All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Al-Anfāl 8:23 Juzʾ 9 Page 179

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Had Allah known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

Read in the muṣḥaf

وفي هَذِهِ الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوَلِّي عَنِ الدَّلائِلِ وبِالإعْراضِ عَنِ الحَقِّ وأنَّهم لا يَقْبَلُونَهُ البَتَّةَ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِهِ البَتَّةَ. فَنَقُولُ: وجَبَ أنْ يَكُونَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهم مُحالًا، لِأنَّهُ لَوْ صَدَرَ الإيمانُ لَكانَ إمّا أنْ يُوجَدَ ذَلِكَ الإيمانُ مَعَ بَقاءِ هَذا الخَبَرِ صِدْقًا أوْ مَعَ انْقِلابِهِ كَذِبًا، والأوَّلُ مُحالٌ، لِأنَّ وُجُودَ الإيمانِ مَعَ الإخْبارِ بِعَدَمِ الإيمانِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ.

والثّانِي مُحالٌ، لِأنَّ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ الصِّدْقِ كَذِبًا مُحالٌ، لا سِيَّما في الزَّمانِ الماضِي المُنْقَضِي، وهَكَذا القَوْلُ في انْقِلابِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا، وتَقْرِيرُهُ سَبَقَ مِرارًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ: كَلِمَةُ‏‏‏ وُضِعَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِأجْلِ انْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ، أفادَ أنَّهُ ما حَصَلَ المَجِيءُ، وما حَصَلَ الإكْرامُ. ومِنَ الفُقَهاءِ مَن قالَ: إنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الِاسْتِلْزامَ، فَأمّا الِانْتِفاءُ لِأجْلِ انْتِفاءِ الغَيْرِ، فَلا يُفِيدُهُ هَذا اللَّفْظُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ، فَهي هَذِهِ الآيَةُ، وتَقْرِيرُهُ: أنَّ كَلِمَةَ‏‏‏ لَوْ أفادَتْ ما ذَكَرُوهُ لَكانَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا وما أسْمَعَهم. ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَيَكُونُ مَعْناهُ: أنَّهُ ما أسْمَعَهم وأنَّهم ما تَوَلَّوْا؛ لَكِنَّ عَدَمَ التَّوَلِّي خَيْرٌ مِنَ الخَيْراتِ، فَأوَّلُ الكَلامِ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَيْرِ، وآخِرُهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الخَيْرِ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ كَلِمَةَ‏‏‏ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ يُوجِبُ هَذا التَّناقُضَ، فَوَجَبَ أنْ

صفحة ١١٧
لا يُصارَ إلَيْهِ. وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخِفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ» “ فَلَوْ كانَتْ لَفْظَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ ما ذَكَرُوهُ لَصارَ المَعْنى أنَّهُ خافَ اللَّهَ وعَصاهُ، وذَلِكَ مُتَناقِضٌ. فَثَبَتَ أنَّ كَلِمَةَ‏‏‏ لا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، وإنَّما تُفِيدُ مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزامِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ أحْسَنُ إلّا أنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِ جُمْهُورِ الأُدَباءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:

أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ.

والثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُ.

الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، والقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمُقَدَّرِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ القِسْمِ الثّانِي وهو العِلْمُ بِالمُقَدَّراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحَشْرِ: ١١] وقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحَشْرِ: ١٢] فَعَلِمَ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ فَأخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:23