسْتَوَتْ عَراجِينُهُما مَعَ ظَهْرَيْهِما. (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو مَنصُوبٌ بِـ ”وقَعَتْ“، كَما أنَّ ”إذا“ مَنصُوبٌ بِـ ”نُفِخَ“ عَلى ما اخْتَرْناهُ وقَرَّرْناهُ، واسْتَدْلَلْنا لَهُ في أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو الفِعْلُ الَّذِي يَلِيهِما لا الجَوابُ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِقَوْلِ الجُمْهُورِ. والتَّنْوِينُ في ”إذٍ“ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، وهي في التَّقْدِيرِ: فَيَوْمَ إذْ نُفِخَ في الصُّورِ وجَرى كَيْتَ وكَيْتَ، و”الواقِعَةُ“ هي القِيامَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] أنَّ بَعْضَهم قالَ: هي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: انْفَطَرَتْ وتَمَيَّزَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَهي يَوْمَ إذٍ انْشَقَّتْ ‏‏‏‏‏: ضَعِيفَةٌ لِتَشَقُّقِها بَعْدَ أنْ كانَتْ شَدِيدَةً ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النازعات: ٢٧] أوْ مُنْخَرِقَةً، كَما يُقالُ: وهي السِّقاءُ انْخَرَقَ. وقِيلَ انْشِقاقُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٢٥] . وقِيلَ: انْشِقاقُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى حافّاتِها حِينَ تَنْشَقُّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في حافّاتِها عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: عَلى حافّاتِ الأرْضِ، يَنْزِلُونَ إلَيْها يَحْفَظُونَ أطْرافَها، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ. كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ سَماءِ الدُّنْيا، فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافّاتِ الأرْضِ، ثُمَّ مَلائِكَةَ الثّانِيَةِ فَيَصُفُّونَ حَوْلَهم، ثُمَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما نَدَّ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ أُحِيطَ بِها. (والمَلَكُ): اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: (والمَلَكُ) وبَيْنَ أنْ يُقالَ والمَلائِكَةُ ؟ (قُلْتُ): المَلَكُ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ ما مِن مَلَكٍ إلّا وهو شاهِدٌ، أعَمُّ مِن قَوْلِكَ ما مِن مَلائِكَةٍ ؟ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الجِنْسِيَّةِ قُصاراهُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ المُحَلّى بِهِما، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، فَقُصاراهُ أنْ يَكُونَ كالجَمْعِ المُحَلّى بِهِما. وأمّا دَعْواهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنهُ بِقَوْلِهِ ألا تَرى إلَخْ، فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلى دَعْواهُ؛ لِأنَّ مِن مَلَكٍ نَكِرَةٌ مُفْرَدَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها (مِن) المُخْلَصَةُ لِلِاسْتِغْراقِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَلَكٍ، فانْدَرَجَ تَحْتَها الجَمْعُ لِوُجُودِ الفَرْدِ فِيهِ؛ فانْتَفى كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بِخِلافِ (مِن مَلائِكَةٍ) فَإنَّ (مِن) دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ مُنَكَّرٍ، فَعَمَّ كُلَّ جَمْعٍ جُمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ. لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ مِن رِجالٍ، جازَ أنْ يَكُونَ فِيها واحِدٌ؛ لِأنَّ النَّفْيَ إنَّما انْسَحَبَ عَلى جَمْعٍ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ الجَمْعِ أنْ يَنْتَفِيَ المُفْرَدُ. ”والمَلَكُ“ في الآيَةِ لَيْسَ في سِياقِ نَفْيٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) فَيَكُونُ (p-٣٢٤)أعَمَّ مِن جَمْعٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) وإنَّما جِيءَ بِهِ مُفْرَدًا لِأنَّهُ أخَفُّ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الواحِدَ بِما هو واحِدٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى أرْجائِها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ في أوْقاتٍ. والمُرادُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ المَلائِكَةَ عَلى أرْجائِها، لا أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ يَنْتَقِلُ عَلى أرْجائِها في أوْقاتٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّها تَنْشَقُّ، وهي مَسْكَنُ المَلائِكَةِ، فَيَنْضَوُونَ إلى أطْرافِها وما حَوْلَها مِن حافّاتِها. انْتَهى. والضَّمِيرُ في ”فَوْقِهِمْ“ عائِدٌ عَلى ”المَلَكِ“ ضَمِيرُ جَمْعٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ الحامِلِينَ، أيْ: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ. وقِيلَ: عَلى العالَمِ كُلِّهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةٌ) أمْلاكٌ، أيْ: ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ. وعَنِ الحَسَنِ، اللَّهُ أعْلَمُ كَمْ هم، أثَمانِيَةُ صُفُوفٍ أمْ ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ ؟ وذَكَرُوا في صِفاتِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ أشْكالًا مُتَكاذِبَةً ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.

(يَوْمئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ ما ذُكِرَ ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: لِلْحِسابِ، و”تُعْرَضُونَ“ هو جَوابُ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الحاقة: ١٣] . فَإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الأُولى، فَجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اتَّسَعَ في اليَوْمِ فَجُعِلَ ظَرْفًا لِلنَّفْخِ، ووُقُوعُ الواقِعَةِ وجَمِيعُ الكائِناتِ بَعْدَها، وإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الثّانِيَةُ، فَلا يَحْتاجُ إلى اتِّساعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ”فَإذا“، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن (فَيَوْمئِذٍ) وما بَعْدَ هَذِهِ الظُّرُوفِ واقِعٌ في يَوْمِ القِيامَةِ. والخِطابُ في ﴿تُعْرَضُونَ﴾ لِجَمِيعِ العالَمِ المُحاسَبِينَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَأى مُوسى في القِيامَةِ عَرْضَتانِ فِيهِما مَعاذِيرُ وتَوْقِيفٌ وخُصُوماتٌ، وثالِثَةٌ تَتَطايَرُ فِيها الصُّحُفُ لِلْأيْمانِ والشَّمائِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏ ‏‏ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وعَلِيٌّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ عاصِمٍ وابْنِ سَعْدانَ: بِالياءِ ﴿خافِيَةٌ﴾: سَرِيرَةٌ وحالٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا.

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: انْفَطَرَتْ وتَمَيَّزَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَهي يَوْمَ إذٍ انْشَقَّتْ ﴿واهِيَةٌ﴾: ضَعِيفَةٌ لِتَشَقُّقِها بَعْدَ أنْ كانَتْ شَدِيدَةً ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النازعات: ٢٧] أوْ مُنْخَرِقَةً، كَما يُقالُ: وهي السِّقاءُ انْخَرَقَ. وقِيلَ انْشِقاقُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٢٥] . وقِيلَ: انْشِقاقُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى حافّاتِها حِينَ تَنْشَقُّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في حافّاتِها عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: عَلى حافّاتِ الأرْضِ، يَنْزِلُونَ إلَيْها يَحْفَظُونَ أطْرافَها، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ. كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ سَماءِ الدُّنْيا، فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافّاتِ الأرْضِ، ثُمَّ مَلائِكَةَ الثّانِيَةِ فَيَصُفُّونَ حَوْلَهم، ثُمَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما نَدَّ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ أُحِيطَ بِها. (والمَلَكُ): اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: (والمَلَكُ) وبَيْنَ أنْ يُقالَ والمَلائِكَةُ ؟ (قُلْتُ): المَلَكُ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ ما مِن مَلَكٍ إلّا وهو شاهِدٌ، أعَمُّ مِن قَوْلِكَ ما مِن مَلائِكَةٍ ؟ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الجِنْسِيَّةِ قُصاراهُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ المُحَلّى بِهِما، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، فَقُصاراهُ أنْ يَكُونَ كالجَمْعِ المُحَلّى بِهِما. وأمّا دَعْواهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنهُ بِقَوْلِهِ ألا تَرى إلَخْ، فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلى دَعْواهُ؛ لِأنَّ مِن مَلَكٍ نَكِرَةٌ مُفْرَدَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها (مِن) المُخْلَصَةُ لِلِاسْتِغْراقِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَلَكٍ، فانْدَرَجَ تَحْتَها الجَمْعُ لِوُجُودِ الفَرْدِ فِيهِ؛ فانْتَفى كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بِخِلافِ (مِن مَلائِكَةٍ) فَإنَّ (مِن) دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ مُنَكَّرٍ، فَعَمَّ كُلَّ جَمْعٍ جُمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ. لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ مِن رِجالٍ، جازَ أنْ يَكُونَ فِيها واحِدٌ؛ لِأنَّ النَّفْيَ إنَّما انْسَحَبَ عَلى جَمْعٍ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ الجَمْعِ أنْ يَنْتَفِيَ المُفْرَدُ. ”والمَلَكُ“ في الآيَةِ لَيْسَ في سِياقِ نَفْيٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) فَيَكُونُ (p-٣٢٤)أعَمَّ مِن جَمْعٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) وإنَّما جِيءَ بِهِ مُفْرَدًا لِأنَّهُ أخَفُّ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الواحِدَ بِما هو واحِدٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى أرْجائِها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ في أوْقاتٍ. والمُرادُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ المَلائِكَةَ عَلى أرْجائِها، لا أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ يَنْتَقِلُ عَلى أرْجائِها في أوْقاتٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّها تَنْشَقُّ، وهي مَسْكَنُ المَلائِكَةِ، فَيَنْضَوُونَ إلى أطْرافِها وما حَوْلَها مِن حافّاتِها. انْتَهى. والضَّمِيرُ في ”فَوْقِهِمْ“ عائِدٌ عَلى ”المَلَكِ“ ضَمِيرُ جَمْعٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ الحامِلِينَ، أيْ: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ. وقِيلَ: عَلى العالَمِ كُلِّهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةٌ) أمْلاكٌ، أيْ: ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ. وعَنِ الحَسَنِ، اللَّهُ أعْلَمُ كَمْ هم، أثَمانِيَةُ صُفُوفٍ أمْ ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ ؟ وذَكَرُوا في صِفاتِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ أشْكالًا مُتَكاذِبَةً ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.

(يَوْمئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ ما ذُكِرَ ﴿تُعْرَضُونَ﴾ أيْ: لِلْحِسابِ، و”تُعْرَضُونَ“ هو جَوابُ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الحاقة: ١٣] . فَإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الأُولى، فَجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اتَّسَعَ في اليَوْمِ فَجُعِلَ ظَرْفًا لِلنَّفْخِ، ووُقُوعُ الواقِعَةِ وجَمِيعُ الكائِناتِ بَعْدَها، وإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الثّانِيَةُ، فَلا يَحْتاجُ إلى اتِّساعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ”فَإذا“، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن (فَيَوْمئِذٍ) وما بَعْدَ هَذِهِ الظُّرُوفِ واقِعٌ في يَوْمِ القِيامَةِ. والخِطابُ في ﴿تُعْرَضُونَ﴾ لِجَمِيعِ العالَمِ المُحاسَبِينَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَأى مُوسى في القِيامَةِ عَرْضَتانِ فِيهِما مَعاذِيرُ وتَوْقِيفٌ وخُصُوماتٌ، وثالِثَةٌ تَتَطايَرُ فِيها الصُّحُفُ لِلْأيْمانِ والشَّمائِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏ ‏‏ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وعَلِيٌّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ عاصِمٍ وابْنِ سَعْدانَ: بِالياءِ ﴿خافِيَةٌ﴾: سَرِيرَةٌ وحالٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ: انْفَطَرَتْ وتَمَيَّزَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَهي يَوْمَ إذٍ انْشَقَّتْ ﴿واهِيَةٌ﴾: ضَعِيفَةٌ لِتَشَقُّقِها بَعْدَ أنْ كانَتْ شَدِيدَةً ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النازعات: ٢٧] أوْ مُنْخَرِقَةً، كَما يُقالُ: وهي السِّقاءُ انْخَرَقَ. وقِيلَ انْشِقاقُها لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٢٥] . وقِيلَ: انْشِقاقُها لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى حافّاتِها حِينَ تَنْشَقُّ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في حافّاتِها عائِدٌ عَلى السَّماءِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: عَلى حافّاتِ الأرْضِ، يَنْزِلُونَ إلَيْها يَحْفَظُونَ أطْرافَها، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ. كَما رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ سَماءِ الدُّنْيا، فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافّاتِ الأرْضِ، ثُمَّ مَلائِكَةَ الثّانِيَةِ فَيَصُفُّونَ حَوْلَهم، ثُمَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما نَدَّ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ أُحِيطَ بِها. (والمَلَكُ): اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ المَلائِكَةُ. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) ما الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: (والمَلَكُ) وبَيْنَ أنْ يُقالَ والمَلائِكَةُ ؟ (قُلْتُ): المَلَكُ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ. ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ ما مِن مَلَكٍ إلّا وهو شاهِدٌ، أعَمُّ مِن قَوْلِكَ ما مِن مَلائِكَةٍ ؟ انْتَهى. ولا يَظْهَرُ أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ المُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ الجِنْسِيَّةِ قُصاراهُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمْعُ المُحَلّى بِهِما، ولِذَلِكَ صَحَّ الِاسْتِثْناءُ مِنهُ، فَقُصاراهُ أنْ يَكُونَ كالجَمْعِ المُحَلّى بِهِما. وأمّا دَعْواهُ أنَّهُ أعَمُّ مِنهُ بِقَوْلِهِ ألا تَرى إلَخْ، فَلَيْسَ دَلِيلًا عَلى دَعْواهُ؛ لِأنَّ مِن مَلَكٍ نَكِرَةٌ مُفْرَدَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها (مِن) المُخْلَصَةُ لِلِاسْتِغْراقِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَلَكٍ، فانْدَرَجَ تَحْتَها الجَمْعُ لِوُجُودِ الفَرْدِ فِيهِ؛ فانْتَفى كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ، بِخِلافِ (مِن مَلائِكَةٍ) فَإنَّ (مِن) دَخَلَتْ عَلى جَمْعٍ مُنَكَّرٍ، فَعَمَّ كُلَّ جَمْعٍ جُمِعَ مِنَ المَلائِكَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ انْتِفاءُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ. لَوْ قُلْتَ: ما في الدّارِ مِن رِجالٍ، جازَ أنْ يَكُونَ فِيها واحِدٌ؛ لِأنَّ النَّفْيَ إنَّما انْسَحَبَ عَلى جَمْعٍ، ولا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفاءِ الجَمْعِ أنْ يَنْتَفِيَ المُفْرَدُ. ”والمَلَكُ“ في الآيَةِ لَيْسَ في سِياقِ نَفْيٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) فَيَكُونُ (p-٣٢٤)أعَمَّ مِن جَمْعٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (مِن) وإنَّما جِيءَ بِهِ مُفْرَدًا لِأنَّهُ أخَفُّ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ لِأنَّ الواحِدَ بِما هو واحِدٌ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى أرْجائِها في وقْتٍ واحِدٍ، بَلْ في أوْقاتٍ. والمُرادُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ المَلائِكَةَ عَلى أرْجائِها، لا أنَّهُ مَلَكٌ واحِدٌ يَنْتَقِلُ عَلى أرْجائِها في أوْقاتٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّها تَنْشَقُّ، وهي مَسْكَنُ المَلائِكَةِ، فَيَنْضَوُونَ إلى أطْرافِها وما حَوْلَها مِن حافّاتِها. انْتَهى. والضَّمِيرُ في ”فَوْقِهِمْ“ عائِدٌ عَلى ”المَلَكِ“ ضَمِيرُ جَمْعٍ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ الحامِلِينَ، أيْ: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ. وقِيلَ: عَلى العالَمِ كُلِّهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: (ثَمانِيَةٌ) أمْلاكٌ، أيْ: ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ مِنَ المَلائِكَةِ. وعَنِ الضَّحّاكِ: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ. وعَنِ الحَسَنِ، اللَّهُ أعْلَمُ كَمْ هم، أثَمانِيَةُ صُفُوفٍ أمْ ثَمانِيَةُ أشْخاصٍ ؟ وذَكَرُوا في صِفاتِ هَؤُلاءِ الثَّمانِيَةِ أشْكالًا مُتَكاذِبَةً ضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.

(يَوْمئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ ما ذُكِرَ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لِلْحِسابِ، و”تُعْرَضُونَ“ هو جَوابُ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الحاقة: ١٣] . فَإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الأُولى، فَجازَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ اتَّسَعَ في اليَوْمِ فَجُعِلَ ظَرْفًا لِلنَّفْخِ، ووُقُوعُ الواقِعَةِ وجَمِيعُ الكائِناتِ بَعْدَها، وإنْ كانَتِ النَّفْخَةُ هي الثّانِيَةُ، فَلا يَحْتاجُ إلى اتِّساعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ”فَإذا“، و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بَدَلٌ مِن (فَيَوْمئِذٍ) وما بَعْدَ هَذِهِ الظُّرُوفِ واقِعٌ في يَوْمِ القِيامَةِ. والخِطابُ في ‏‏‏‏‏‏ لِجَمِيعِ العالَمِ المُحاسَبِينَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَأى مُوسى في القِيامَةِ عَرْضَتانِ فِيهِما مَعاذِيرُ وتَوْقِيفٌ وخُصُوماتٌ، وثالِثَةٌ تَتَطايَرُ فِيها الصُّحُفُ لِلْأيْمانِ والشَّمائِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏ ‏‏ بِتاءِ التَّأْنِيثِ. وعَلِيٌّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ عاصِمٍ وابْنِ سَعْدانَ: بِالياءِ ‏‏‏‏‏: سَرِيرَةٌ وحالٌ كانَتْ تَخْفى في الدُّنْيا.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ روَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

”أمّا“ حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِها ما وقَعَ في يَوْمِ العَرْضِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، أنَّهُ في يَوْمِ العَرْضِ يَأْخُذُ (p-٣٢٥)كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النّاجِينَ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ العَذابِ. وقِيلَ: لا يَأْخُذُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ، وإيمانُهُ أنِيسُهُ مُدَّةَ العَذابِ. قِيلَ: وهَذا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن يُسارُ بِهِ إلى النّارِ كَيْفَ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ وهَلْ هَذا إلّا اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ ؟ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ النّارِ. وهاؤُمُ إنْ كانَ مَدْلُولَها خُذْ، فَهي مُتَسَلِّطَةٌ عَلى ”كِتابِيَهْ“ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها تَعالَوْا، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلَيْهِ بِواسِطَةِ إلى، و”كِتابِيَهْ“ يَطْلُبُهُ هاؤُمُ واقْرَءُوا. فالبَصْرِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”اقْرَءُوا“، والكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”هاؤُمُ“، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّنازُعِ بَيْنَ اسْمِ الفِعْلِ والقَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) في مَوْضِعَيْهِما، و﴿مالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ وفي القارِعَةِ: (ماهِيَهْ) بِإثْباتِ هاءِ السَّكْتِ وقْفًا ووَصْلًا لِمُراعاةِ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا وإسْكانِ الياءِ، وذَلِكَ كِتابِي وحِسابِي ومالِي وسُلْطانِي، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ في (ماهِيَهْ) في القارِعَةِ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ: بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِما في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وطَرَحَهُما حَمْزَةُ في مالِي وسُلْطانِي، وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وفَتَحَ الياءَ فِيهِنَّ. وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَما قالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيْقَنْتُ، ولَوْ كانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكانَ كُفْرًا.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: ذاتِ رِضًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: راضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ: مَدْفُوقٍ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَكانًا وقَدْرًا.

﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ما يَجْنِي مِنها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. كُلُوا واشْرَبُوا أيْ: يُقالُ، و﴿هَنِيئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ النِّساءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أكْلًا وشُرْبًا هَنَيِئًا، أوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلى المَصْدَرِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَقْدِيرِ الإضْمارِ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا وشُرْبًا هَنِيئًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: يَعْنِي أيّامَ الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَكِيعٌ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أيّامُ الصَّوْمِ، أيْ: بَدَلُ ما أمْسَكْتُمْ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾: لَمّا رَأى فِيهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وما يَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْهِ، تَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسابَهُ، فَإنَّهُ انْجَلى عَنْهُ حِسابُهُ عَنْ ما يَسُوءُهُ فِيهِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ لا لَهُ. يا لَيْتَها أيِ: المَوْتَةُ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ ولَمْ أُعَذَّبْ، أوْ يا لَيْتَ الحالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إلَيْها الآنَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي مِنها في الدُّنْيا؛ حَيْثُ رَأى أنَّ حالَتَهُ الَّتِي هو فِيها أمَرُّ مِمّا ذاقَهُ مِنَ المَوْتَةِ، وكَيْفَ لا وأمْرُهُ آلَ إلى عَذابٍ لا يَنْقَطِعُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأسِّفًا عَلى مالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وقَرَّرَها عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَّتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا. وكانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ لَمّا تَسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ غَلّابِ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وجُنَّ، فَكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْعَلُوا في عُنُقِهِ غُلًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ. يُقالُ: صَلِيَ النّارَ وصَلّاهُ النّارَ. انْتَهى، وإنَّما قَدَرُهُ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَيْسَ ما قالَهُ مَذْهَبًا لِـ سِيبَوَيْهِ ولا لِحُذّاقِ النُّحاةِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، فَهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو مَرْجُوحٌ، والرّاجِحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: أنَّ السُّلْطانَ هُنا هو الحُجَّةُ الَّتِي كانَ يَحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ مَن أُوتِيَ كِتابُهُ بِشَمالِهِ (p-٣٢٦)لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُلُوكِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ الشَّقاوَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في طُولِها وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذا العَدَدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: بِذِراعِ المَلَكِ. وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ وغَيْرُهُ: الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا، في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي. وقِيلَ: بِالذِّراعِ المَعْرُوفِ، وإنَّما خاطَبَنا تَعالى بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنها حَلْقَةٌ عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ.

﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ في السِّلْسِلَةِ، ولِطُولِها تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، فَيَبْقى داخِلًا فِيها مَضْغُوطًا حَتّى تَعُمَّهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في فَمِهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى إخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، إلّا إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ مِثْلُهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ في الجَحِيمِ. ومَعْنى ”ثُمَّ“ الدَّلالَةُ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ الغُلِّ والتَّصْلِيَةِ بِالجَحِيمِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ السِّلْكِ في السِّلْسِلَةِ، لا عَلى تَراخِي المُدَّةِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن مَذْهَبِهِ الحَصْرَ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا ”ثُمَّ“ فَيُمْكِنُ بَقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ، وأنَّهُ أوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. ولَمّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالعَجَلَةِ، صارَتْ لَهُ اسْتِراحَةً، ثُمَّ جاءَ تَصْلِيَةَ الجَحِيمِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في عَذابِهِ، إذْ جاءَهُ ذَلِكَ وقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا في النّارِ، لَكِنَّهُ كانَ لَهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمّا سُلِكَ في السِّلْسِلَةِ كانَ ذَلِكَ أشُدَّ ما عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ صارَ لا حِراكَ لَهُ ولا انْتِقالَ، وأنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غايَةً، فَهَذا يَصِحُّ فِيهِ أنْ تَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ . بَدَأ بِأقْوى أسْبابِ تَعْذِيبِهِ وهو كُفْرُهُ بِاللَّهِ، و”إنَّهُ“ تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذا العَذابَ البَلِيغَ ؟ . وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏ عَلى ‏ ‏‏‏‏ داخِلٌ في العِلَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَنْبِ مَن لا يَحُضُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، إذْ جُعِلَ قَرِينَ الكُفْرِ، وهَذا حُكْمُ تَرْكِ الحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الإطْعامِ ؟ والتَّقْدِيرُ عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ. وأضافَ الطَّعامَ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ، إذْ يَسْتَحِقُّ المِسْكِينُ حَقًّا في مالِ الغَنِيِّ المُوسِرِ ولَوْ بِأدْنى يَسارٍ. ولِلْعَرَبِ في مَكارِمِهِمْ وإيثارِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِمْ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ، أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَرَ ؟ وقِيلَ: هو مَنعُ الكُفّارِ. وقَوْلُهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٧] يَعْنِي أنَّهُ إذا نُفِيَ الحَضُّ انْتَفى الإطْعامُ بِجِهَةِ الأوْلى، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] .

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ وادٌّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] . وقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هو والزَّقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقِيلَ: هو شَيْءٌ يَجْرِي مِن أهْلِ النّارِ، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في الغاشِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٦] فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ مُتَداخِلانِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَبايِنَيْنِ، وأخْبَرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ طائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ الَّتِي الآخَرُ طَعامُها، و”لَهُ“ خَبَرُ لَيْسَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”هاهُنا“، ولَمْ يُبَيِّنُ ما المانِعُ (p-٣٢٧)مِن ذَلِكَ. وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ، و”هاهُنا“ مُتَعَلِّقٌ بِما في ”لَهُ“ مِن مَعْنى الفِعْلِ. انْتَهى. وإذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ، وكانَ الأكْلُ غَيْرَ أكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا تَناقُضَ، إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ، وهو أنَّهُ إذا جَعَلْنا الخَبَرَ ”هاهُنا“ كانَ ”لَهُ واليَوْمَ“ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وهو العامِلُ في هاهُنا، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ٤] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كُفْوًا) وهو خَبَرٌ لِـ (يَكُنْ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الخاطِئُونَ“ بِالهَمْزِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، والمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في نَقْلٍ: بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فالظّاهِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ مَن خَطا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٢١] خَطا إلى المَعاصِي.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, I was certain that I would be meeting my account."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ روَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

”أمّا“ حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِها ما وقَعَ في يَوْمِ العَرْضِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، أنَّهُ في يَوْمِ العَرْضِ يَأْخُذُ (p-٣٢٥)كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النّاجِينَ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ العَذابِ. وقِيلَ: لا يَأْخُذُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ، وإيمانُهُ أنِيسُهُ مُدَّةَ العَذابِ. قِيلَ: وهَذا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن يُسارُ بِهِ إلى النّارِ كَيْفَ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ وهَلْ هَذا إلّا اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ ؟ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ النّارِ. وهاؤُمُ إنْ كانَ مَدْلُولَها خُذْ، فَهي مُتَسَلِّطَةٌ عَلى ”كِتابِيَهْ“ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها تَعالَوْا، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلَيْهِ بِواسِطَةِ إلى، و”كِتابِيَهْ“ يَطْلُبُهُ هاؤُمُ واقْرَءُوا. فالبَصْرِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”اقْرَءُوا“، والكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”هاؤُمُ“، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّنازُعِ بَيْنَ اسْمِ الفِعْلِ والقَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) في مَوْضِعَيْهِما، و﴿مالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ وفي القارِعَةِ: (ماهِيَهْ) بِإثْباتِ هاءِ السَّكْتِ وقْفًا ووَصْلًا لِمُراعاةِ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا وإسْكانِ الياءِ، وذَلِكَ كِتابِي وحِسابِي ومالِي وسُلْطانِي، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ في (ماهِيَهْ) في القارِعَةِ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ: بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِما في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وطَرَحَهُما حَمْزَةُ في مالِي وسُلْطانِي، وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وفَتَحَ الياءَ فِيهِنَّ. وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَما قالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيْقَنْتُ، ولَوْ كانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكانَ كُفْرًا.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: ذاتِ رِضًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: راضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ: مَدْفُوقٍ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَكانًا وقَدْرًا.

﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ما يَجْنِي مِنها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. كُلُوا واشْرَبُوا أيْ: يُقالُ، و﴿هَنِيئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ النِّساءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أكْلًا وشُرْبًا هَنَيِئًا، أوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلى المَصْدَرِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَقْدِيرِ الإضْمارِ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا وشُرْبًا هَنِيئًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: يَعْنِي أيّامَ الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَكِيعٌ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أيّامُ الصَّوْمِ، أيْ: بَدَلُ ما أمْسَكْتُمْ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾: لَمّا رَأى فِيهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وما يَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْهِ، تَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسابَهُ، فَإنَّهُ انْجَلى عَنْهُ حِسابُهُ عَنْ ما يَسُوءُهُ فِيهِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ لا لَهُ. يا لَيْتَها أيِ: المَوْتَةُ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ ولَمْ أُعَذَّبْ، أوْ يا لَيْتَ الحالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إلَيْها الآنَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي مِنها في الدُّنْيا؛ حَيْثُ رَأى أنَّ حالَتَهُ الَّتِي هو فِيها أمَرُّ مِمّا ذاقَهُ مِنَ المَوْتَةِ، وكَيْفَ لا وأمْرُهُ آلَ إلى عَذابٍ لا يَنْقَطِعُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأسِّفًا عَلى مالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وقَرَّرَها عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَّتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا. وكانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ لَمّا تَسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ غَلّابِ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وجُنَّ، فَكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْعَلُوا في عُنُقِهِ غُلًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ. يُقالُ: صَلِيَ النّارَ وصَلّاهُ النّارَ. انْتَهى، وإنَّما قَدَرُهُ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَيْسَ ما قالَهُ مَذْهَبًا لِـ سِيبَوَيْهِ ولا لِحُذّاقِ النُّحاةِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، فَهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو مَرْجُوحٌ، والرّاجِحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: أنَّ السُّلْطانَ هُنا هو الحُجَّةُ الَّتِي كانَ يَحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ مَن أُوتِيَ كِتابُهُ بِشَمالِهِ (p-٣٢٦)لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُلُوكِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ الشَّقاوَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في طُولِها وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذا العَدَدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: بِذِراعِ المَلَكِ. وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ وغَيْرُهُ: الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا، في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي. وقِيلَ: بِالذِّراعِ المَعْرُوفِ، وإنَّما خاطَبَنا تَعالى بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنها حَلْقَةٌ عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ.

﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ في السِّلْسِلَةِ، ولِطُولِها تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، فَيَبْقى داخِلًا فِيها مَضْغُوطًا حَتّى تَعُمَّهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في فَمِهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى إخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، إلّا إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ مِثْلُهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ في الجَحِيمِ. ومَعْنى ”ثُمَّ“ الدَّلالَةُ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ الغُلِّ والتَّصْلِيَةِ بِالجَحِيمِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ السِّلْكِ في السِّلْسِلَةِ، لا عَلى تَراخِي المُدَّةِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن مَذْهَبِهِ الحَصْرَ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا ”ثُمَّ“ فَيُمْكِنُ بَقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ، وأنَّهُ أوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. ولَمّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالعَجَلَةِ، صارَتْ لَهُ اسْتِراحَةً، ثُمَّ جاءَ تَصْلِيَةَ الجَحِيمِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في عَذابِهِ، إذْ جاءَهُ ذَلِكَ وقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا في النّارِ، لَكِنَّهُ كانَ لَهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمّا سُلِكَ في السِّلْسِلَةِ كانَ ذَلِكَ أشُدَّ ما عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ صارَ لا حِراكَ لَهُ ولا انْتِقالَ، وأنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غايَةً، فَهَذا يَصِحُّ فِيهِ أنْ تَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ . بَدَأ بِأقْوى أسْبابِ تَعْذِيبِهِ وهو كُفْرُهُ بِاللَّهِ، و”إنَّهُ“ تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذا العَذابَ البَلِيغَ ؟ . وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏ عَلى ‏ ‏‏‏‏ داخِلٌ في العِلَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَنْبِ مَن لا يَحُضُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، إذْ جُعِلَ قَرِينَ الكُفْرِ، وهَذا حُكْمُ تَرْكِ الحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الإطْعامِ ؟ والتَّقْدِيرُ عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ. وأضافَ الطَّعامَ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ، إذْ يَسْتَحِقُّ المِسْكِينُ حَقًّا في مالِ الغَنِيِّ المُوسِرِ ولَوْ بِأدْنى يَسارٍ. ولِلْعَرَبِ في مَكارِمِهِمْ وإيثارِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِمْ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ، أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَرَ ؟ وقِيلَ: هو مَنعُ الكُفّارِ. وقَوْلُهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٧] يَعْنِي أنَّهُ إذا نُفِيَ الحَضُّ انْتَفى الإطْعامُ بِجِهَةِ الأوْلى، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] .

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ وادٌّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] . وقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هو والزَّقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقِيلَ: هو شَيْءٌ يَجْرِي مِن أهْلِ النّارِ، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في الغاشِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٦] فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ مُتَداخِلانِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَبايِنَيْنِ، وأخْبَرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ طائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ الَّتِي الآخَرُ طَعامُها، و”لَهُ“ خَبَرُ لَيْسَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”هاهُنا“، ولَمْ يُبَيِّنُ ما المانِعُ (p-٣٢٧)مِن ذَلِكَ. وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ، و”هاهُنا“ مُتَعَلِّقٌ بِما في ”لَهُ“ مِن مَعْنى الفِعْلِ. انْتَهى. وإذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ، وكانَ الأكْلُ غَيْرَ أكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا تَناقُضَ، إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ، وهو أنَّهُ إذا جَعَلْنا الخَبَرَ ”هاهُنا“ كانَ ”لَهُ واليَوْمَ“ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وهو العامِلُ في هاهُنا، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ٤] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كُفْوًا) وهو خَبَرٌ لِـ (يَكُنْ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الخاطِئُونَ“ بِالهَمْزِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، والمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في نَقْلٍ: بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فالظّاهِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ مَن خَطا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٢١] خَطا إلى المَعاصِي.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So he will be in a pleasant life -

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ روَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

”أمّا“ حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِها ما وقَعَ في يَوْمِ العَرْضِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، أنَّهُ في يَوْمِ العَرْضِ يَأْخُذُ (p-٣٢٥)كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النّاجِينَ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ العَذابِ. وقِيلَ: لا يَأْخُذُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ، وإيمانُهُ أنِيسُهُ مُدَّةَ العَذابِ. قِيلَ: وهَذا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن يُسارُ بِهِ إلى النّارِ كَيْفَ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ وهَلْ هَذا إلّا اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ ؟ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ النّارِ. وهاؤُمُ إنْ كانَ مَدْلُولَها خُذْ، فَهي مُتَسَلِّطَةٌ عَلى ”كِتابِيَهْ“ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها تَعالَوْا، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلَيْهِ بِواسِطَةِ إلى، و”كِتابِيَهْ“ يَطْلُبُهُ هاؤُمُ واقْرَءُوا. فالبَصْرِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”اقْرَءُوا“، والكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”هاؤُمُ“، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّنازُعِ بَيْنَ اسْمِ الفِعْلِ والقَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) في مَوْضِعَيْهِما، و﴿مالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ وفي القارِعَةِ: (ماهِيَهْ) بِإثْباتِ هاءِ السَّكْتِ وقْفًا ووَصْلًا لِمُراعاةِ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا وإسْكانِ الياءِ، وذَلِكَ كِتابِي وحِسابِي ومالِي وسُلْطانِي، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ في (ماهِيَهْ) في القارِعَةِ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ: بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِما في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وطَرَحَهُما حَمْزَةُ في مالِي وسُلْطانِي، وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وفَتَحَ الياءَ فِيهِنَّ. وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَما قالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيْقَنْتُ، ولَوْ كانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكانَ كُفْرًا.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: ذاتِ رِضًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: راضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ: مَدْفُوقٍ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَكانًا وقَدْرًا.

﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ما يَجْنِي مِنها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. كُلُوا واشْرَبُوا أيْ: يُقالُ، و﴿هَنِيئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ النِّساءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أكْلًا وشُرْبًا هَنَيِئًا، أوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلى المَصْدَرِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَقْدِيرِ الإضْمارِ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا وشُرْبًا هَنِيئًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: يَعْنِي أيّامَ الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَكِيعٌ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أيّامُ الصَّوْمِ، أيْ: بَدَلُ ما أمْسَكْتُمْ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾: لَمّا رَأى فِيهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وما يَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْهِ، تَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسابَهُ، فَإنَّهُ انْجَلى عَنْهُ حِسابُهُ عَنْ ما يَسُوءُهُ فِيهِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ لا لَهُ. يا لَيْتَها أيِ: المَوْتَةُ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ ولَمْ أُعَذَّبْ، أوْ يا لَيْتَ الحالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إلَيْها الآنَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي مِنها في الدُّنْيا؛ حَيْثُ رَأى أنَّ حالَتَهُ الَّتِي هو فِيها أمَرُّ مِمّا ذاقَهُ مِنَ المَوْتَةِ، وكَيْفَ لا وأمْرُهُ آلَ إلى عَذابٍ لا يَنْقَطِعُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأسِّفًا عَلى مالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وقَرَّرَها عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَّتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا. وكانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ لَمّا تَسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ غَلّابِ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وجُنَّ، فَكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْعَلُوا في عُنُقِهِ غُلًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ. يُقالُ: صَلِيَ النّارَ وصَلّاهُ النّارَ. انْتَهى، وإنَّما قَدَرُهُ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَيْسَ ما قالَهُ مَذْهَبًا لِـ سِيبَوَيْهِ ولا لِحُذّاقِ النُّحاةِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، فَهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو مَرْجُوحٌ، والرّاجِحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: أنَّ السُّلْطانَ هُنا هو الحُجَّةُ الَّتِي كانَ يَحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ مَن أُوتِيَ كِتابُهُ بِشَمالِهِ (p-٣٢٦)لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُلُوكِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ الشَّقاوَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في طُولِها وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذا العَدَدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: بِذِراعِ المَلَكِ. وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ وغَيْرُهُ: الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا، في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي. وقِيلَ: بِالذِّراعِ المَعْرُوفِ، وإنَّما خاطَبَنا تَعالى بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنها حَلْقَةٌ عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ.

﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ في السِّلْسِلَةِ، ولِطُولِها تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، فَيَبْقى داخِلًا فِيها مَضْغُوطًا حَتّى تَعُمَّهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في فَمِهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى إخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، إلّا إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ مِثْلُهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ في الجَحِيمِ. ومَعْنى ”ثُمَّ“ الدَّلالَةُ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ الغُلِّ والتَّصْلِيَةِ بِالجَحِيمِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ السِّلْكِ في السِّلْسِلَةِ، لا عَلى تَراخِي المُدَّةِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن مَذْهَبِهِ الحَصْرَ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا ”ثُمَّ“ فَيُمْكِنُ بَقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ، وأنَّهُ أوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. ولَمّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالعَجَلَةِ، صارَتْ لَهُ اسْتِراحَةً، ثُمَّ جاءَ تَصْلِيَةَ الجَحِيمِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في عَذابِهِ، إذْ جاءَهُ ذَلِكَ وقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا في النّارِ، لَكِنَّهُ كانَ لَهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمّا سُلِكَ في السِّلْسِلَةِ كانَ ذَلِكَ أشُدَّ ما عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ صارَ لا حِراكَ لَهُ ولا انْتِقالَ، وأنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غايَةً، فَهَذا يَصِحُّ فِيهِ أنْ تَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ . بَدَأ بِأقْوى أسْبابِ تَعْذِيبِهِ وهو كُفْرُهُ بِاللَّهِ، و”إنَّهُ“ تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذا العَذابَ البَلِيغَ ؟ . وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏ عَلى ‏ ‏‏‏‏ داخِلٌ في العِلَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَنْبِ مَن لا يَحُضُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، إذْ جُعِلَ قَرِينَ الكُفْرِ، وهَذا حُكْمُ تَرْكِ الحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الإطْعامِ ؟ والتَّقْدِيرُ عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ. وأضافَ الطَّعامَ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ، إذْ يَسْتَحِقُّ المِسْكِينُ حَقًّا في مالِ الغَنِيِّ المُوسِرِ ولَوْ بِأدْنى يَسارٍ. ولِلْعَرَبِ في مَكارِمِهِمْ وإيثارِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِمْ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ، أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَرَ ؟ وقِيلَ: هو مَنعُ الكُفّارِ. وقَوْلُهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٧] يَعْنِي أنَّهُ إذا نُفِيَ الحَضُّ انْتَفى الإطْعامُ بِجِهَةِ الأوْلى، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] .

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ وادٌّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] . وقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هو والزَّقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقِيلَ: هو شَيْءٌ يَجْرِي مِن أهْلِ النّارِ، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في الغاشِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٦] فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ مُتَداخِلانِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَبايِنَيْنِ، وأخْبَرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ طائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ الَّتِي الآخَرُ طَعامُها، و”لَهُ“ خَبَرُ لَيْسَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”هاهُنا“، ولَمْ يُبَيِّنُ ما المانِعُ (p-٣٢٧)مِن ذَلِكَ. وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ، و”هاهُنا“ مُتَعَلِّقٌ بِما في ”لَهُ“ مِن مَعْنى الفِعْلِ. انْتَهى. وإذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ، وكانَ الأكْلُ غَيْرَ أكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا تَناقُضَ، إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ، وهو أنَّهُ إذا جَعَلْنا الخَبَرَ ”هاهُنا“ كانَ ”لَهُ واليَوْمَ“ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وهو العامِلُ في هاهُنا، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ٤] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كُفْوًا) وهو خَبَرٌ لِـ (يَكُنْ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الخاطِئُونَ“ بِالهَمْزِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، والمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في نَقْلٍ: بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فالظّاهِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ مَن خَطا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٢١] خَطا إلى المَعاصِي.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏

In an elevated garden,

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ روَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

”أمّا“ حَرْفُ تَفْصِيلٍ فَصَّلَ بِها ما وقَعَ في يَوْمِ العَرْضِ. ويَظْهَرُ أنَّ مَن قُضِيَ عَلَيْهِ دُخُولُ النّارِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، أنَّهُ في يَوْمِ العَرْضِ يَأْخُذُ (p-٣٢٥)كِتابَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ النّاجِينَ مِنَ النّارِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَأْنَسُ بِهِ مُدَّةَ العَذابِ. وقِيلَ: لا يَأْخُذُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ النّارِ، وإيمانُهُ أنِيسُهُ مُدَّةَ العَذابِ. قِيلَ: وهَذا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ مَن يُسارُ بِهِ إلى النّارِ كَيْفَ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ؟ وهَلْ هَذا إلّا اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ ؟ فَلا يُناسِبُ دُخُولَ النّارِ. وهاؤُمُ إنْ كانَ مَدْلُولَها خُذْ، فَهي مُتَسَلِّطَةٌ عَلى ”كِتابِيَهْ“ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وإنْ كانَ مَدْلُولُها تَعالَوْا، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلَيْهِ بِواسِطَةِ إلى، و”كِتابِيَهْ“ يَطْلُبُهُ هاؤُمُ واقْرَءُوا. فالبَصْرِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”اقْرَءُوا“، والكُوفِيُّونَ يُعْمِلُونَ ”هاؤُمُ“، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ التَّنازُعِ بَيْنَ اسْمِ الفِعْلِ والقَسَمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كِتابِيَهْ) و(حِسابِيَهْ) في مَوْضِعَيْهِما، و﴿مالِيَهْ﴾ و﴿سُلْطانِيَهْ﴾ وفي القارِعَةِ: (ماهِيَهْ) بِإثْباتِ هاءِ السَّكْتِ وقْفًا ووَصْلًا لِمُراعاةِ خَطِّ المُصْحَفِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا وإسْكانِ الياءِ، وذَلِكَ كِتابِي وحِسابِي ومالِي وسُلْطانِي، ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ فِيما وقَفْتُ عَلَيْهِ في (ماهِيَهْ) في القارِعَةِ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْمَشُ: بِطَرْحِ الهاءِ فِيهِما في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وطَرَحَهُما حَمْزَةُ في مالِي وسُلْطانِي، وما هي في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ، وفَتَحَ الياءَ فِيهِنَّ. وما قالَهُ الزَّهْراوِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عِنْدَ أحَدٍ عَلِمْتُهُ لَيْسَ كَما قالَ، بَلْ ذَلِكَ مَنقُولٌ نَقْلَ التَّواتُرِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيْقَنْتُ، ولَوْ كانَ ظَنًّا فِيهِ تَجْوِيزٌ لَكانَ كُفْرًا.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: ذاتِ رِضًا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: راضِيَةٍ مَرْضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] أيْ: مَدْفُوقٍ.

‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَكانًا وقَدْرًا.

﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ما يَجْنِي مِنها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ يُدْرِكُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. كُلُوا واشْرَبُوا أيْ: يُقالُ، و﴿هَنِيئًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ النِّساءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَنِيئًا أكْلًا وشُرْبًا هَنَيِئًا، أوْ هَنِيتُمُ هَنِيئًا عَلى المَصْدَرِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ: أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا يَظْهَرُ مِنهُ جَعْلُ هَنِيئًا صِفَةً لِمَصْدَرَيْنِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا عَلى تَقْدِيرِ الإضْمارِ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ، أيْ: أكْلًا هَنِيئًا وشُرْبًا هَنِيئًا.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏: يَعْنِي أيّامَ الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ووَكِيعٌ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: أيّامُ الصَّوْمِ، أيْ: بَدَلُ ما أمْسَكْتُمْ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ العُمُومُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾: لَمّا رَأى فِيهِ قَبائِحَ أفْعالِهِ، وما يَصِيرُ أمْرُهُ إلَيْهِ، تَمَنّى أنَّهُ لَمْ يُعْطَهُ، وتَمَنّى أنَّهُ لَمْ يَدْرِ حِسابَهُ، فَإنَّهُ انْجَلى عَنْهُ حِسابُهُ عَنْ ما يَسُوءُهُ فِيهِ، إذْ كانَ عَلَيْهِ لا لَهُ. يا لَيْتَها أيِ: المَوْتَةُ الَّتِي مِتُّها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: القاطِعَةَ لِأمْرِي، فَلَمْ أُبْعَثْ ولَمْ أُعَذَّبْ، أوْ يا لَيْتَ الحالَةَ الَّتِي انْتَهَيْتُ إلَيْها الآنَ كانَتِ المَوْتَةَ الَّتِي مِنها في الدُّنْيا؛ حَيْثُ رَأى أنَّ حالَتَهُ الَّتِي هو فِيها أمَرُّ مِمّا ذاقَهُ مِنَ المَوْتَةِ، وكَيْفَ لا وأمْرُهُ آلَ إلى عَذابٍ لا يَنْقَطِعُ ؟ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا مَحْضًا، أخْبَرَ بِذَلِكَ مِتَأسِّفًا عَلى مالِهِ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وبَّخَ بِهِ نَفْسَهُ وقَرَّرَها عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَّتِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا. وكانَ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهٍ لَمّا تَسَمّى بِمَلِكِ الأمْلاكِ غَلّابِ القَدَرِ لَمْ يُفْلِحْ وجُنَّ، فَكانَ لا يَنْطَلِقُ لِسانُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْعَلُوا في عُنُقِهِ غُلًّا ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ، وهي النّارُ العُظْمى؛ لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ. يُقالُ: صَلِيَ النّارَ وصَلّاهُ النّارَ. انْتَهى، وإنَّما قَدَرُهُ لا تُصَلُّوهُ إلّا الجَحِيمَ؛ لِأنَّهُ يَزْعُمُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. وقَدْ تَكَلَّمْنا مَعَهُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَيْسَ ما قالَهُ مَذْهَبًا لِـ سِيبَوَيْهِ ولا لِحُذّاقِ النُّحاةِ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّهُ كانَ سُلْطانًا يَتَعَظَّمُ عَلى النّاسِ، فَهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وهو مَرْجُوحٌ، والرّاجِحُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ: أنَّ السُّلْطانَ هُنا هو الحُجَّةُ الَّتِي كانَ يَحْتَجُّ بِها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ مَن أُوتِيَ كِتابُهُ بِشَمالِهِ (p-٣٢٦)لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُلُوكِ، بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ الشَّقاوَةِ.

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قِياسُها ومِقْدارُ طُولِها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يُرادَ ظاهِرُهُ مِنَ العَدَدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُبالَغَةُ في طُولِها وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذا العَدَدَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: بِذِراعِ المَلَكِ. وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ وغَيْرُهُ: الذِّراعُ سَبْعُونَ باعًا، في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ مَكَّةَ والكُوفَةِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ صَحِيحٍ. وقالَ الحَسَنُ: اللَّهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هي. وقِيلَ: بِالذِّراعِ المَعْرُوفِ، وإنَّما خاطَبَنا تَعالى بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ وُضِعَ مِنها حَلْقَةٌ عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَّصاصِ.

﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ [الزمر: ٢١] والظّاهِرُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ في السِّلْسِلَةِ، ولِطُولِها تَلْتَوِي عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، فَيَبْقى داخِلًا فِيها مَضْغُوطًا حَتّى تَعُمَّهُ. وقِيلَ: في الكَلامِ قَلْبٌ، والسِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ في فَمِهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تُسْلَكُ فِيهِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى إخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ، إلّا إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ عَلى خِلافِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى في تَقْدِيمِ السِّلْسِلَةِ عَلى السَّلْكِ مِثْلُهُ في تَقْدِيمِ الجَحِيمِ عَلى التَّصْلِيَةِ، أيْ: لا تَسْلُكُوهُ إلّا في هَذِهِ السِّلْسِلَةِ، كَأنَّها أفْظَعُ مِن سائِرِ مَواضِعِ الإرْهاقِ في الجَحِيمِ. ومَعْنى ”ثُمَّ“ الدَّلالَةُ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ الغُلِّ والتَّصْلِيَةِ بِالجَحِيمِ، وما بَيْنَها وبَيْنَ السِّلْكِ في السِّلْسِلَةِ، لا عَلى تَراخِي المُدَّةِ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن مَذْهَبِهِ الحَصْرَ في تَقْدِيمِ المَعْمُولِ، وأمّا ”ثُمَّ“ فَيُمْكِنُ بَقاؤُها عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ، وأنَّهُ أوَّلًا يُؤْخَذُ فَيُغَلُّ. ولَمّا لَمْ يُعَذَّبْ بِالعَجَلَةِ، صارَتْ لَهُ اسْتِراحَةً، ثُمَّ جاءَ تَصْلِيَةَ الجَحِيمِ، فَكانَ ذَلِكَ أبْلَغَ في عَذابِهِ، إذْ جاءَهُ ذَلِكَ وقَدْ سَكَنَتْ نَفْسُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ جاءَ سَلْكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ كَوْنِهِ مَغْلُولًا مُعَذَّبًا في النّارِ، لَكِنَّهُ كانَ لَهُ انْتِقالٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، فَيَجِدُ بِذَلِكَ بَعْضَ تَنَفُّسٍ. فَلَمّا سُلِكَ في السِّلْسِلَةِ كانَ ذَلِكَ أشُدَّ ما عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ، حَيْثُ صارَ لا حِراكَ لَهُ ولا انْتِقالَ، وأنَّهُ يَضِيقُ عَلَيْهِ غايَةً، فَهَذا يَصِحُّ فِيهِ أنْ تَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى مَوْضُوعِها مِنَ المُهْلَةِ الزَّمانِيَّةِ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ . بَدَأ بِأقْوى أسْبابِ تَعْذِيبِهِ وهو كُفْرُهُ بِاللَّهِ، و”إنَّهُ“ تَعْلِيلٌ مُسْتَأْنِفٌ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: لِمَ يُعَذَّبُ هَذا العَذابَ البَلِيغَ ؟ . وقِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وعَطْفُ ‏‏ ‏‏ عَلى ‏ ‏‏‏‏ داخِلٌ في العِلَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ ذَنْبِ مَن لا يَحُضُّ عَلى إطْعامِ المِسْكِينِ، إذْ جُعِلَ قَرِينَ الكُفْرِ، وهَذا حُكْمُ تَرْكِ الحَضِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَرْكُ الإطْعامِ ؟ والتَّقْدِيرُ عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ. وأضافَ الطَّعامَ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ، إذْ يَسْتَحِقُّ المِسْكِينُ حَقًّا في مالِ الغَنِيِّ المُوسِرِ ولَوْ بِأدْنى يَسارٍ. ولِلْعَرَبِ في مَكارِمِهِمْ وإيثارِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ بِحَيْثُ لا تُوجَدُ في غَيْرِهِمْ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ فِيهِمْ:

؎عَلى مُكْثِرِيهِمْ رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهِمْ وعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ والبَذْلُ

وكانَ أبُو الدَّرْداءِ يَحُضُّ امْرَأتَهُ عَلى تَكْثِيرِ الرِّزْقِ لِأجْلِ المَساكِينِ، ويَقُولُ: خَلَعْنا نِصْفَ السِّلْسِلَةِ بِالإيمانِ، أفَلا نَخْلَعُ نِصْفَها الآخَرَ ؟ وقِيلَ: هو مَنعُ الكُفّارِ. وقَوْلُهم: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٧] يَعْنِي أنَّهُ إذا نُفِيَ الحَضُّ انْتَفى الإطْعامُ بِجِهَةِ الأوْلى، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣] .

﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: صَدِيقٌ مُلاطِفٌ وادٌّ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزخرف: ٦٧] . وقِيلَ: قَرِيبٌ يَدْفَعُ عَنْهُ.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: هو والزَّقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعَهُ. وقالَ الضَّحّاكُ والرَّبِيعُ: هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ. وقِيلَ: هو شَيْءٌ يَجْرِي مِن أهْلِ النّارِ، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في الغاشِيَةِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الغاشية: ٦] فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوْ مُتَداخِلانِ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونا مُتَبايِنَيْنِ، وأخْبَرَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ طائِفَةٍ غَيْرِ الطّائِفَةِ الَّتِي الآخَرُ طَعامُها، و”لَهُ“ خَبَرُ لَيْسَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”هاهُنا“، ولَمْ يُبَيِّنُ ما المانِعُ (p-٣٢٧)مِن ذَلِكَ. وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في ذَلِكَ، وقالَ: لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ لَيْسَ هاهُنا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ ثَمَّ طَعامًا غَيْرَهُ، و”هاهُنا“ مُتَعَلِّقٌ بِما في ”لَهُ“ مِن مَعْنى الفِعْلِ. انْتَهى. وإذا كانَ ثَمَّ غَيْرُهُ مِنَ الطَّعامِ، وكانَ الأكْلُ غَيْرَ أكْلٍ آخَرَ، صَحَّ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلى اخْتِلافِ الأكْلَيْنِ. وأمّا إنْ كانَ الضَّرِيعُ هو الغِسْلِينُ، كَما قالَ بَعْضُهم، فَلا تَناقُضَ، إذِ المَحْصُورُ في الآيَتَيْنِ هو شَيْءٌ واحِدٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِن وجْهٍ غَيْرَ ما ذَكَرَهُ، وهو أنَّهُ إذا جَعَلْنا الخَبَرَ ”هاهُنا“ كانَ ”لَهُ واليَوْمَ“ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وهو العامِلُ في هاهُنا، وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ كانَ العامِلُ لَفْظِيًّا جازَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ٤] فَلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كُفْوًا) وهو خَبَرٌ لِـ (يَكُنْ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”الخاطِئُونَ“ بِالهَمْزِ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ، وهو الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَّوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، والمُخْطِئُ الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في نَقْلٍ: بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ ونافِعٌ: بِخِلافٍ عَنْهُ، بِضَمِّ الطّاءِ دُونَ هَمْزٍ، فالظّاهِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ الحَقَّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ مَن خَطا يَخْطُو، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [النور: ٢١] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النور: ٢١] خَطا إلى المَعاصِي.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:13