All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction, at length.

Al-Anfāl 8:23 Juzʾ 9 Page 179

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

Read in the muṣḥaf
البحر المحيط Abū Ḥayyān

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَماعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، والمُرادُ لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفَهُّمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عَنْهم بِما هو عَلَيْهِ مِن خَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَقالَ: ولَوْ أسْمَعَهم، أيْ: ولَوْ فَهَّمَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ خَيْرًا، أيِ: انْتِفاعًا بِاللُّطْفِ لَأسْمَعَهُمُ اللُّطْفَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ لَما نَفَعَهُمُ اللُّطْفُ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهم ألْطافَهُ، أيْ: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ فَصَدَّقُوا لارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وكَذَّبُوا ولَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم؛ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَعْلِيمٍ مُفْهِمٍ، ولَوْ أسْمَعَهم إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ، وقالَ أيْضًا: مَعْلُوماتُ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ. أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، الثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، الثّالِثُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ حالُهُ، الرّابِعُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَكَيْفَ حالُهُ، فالقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمَقْدُورِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ القِسْمِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِالمَقْدُوراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الحشر: ١١] ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحشر: ١٢] فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ٢٨] أخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا (p-٤٨١)كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، انْتَهى. وأقُولُ: ظاهِرُ هاتَيْنِ المُلازَمَتَيْنِ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ إسْماعٌ مِنهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ خَيْرًا فِيهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إسْماعِهِمْ إيّاهم، فَأنْتَجَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ تَعالى خَيْرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِحَرْفِ الواسِطَةِ؛ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلى ما رُتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وهَذا لا يَكُونُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ التَّوَلِّي عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ فِيهِمْ خَيْرًا، ويَصِيرُ الكَلامُ في الجُمْلَتَيْنِ في تَقْدِيرِ كَلامٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا فَأسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا ما تَوَلَّوْا.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, respond to Allah and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allah intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اسْتَجابَ في (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في دَعاكم، كَما أفْرَدَهُ في: ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما مَعَ الآخَرِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، والِاسْتِجابَةُ هُنا الِامْتِثالُ، والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى ما فِيهِ حَياتُهم، وظاهِرُ اسْتَجِيبُوا الوُجُوبُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: لِأُبَيٍّ حِينَ دَعاهُ وهو في الصَّلاةِ مُتَلَبِّثٌ: «ما مَنَعَكَ عَنِ الِاسْتِجابَةِ ؟ ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ»، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ”لِما“ بِقَوْلِهِ: دَعاكم، ودَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ:

؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا

وقالَ آخَرُ:

؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها

وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى ويَتَعَلَّقُ بِاسْتَجِيبُوا، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بِإلى حَتّى يَتَغايَرَ مَدْلُولُ اللّامِ فَيَتَعَلَّقُ الحَرْفانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ، قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وقِيلَ: ما يُحْيِيكم هو مُجاهَدَةُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَرَكُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهم، ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ؛ وقِيلَ: الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٦٩]، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ؛ وقِيلَ: لِما يُحْيِيكم مِن عُلُومِ الدِّياناتِ والشَّرائِعِ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حِلْيَتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ

وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِ الجُمْهُورِ ومُجاهِدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ما يُحْيِيكم هو الحَقُّ؛ وقِيلَ: هو إحْياءُ أُمُورِهِمْ وطِيبُ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا ورِفْعَتُهم، يُقالُ: حَيِيَتْ حالُهُ إذا ارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الغَنائِمِ في الجِهادِ ويَعِيشُونَ مِنها؛ وقِيلَ: الجُثَّةُ، والَّذِي يَظْهَرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ قَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، فالَّذِي يَحْيا بِهِ مِنَ الجَهْلِ هو سَماعُ ما يَنْفَعُ مِمّا أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَيَمْتَثِلُ المَأْمُورَ بِهِ ويَجْتَنِبُ المَنهِيَّ عَنْهُ، فَيَئُولُ إلى الحَياتَيْنِ الطَّيِّبَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ والقادِرُ عَلى الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ قَلْبُهُ، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْتَجابَ لَهُ إذا دَعاهُ؛ إذْ بِيَدِهِ تَعالى مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وزِمامُهُ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبِدارِ إلى الِاسْتِجابَةِ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ عُقُوبَةً عَلى عِنادِهِ، فَفي التَّنْزِيلِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [ق: ٣٧]، أيْ: عَقْلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وقَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيمانٍ ولا كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَمَنّاهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ، وهَذانِ راجِعانِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو أنْ يَتَوَفّاهُ، ولِأنَّ الأجَلَ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أمَلِ قَلْبِهِ، وهَذا حَثٌّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ قَبْلَ الوَفاةِ الَّتِي هو واجِدُها، وهي التَّمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ ومُخالَجَةِ أدْوائِهِ وعِلَلِهِ ورَدِّهِ سَلِيمًا كَما يُرِيدُهُ اللَّهُ، فاغْتَنِمُوا هَذِهِ الفُرْصَةَ وأخْلِصُوا قُلُوبَكم لِطاعَةِ اللَّهِ (p-٤٨٢)ورَسُولِهِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلِيُّ بْنُ عِيسى هو الرُّمّانِيُّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ قَدْ يَمْلِكُ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ نِيّاتِهِ ومَقاصِدَهُ ويُبَدِّلُهُ بِالخَوْفِ أمْنًا وبِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا وبِالنِّسْيانِ ذِكْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا هو جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأمّا ما يُثابُ عَلَيْهِ العَبْدُ ويُعاقَبُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا، والمُجْبِرَةُ عَلى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ والإيمانِ إذا كَفَرَ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إذا آمَنَ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، انْتَهى، وجَعَلَ هَذا المِسْكِينُ صَدْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ ظالِمِينَ؛ إذْ قائِلُ ذَلِكَ هو ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِن ساداتِ التّابِعِينَ؛ وقِيلَ: يُبَدِّلُ الجُبْنَ جَراءَةً، وهو تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا، ويَكْشِفُ حَقِيقَتَهُ قَوْلُهُ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ» وتَأْوِيلُهُ بَيْنَ أثَرَيْنِ مِن آثارِ رُبُوبِيَّتِهِ. وقِيلَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي يَهُمُّ بِها قَلْبُهُ بِالعِصْمَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى كُلِّ ما يَخْطُرُ المَرْءَ بِبالِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِ، فَكَأنَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ العِبادِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: بَيْنَ المِرْءِ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الإعْرابِ؛ إذْ في المَرْءِ لُغَتانِ: فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا وإتْباعُها حَرَكَةَ الإعْرابِ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: بَيْنَ المَرِّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، ثُمَّ شَدَّدَها، كَما تُشَدَّدُ في الوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وكَثِيرًا ما تَفْعَلُ العَرَبُ ذَلِكَ، تُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ: وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ولَمّا أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ وحَيْلُولَتَهُ بَيْنَ المَرْءِ ومَقاصِدِ قَلْبِهِ أعْلَمَهم بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ يَحْشُرُهم فَيُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ تِذْكارٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And fear a trial which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allah is severe in penalty.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هَذا الخِطابُ ظاهِرُهُ العُمُومُ بِاتِّقاءِ الفِتْنَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِالظّالِمِ بَلْ تَعُمُّ الصّالِحَ والطّالِحَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ، فَفي البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ «أنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ ولَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ»، وفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: (p-٤٨٣)«نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلصَّحابَةِ؛ وقِيلَ: لِأهْلِ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: لِعَلِيٍّ وعَمّارٍ وطَلْحَةَ والزُّبَيْرِ؛ وقِيلَ: لِرَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُسَمِّهِما، والفِتْنَةُ هُنا القِتالُ في وقْعَةِ الجَمَلِ، أوِ الضَّلالَةُ، أوْ عَدَمُ إنْكارِ المُنْكَرِ، أوْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ، أوْ بِظُهُورِ البِدَعِ، أوِ العُقُوبَةُ، أقْوالٌ، وقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ يَوْمَ الجَمَلِ: ما عَلِمْتُ أنّا أُرِدْنا بِهَذِهِ الآيَةِ إلّا اليَوْمَ، وما كُنْتُ أظُنُّها إلّا فِيمَن خُوطِبَ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ، خَبَرِيَّةٌ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: فِتْنَةً، أيْ: غَيْرَ مُصِيبَةٍ الظّالِمَ خاصَّةً، إلّا أنَّ دُخُولَ نُونِ التَّوْكِيدِ عَلى المَنفِيِّ بِلا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فالجُمْهُورُ لا يُجِيزُونَهُ ويَحْمِلُونَ ما جاءَ مِنهُ عَلى الضَّرُورَةِ، أوِ النُّدُورِ، والَّذِي نَخْتارُهُ الجَوازُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وإذا كانَ قَدْ جاءَ لَحاقُها الفِعْلَ مَبْنِيًّا بِلا مَعَ الفَصْلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎فَلا ذا نَعِيمٌ يُتْرَكَنْ لِنَعِيمِهِ وإنْ قالَ قَرِّظْنِي وخُذْ رِشْوَةً أبى

؎ولا ذا بَئِيسٌ يُتْرَكَنَّ لِبُؤْسِهِ ∗∗∗ فَيَنْفَعُهُ شَكْوى إلَيْهِ إنِ اشْتَكى

(p-٤٨٤)فَلَأنْ يَلْحَقُهُ مَعَ غَيْرِ الفَصْلِ أوْلى، نَحْوُ: لا تُصِيبَنَّ، وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ وهي نَهْيٌ قالَ: وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ صِفَةً عَلى إرادَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقَوْا فِتْنَةً مَقُولًا فِيها لا تُصِيبَنَّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ:

؎حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ ∗∗∗ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ

أيْ: بِمَذْقٍ مَقُولٌ فِيهِ هَذا القَوْلُ؛ لِأنَّ فِيهِ لَوْنُ الزُّرْقَةِ الَّتِي هي مَعْنى الذِّئْبِ، انْتَهى. وتَحْرِيرُهُ أنَّ الجُمْلَةَ مَعْمُولَةٌ لِصِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِلْأمْرِ، نَحْوُ قَوْلِكَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، أيْ: إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحَنَّكَ، قالَ: ومِنهُ ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ﴾ [النمل: ١٨]، أيْ: إنْ تَدْخُلُوا لا يَحْطِمَنَّكم، فَدَخَلَتِ النُّونُ لِما فِيها مِن مَعْنى الجَزاءِ، انْتَهى، وهَذا المِثالُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [النمل: ١٨] لَيْسَ نَظِيرَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏؛ لِأنَّهُ يَنْتَظِمُ مِنَ المِثالِ، والآيَةُ شَرْطٌ وجَزاءٌ كَما قُدِّرَ، ولا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ هُناكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ تَقْدِيرُ: إنْ تَتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ إذْ ذاكَ عَلى الشَّرْطِ، مُقْتَضاهُ مِن جِهَةِ المَعْنى، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَ الفَرّاءِ، وزادَهُ فَسادًا وخَبَّطَ فِيهِ، فَقالَ: وقَوْلُهُ: لا تُصِيبَنَّ، لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ، أوْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، أوْ صِفَةً لِـ (فِتْنَةً)، فَإذا كانَ جَوابًا، فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم لا تُصِبِ الظّالِمِينَ مِنكم خاصَّةً، ولَكِنَّها تَعُمُّكُمُ، انْتَهى تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، فانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلْأمْرِ الَّذِي هو اتَّقُوا، ثُمَّ قَدَّرَ أداةَ الشَّرْطِ داخِلَةً عَلى غَيْرِ مُضارِعِ (اتَّقُوا)، فَقالَ: فالمَعْنى إنْ أصابَتْكم يَعْنِي الفِتْنَةَ، وانْظُرْ كَيْفَ قَدَّرَ الفَرّاءُ في: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [النمل: ١٨]، فَأدْخَلَ أداةَ الشَّرْطِ عَلى مُضارِعِ فِعْلِ الأمْرِ، وهَكَذا يُقَدَّرُ ما كانَ جَوابًا لِلْأمْرِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ: لا تُصِيبَنَّ، جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ وقِيلَ: لا نافِيَةٌ، وشُبِّهَ النَّفْيُ بِالمُوجَبِ فَدَخَلَتِ النُّونُ، كَما دَخَلَتْ في لَتَضْرِبَنَّ، التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا تُصِيبَنَّ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّها صِفَةٌ، أوْ جَوابُ أمْرٍ، أوْ جَوابُ قَسَمٍ تَكُونُ النُّونُ قَدْ دَخَلَتْ في المَنفِيِّ بِلا، وذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّها جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مُوجَبَةٌ فَدَخَلَتِ النُّونُ في مَحَلِّها ومُطِلَتِ اللّامُ فَصارَتْ لا، والمَعْنى: لَتُصِيبَنَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ والباقِرِ والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وأبِي العالِيَةِ: لَتُصِيبَنَّ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لِلظّالِمِينَ فَقَطْ، وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ خَرَّجَ ابْنُ جِنِّي أيْضًا قِراءَةَ الجَماعَةِ: لا تُصِيبَنَّ، وكَوْنُ اللّامِ مُطِلَتْ فَحَدَثَتْ عَنْها الألِفُ إشْباعًا؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ الشِّعْرُ، وقالَ ابْنُ جِنِّي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن مَعَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ: لا تُصِيبَنَّ، فَحُذِفَتِ الألِفُ تَخْفِيفًا واكْتِفاءً بِالحَرَكَةِ، كَما قالُوا: أمْ واللَّهِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: كَما حُذِفَتْ مِن ما وهي أُخْتُ لا في قَوْلِهِ: أمْ واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ وشِبْهِهِ، انْتَهى، ولَيْسَتْ لِلنَّفْيِ، وحَكى النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ: قَرَأ فِتْنَةً أنْ تُصِيبَ، وعَنِ الزُّبَيْرِ: لَتُصِيبَنَّ، وخَرَّجَ المُبَرِّدُ والفَرّاءُ والزَّجّاجُ قِراءَةَ: لا تُصِيبَنَّ، عَلى أنْ تَكُونَ ناهِيَةً وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: واتَّقُوا فِتْنَةً، وهو خِطابٌ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ، ثُمَّ ابْتُدِئَ نَهْيُ الظَّلَمَةِ خاصَّةً عَنِ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ فَتُصِيبُهُمُ الفِتْنَةُ خاصَّةً، وأُخْرِجَ النَّهْيُ عَلى جِهَةِ إسْنادِهِ لِلْفِتْنَةِ، فَهو نَهْيٌ مُحَوَّلٌ كَما قالُوا: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، أيْ: لا تَكُنْ هُنا فَيَقَعَ مِنِّي رُؤْيَتُكَ، والمُرادُ هُنا لا يَتَعَرَّضُ الظّالِمُ لِلْفِتْنَةِ فَتَقَعَ إصابَتُها لَهُ خاصَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في تَقْدِيرِ هَذا الوَجْهِ، وإذا كانَتْ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ واحْذَرُوا ذَنْبًا أوْ عِقابًا، ثُمَّ قِيلَ: لا تَتَعَرَّضُوا لِلظُّلْمِ فَيُصِيبَ العِقابُ أوْ أثَرُ الذَّنْبِ مَن ظَلَمَ مِنكم خاصَّةً، (p-٤٨٥)وقالَ الأخْفَشُ: لا تُصِيبَنَّ، هو عَلى مَعْنى الدُّعاءِ، انْتَهى، والَّذِي دَعاهُ إلى هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْتِبْعادُ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ في المَنفِيِّ بِلا، واعْتِياضُ تَقْرِيرِهِ نَهْيًا، فَعَدَلَ إلى جَعْلِهِ دُعاءً فَيَصِيرُ المَعْنى لا أصابَتِ الفِتْنَةُ الظّالِمِينَ خاصَّةً، واسْتَلْزَمَتِ الدُّعاءَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: لا أصابَتْ ظالِمًا ولا غَيْرَ ظالِمٍ، فَكَأنَّهُ واتَّقُوا فِتْنَةً لا أوْقَعَها اللَّهُ بِأحَدٍ، فَتُلَخَّصَ في تَخْرِيجِ قَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ - أقْوالُ الدُّعاءِ والنَّهْيِ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وجَوابُ أمْرٍ عَلى تَقْدِيرَيْنِ وصِفَةٌ - . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ تَدْخُلَ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في جَوابِ الأمْرِ، (قُلْتُ): لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّمَنِّي، إذا قُلْتَ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ، فَلِذَلِكَ جازَ لا تَطْرَحَنَّكَ، ولا تُصِيبَنَّ، ولا يَحْطِمَنَّكُمُ، انْتَهى، وإذا قُلْتَ -: لا تَطْرَحْكَ وجَعَلْتَهُ جَوابًا لِقَوْلِكَ انْزِلْ ولَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ بَلْ نَفْيٌ مَحْضٌ - جَوابُ الأمْرِ نُفِيَ بِلا، وجَزَمَهُ عَلى الجَوابِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في جَوابِ الأمْرِ، والسِّتَّةُ مَعَهُ هَلْ ثَمَّ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ وما ذُكِرَ مَعَهُ مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا فَرَّعْنا عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ النُّونُ لِلتَّوْكِيدِ، لَمْ يَجُزِ: انْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى مِن في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، (قُلْتُ): التَّبْعِيضُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالتَّبْيِينُ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْنى لا تُصِيبُكم خاصَّةً عَلى ظُلْمِكم؛ لِأنَّ الظُّلْمَ مِنكم أقْبَحُ مِن سائِرِ النّاسِ، انْتَهى، ويَعْنِي بِالأوَّلِ: أنْ يَكُونَ جَوابًا بَعْدَ أمْرٍ، وبِالثّانِي: أنْ يَكُونَ نَهْيًا بَعْدَ أمْرٍ، وخاصَّةً أصْلُهُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةٌ خاصَّةٌ، وهي حالٌ مِنَ الفاعِلِ المُسْتَكِنُ في لا تُصِيبَنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، أيْ: مَخْصُوصِينَ بِها بَلْ تَعُمُّهم وغَيْرَهم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خاصَّةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ظَلَمُوا، ولا أتَعَقَّلُ هَذا الوَجْهَ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ: لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً؛ إذْ فِيهِ حَثٌّ عَلى لُزُومِ الِاسْتِقامَةِ خَوْفًا مِن عِقابِ اللَّهِ، لا يُقالُ: كَيْفَ يُوصِلُ الرَّحِيمُ الكَرِيمُ الفِتْنَةَ والعَذابَ لِمَن لَمْ يُذْنِبْ، (قُلْتُ): لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ المَلِكِ، كَما قَدْ يُنْزِلُ الفَقْرَ والمَرَضَ بِعَبْدِهِ ابْتِداءً فَيَحْسُنُ ذَلِكَ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ اشْتِمالَ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ ثَوابٍ لِمَن أُوقِعَ بِهِ ذَلِكَ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, do not betray Allah and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

البحر المحيطAbū Ḥayyān

Loading…

You read 8:23–27 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:23