All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

For a verse that carries a ruling. Strongest on the law.

Al-Māʾidah 5:64 Juzʾ 6 Page 118

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏. قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ] لَعَنَهُ اللَّهُ [من ع.، وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ فَلَمَّا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قل ما لهم، فقالوا: إن الله بخيل، وئد اللَّهِ مَقْبُوضَةٌ عَنَّا فِي الْعَطَاءِ، فَالْآيَةُ خَاصَّةً فِي بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: لَمَّا قَالَ قَوْمٌ هَذَا وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ صَارُوا كَأَنَّهُمْ بِأَجْمَعِهِمْ قَالُوا هَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمَعْنَى يَدُ اللَّهِ مَقْبُوضَةٌ عَنْ عَذَابِنَا. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي فَقْرٍ وَقِلَّةِ مَالٍ وَسَمِعُوا (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) راجع ج ٣ ص ٢٣٧، ٠٤ ٢. وَرَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كَانَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ فِي الدِّيَاتِ قَالُوا: إِنَّ إِلَهَ مُحَمَّدٍ فَقِيرٌ، وَرُبَّمَا قَالُوا: بَخِيلٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) فَهَذَا عَلَى التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) راجع ج ١٠ ص ٢٤٩.] الاسراء: ٢٩]. وَيُقَالُ لِلْبَخِيلِ: جَعْدُ الْأَنَامِلِ، وَمَقْبُوضُ الْكَفِّ، وَكَزُّ الْأَصَابِعِ، وَمَغْلُولُ الْيَدِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

كَانَتْ خُرَاسَانُ أَرْضًا إِذْ يَزِيدُ بِهَا ... وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوحُ

فَاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أَنَامِلُهُ ... كَأَنَّمَا وَجْهَهُ بِالْخَلِّ مَنْضُوحٌ

وَالْيَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَكُونُ لِلْجَارِحَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً" راجع ج ١٥ ص ٢١٢، ١٥٨، ٥٥، ٢٢٨.] ص: ٤٤] هذا مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَتَكُونُ لِلنِّعْمَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: كَمْ يَدٍ لِي عِنْدَ فُلَانٍ، أَيْ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ لِي قَدْ أَسْدَيْتُهَا لَهُ، وَتَكُونُ لِلْقُوَّةِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ" راجع ج ١٥ ص ٢١٢، ١٥٨، ٥٥، ٢٢٨.] ص: ١٧]، أي ذا القوة وتكون يد الملك وَالْقُدْرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ" راجع ج ٤ ص ١١ ٢.] آل عمران: ٧٣]. وَتَكُونُ بِمَعْنَى الصِّلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً" راجع ج ١٥ ص ٢١٢، ١٥٨، ٥٥، ٢٢٨.] يس: ٧١] أي مما عملنا نحن. وقال: "أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ" راجع ج ٣ ص ٢٣٧، ٠٤ ٢.] الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] أَيِ الذِي لَهُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ. وَتَكُونُ بِمَعْنَى التَّأْيِيدِ وَالنُّصْرَةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (يَدُ اللَّهِ مَعَ الْقَاضِي حَتَّى يَقْضِيَ وَالْقَاسِمِ حَتَّى يَقْسِمَ). وَتَكُونُ لاضافة الفعل إلى المخبر عند تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" راجع ج ١٥ ص ٢١٢، ١٥٨، ٥٥، ٢٢٨.] ص: ٧٥] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْجَارِحَةِ، لِأَنَّ الْبَارِيَ جَلَّ وَتَعَالَى وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التبعيض، ولا على القوة والملك وَالنِّعْمَةِ وَالصِّلَةِ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَقَعُ حِينَئِذٍ بَيْنَ وَلِيِّهِ آدَمَ وَعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ، وَيَبْطُلُ مَا ذُكِرَ مِنْ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، لِبُطْلَانِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ كذا في الأصول إلا في ج، ز: تحملا. ولا وجه للتثنية هنا. عَلَى صِفَتَيْنِ تَعَلَّقَتَا بِخَلْقِ آدَمَ تَشْرِيفًا لَهُ دُونَ خَلْقِ إِبْلِيسَ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمُمَاسَّةُ، وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ أنه] عز اسمه وتعالى علاه وجد أَنَّهُ [من ز. كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ دَارَ الْكَرَامَةِ] بِيَدِهِ [من ع. لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الصِّفَةِ بِمُقْتَضَاهَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ حُذِفَتِ الضَّمَّةُ مِنَ الْيَاءِ لِثِقَلِهَا، أَيْ غُلَّتْ فِي الْآخِرَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً عَلَيْهِمْ، وَكَذَا "وَلُعِنُوا بِما قالُوا" وَالْمَقْصُودُ تَعْلِيمُنَا كَمَا قَالَ: "لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ" راجع ج ١٦ ص ٢٨٩.] الفتح: ٢٧]، عَلَّمَنَا الِاسْتِثْنَاءَ كَمَا عَلَّمَنَا الدُّعَاءَ عَلَى أَبِي لهب بقوله: "تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" راجع ج ٢٠ ص ٢٣٤.] المسد: ١] وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهُمْ أَبْخَلُ الْخَلْقِ، فَلَا تَرَى يَهُودِيًّا غَيْرَ لَئِيمٍ. وَفِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِضْمَارُ الْوَاوِ، أَيْ قَالُوا: يَدُ اللَّهِ مغلولة وغلت أيديهم. واللعن بالابعاد، وَقَدْ تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ، أَيْ بَلْ نِعْمَتُهُ مَبْسُوطَةٌ، فَالْيَدُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا غَلَطٌ، لِقَوْلِهِ: "بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ" فَنِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى فَكَيْفَ تَكُونُ بَلْ نِعْمَتَاهُ مَبْسُوطَتَانِ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَثْنِيَةَ جِنْسٍ لَا تَثْنِيَةَ وَاحِدٍ مُفْرَدٍ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ العائرة بين الغنمين: أي المترددة بين قطيعين، لا تدرى أيهما تتبع.) ٦ (بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ). فَأَحَدُ الْجِنْسَيْنِ نِعْمَةُ الدُّنْيَا، وَالثَّانِي نِعْمَةُ الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: نِعْمَتَا الدُّنْيَا النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ وَالنِّعْمَةُ الْبَاطِنَةُ، كَمَا قَالَ: "وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً" راجع ج ١٤ ص ٧٣.] لقمان: ٢٠]. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: (النِّعْمَةُ الظَّاهِرَةُ مَا حَسُنَ مِنْ خُلُقِكَ، وَالْبَاطِنَةُ مَا سُتِرَ عَلَيْكَ مِنْ سَيِّئِ عَمَلِكَ). وَقِيلَ: نِعْمَتَاهُ الْمَطَرُ وَالنَّبَاتُ اللَّتَانِ النِّعْمَةُ بِهِمَا وَمِنْهُمَا. وَقِيلَ: إِنَّ النِّعْمَةَ تلك عبارة الأصول، أو صوابها ما في الجصاص: إن التثنية للمبالغة في صفة النعمة كقولك إلخ. راجع ج ٢ ص ٤٤٨. لِلْمُبَالَغَةِ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ: (لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ) وَلَيْسَ يُرِيدُ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ: ما لي بهذا الامر يد أو قُوَّةٌ. قَالَ السُّدِّيُّ، مَعْنَى قَوْلِهِ (يَداهُ) قُوَّتَاهُ بالثواب وَالْعِقَابِ، بِخِلَافِ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ يَدَهُ مَقْبُوضَةٌ عَنْ عَذَابِهِمْ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقُ عَلَيْكَ). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . "الليل والنهار" قال النووي: هو بنصب الليل والنهار ورفعهما، النصب على الظرف، والرفع على الفاعل. قال في هامش مسلم: لكن على تقدير النصب ماذا يكون الفاعل في (لا يغيضها) لم يذكره، ولو كانت الرواية (لا يغيضها سح الليل والنهار) بالإضافة لبان الفاعل كما في رواية زهير بن حرب "لا يغيضها شي". أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مذ خلق السموات وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ- قَالَ- وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ الفيض: ضبطوه (بالفاء والياء) ومعناه الإحسان، و (بالقاف والباء) ومعناه الموت. يرفع ويخفض (. السح الصب الكثير. وبغيض يَنْقُصُ، وَنَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: "وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ" راجع ج ٣ ص ٢٣٧.] البقرة: [. وَأَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "بل يداه بسطان" كذا في البحر وفي الشواذ لابن خالويه: بسطتان. بضم السين. [المائدة:] حَكَاهُ الْأَخْفَشُ، وَقَالَ يُقَالُ: يَدٌ بُسْطَةٌ، أَيْ مُنْطَلِقَةٌ مُنْبَسِطَةٌ.) يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) أَيْ يَرْزُقُ كَمَا يُرِيدُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، أَيْ قُدْرَتُهُ شَامِلَةٌ، فَإِنْ شَاءَ وَسَّعَ وَإِنْ شَاءَ قَتَّرَ.

(وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ) لَامُ قَسَمٍ.

(مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أَيْ بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ.

(طُغْياناً وَكُفْراً) أي إذا نزل شي مِنَ الْقُرْآنِ فَكَفَرُوا ازْدَادَ كُفْرُهُمْ.

(وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ) قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَ هَذَا "لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ"] المائدة: ٥١]. وَقِيلَ: أَيْ أَلْقَيْنَا بَيْنَ طَوَائِفِ الْيَهُودِ، كَمَا قال: "تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى" راجع ج ١٨ ص ٣٥.] الحشر: ١٤] فهم متباغضون مُتَّفِقِينَ، فَهُمْ أَبْغَضُ خَلْقِ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ.

(كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ) يريد اليهود. و "كُلَّما" ظَرْفٌ أَيْ كُلَّمَا جَمَعُوا وَأَعَدُّوا شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ لَمَّا أَفْسَدُوا وَخَالَفُوا كتاب الله- التوراة- أرسل الله عليهم بخت نصر، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ بُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الْمَجُوسَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانُوا كُلَّمَا اسْتَقَامَ أَمْرُهُمْ شَتَّتَهُمُ اللَّهُ فَكُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا أَيْ أَهَاجُوا شَرًّا، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى حَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ "أَطْفَأَهَا اللَّهُ" وَقَهَرَهُمْ وَوَهَّنَ أَمْرَهُمْ فَذِكْرُ النَّارِ مُسْتَعَارٌ. قَالَ قَتَادَةُ: أَذَلَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُمْ تَحْتَ أَيْدِي المجوس، ثم قال عز وجل: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً) أَيْ يَسْعَوْنَ فِي إِبْطَالِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَسَادِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالنَّارِ هُنَا نَارُ الْغَضَبِ، أَيْ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارَ الْغَضَبِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَتَجَمَّعُوا بِأَبْدَانِهِمْ وَقُوَّةِ النُّفُوسِ مِنْهُمْ بِاحْتِدَامِ نَارِ الْغَضَبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ حَتَّى يَضْعُفُوا وَذَلِكَ بِمَا جَعَلَهُ مِنَ الرُّعْبِ نُصْرَةً بَيْنَ يَدَيْ نَبِيِّهِ ﷺ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (أَنَّ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَكَذَا "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ".

(آمَنُوا) صَدَّقُوا.

(وَاتَّقَوْا) أَيِ الشِّرْكَ والمعاصي.

(لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ) اللام جواب (لَوْ). وكفرنا غَطَّيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَإِقَامَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُمَا وَعَدَمُ تَحْرِيفِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ) راجع ج ١ ص ٤٣٧ وما بعدها. مُسْتَوْفًى.

(وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) أَيِ الْقُرْآنَ. وَقِيلَ: كُتُبُ أَنْبِيَائِهِمْ.

(لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْمَطَرَ وَالنَّبَاتَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَدْبٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لوسعنا عليهم في أرزاقهم ولأكلوا أَكْلًا مُتَوَاصِلًا، وَذِكْرُ فَوْقَ وَتَحْتَ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" راجع ج ١٨ ص ١٥٩.] الطلاق: ٢] "وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً" راجع ج ١٩ ص ١٦.] الجن: ١٦] "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ" راجع ج ٧ ص ٢٥٣.] الأعراف: ٩٦] فَجَعَلَ تَعَالَى التُّقَى مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَوَعَدَ بِالْمَزِيدِ لِمَنْ شَكَرَ فقال: "لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" راجع ج ٩ ص ٣٤٢.] إبراهيم: ٧] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا- وهم الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ كَالنَّجَاشِيِّ وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام اقتصدوا فلم يَقُولُوا فِي عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كذا في ج وك وع. إلا ما يليق بهما. وقد: أَرَادَ بِالِاقْتِصَادِ قَوْمًا لَمْ يُؤْمِنُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْذِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالِاقْتِصَادُ الِاعْتِدَالُ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ مِنَ الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ إِتْيَانُ الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَصَدْتُهُ وَقَصَدْتُ لَهُ وَقَصَدْتُ إِلَيْهِ بِمَعْنًى.

(ساءَ مَا يَعْمَلُونَ) أَيْ بِئْسَ شي عَمِلُوهُ، كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَحَرَّفُوا الْكُتُبَ وَأَكَلُوا السُّحْتَ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ (أَنَّ) فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، وَكَذَا "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ".

(آمَنُوا) صَدَّقُوا.

(وَاتَّقَوْا) أَيِ الشِّرْكَ والمعاصي.

(لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ) اللام جواب (لَوْ). وكفرنا غَطَّيْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَإِقَامَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُمَا وَعَدَمُ تَحْرِيفِهِمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْبَقَرَةِ) راجع ج ١ ص ٤٣٧ وما بعدها. مُسْتَوْفًى.

(وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) أَيِ الْقُرْآنَ. وَقِيلَ: كُتُبُ أَنْبِيَائِهِمْ.

(لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي الْمَطَرَ وَالنَّبَاتَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَدْبٍ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى لوسعنا عليهم في أرزاقهم ولأكلوا أَكْلًا مُتَوَاصِلًا، وَذِكْرُ فَوْقَ وَتَحْتَ لِلْمُبَالَغَةِ فِيمَا يُفْتَحُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" راجع ج ١٨ ص ١٥٩.] الطلاق: ٢] "وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاءً غَدَقاً" راجع ج ١٩ ص ١٦.] الجن: ١٦] "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ" راجع ج ٧ ص ٢٥٣.] الأعراف: ٩٦] فَجَعَلَ تَعَالَى التُّقَى مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَوَعَدَ بِالْمَزِيدِ لِمَنْ شَكَرَ فقال: "لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" راجع ج ٩ ص ٣٤٢.] إبراهيم: ٧] ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا- وهم الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ كَالنَّجَاشِيِّ وَسَلْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام اقتصدوا فلم يَقُولُوا فِي عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كذا في ج وك وع. إلا ما يليق بهما. وقد: أَرَادَ بِالِاقْتِصَادِ قَوْمًا لَمْ يُؤْمِنُوا، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْذِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالِاقْتِصَادُ الِاعْتِدَالُ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ مِنَ الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ إِتْيَانُ الشَّيْءِ، تَقُولُ: قَصَدْتُهُ وَقَصَدْتُ لَهُ وَقَصَدْتُ إِلَيْهِ بِمَعْنًى.

(ساءَ مَا يَعْمَلُونَ) أَيْ بِئْسَ شي عَمِلُوهُ، كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَحَرَّفُوا الْكُتُبَ وَأَكَلُوا السُّحْتَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

قِيلَ: مَعْنَاهُ أَظْهِرِ التَّبْلِيغَ، لِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُخْفِيهِ خَوْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ أُمِرَ بِإِظْهَارِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ وَقَالَ: لَا نَعْبُدُ اللَّهَ سِرًّا، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾راجع ج ٨ ص ٤٢. [الأنفال: ٦٤] فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى رَدِّ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ تَقِيَّةً، وَعَلَى بُطْلَانِهِ، وَهُمْ الرَّافِضَةُ، وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يُسِرْ إِلَى أَحَدٍ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى بَلِّغْ جَمِيعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ظَاهِرًا، وَلَوْلَا هَذَا مَا كَانَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ فَائِدَةٌ. وَقِيلَ: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةِ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [من ع.. وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا، وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَعْنَى بَلِّغْ جَمِيعَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فَإِنْ كَتَمْتَ شَيْئًا مِنْهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَهَذَا تَأْدِيبٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَتَأْدِيبٌ لِحَمَلَةِ الْعِلْمِ مِنْ أُمَّتِهِ أَلَّا يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ شَرِيعَتِهِ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ نَبِيِّهِ أَنَّهُ لَا يَكْتُمُ شَيْئًا مِنْ وَحْيِهِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قالت: من حدثك أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ فَقَدْ كَذَبَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ" وَقَبَّحَ اللَّهُ الرَّوَافِضَ حَيْثُ قَالُوا: إِنَّهُ ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مما أوحى إِلَيْهِ كَانَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَمَنْ ضَمِنَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْعِصْمَةُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ نَازِلًا تَحْتَ شَجَرَةٍ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَاخْتَرَطَ اخترط سيفه: استله. سَيْفَهُ وَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: "اللَّهُ"، فَذُعِرَتْ يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ، ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيُّ. وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي الصَّحِيحِ، وَأَنَّ غورث ابن الْحَارِثِ صَاحِبُ الْقِصَّةِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَفَا عَنْهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏راجع ص ١١١ من هذا الجزء. وج ٥ ص ٣٧٢. [المائدة: ١١] مُسْتَوْفًى، وَفِي "النِّسَاءِ" أَيْضًا فِي ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قال: غزونا مع وسول اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ العضاه: شجر عظيم له شوك، وقيل: أعظم الشجر. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إن رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا والسيف مصلتا صلتا: أي مجردا من غمده. وفي ك: صلت. فِي يَدِهِ فَقَالَ لِي مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي- قَالَ- قُلْتُ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي- قَالَ- قُلْتُ اللَّهُ قَالَ فَشَامَ شام السيف. أي غمده ورده في غمده، يقال: شام السيف إذا سله وإذا أغمده، فهو من الأضداد. والمراد هنا أغمده. السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ "ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَمَّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ ضِقْتُ بِهَا ذَرْعًا وَعَرَفْتُ أَنَّ مِنَ الناس من يكذبني فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ) وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُرْسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجَالًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى نَزَلَ:" وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ "فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:" يَا عَمَّاهُ من ك وع وج. إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَلَا أَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَحْرُسُنِي". قُلْتُ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ بِإِجْمَاعٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ" قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْنَا خَشْخَشَةَ خشخشة سلاح: أي صوت سلاح صدم بعضه بعضا. سِلَاحٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا"؟ قَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا جَاءَ بِكَ"؟ فَقَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ. وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ قَالَتْ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ سَمِعْتُ صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا"؟ فَقَالُوا: سَعْدٌ وَحُذَيْفَةُ جِئْنَا نَحْرُسُكَ، فَنَامَ ﷺ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ الغطيط: هو صوت النائم المرتفع. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنْ قُبَّةِ أَدَمٍ وَقَالَ: "انْصَرِفُوا أَيُّهَا النَّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ". وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: "رِسَالَاتِهُ" عَلَى الْجَمْعِ. وَأَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: "رِسالَتَهُ" عَلَى التَّوْحِيدِ، قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ وَالْجَمْعُ أَبْيَنُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ يُبَيِّنُهُ، وَالْإِفْرَادُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، فَهِيَ كَالْمَصْدَرِ وَالْمَصْدَرُ فِي أَكْثَرِ الْكَلَامِ لَا يُجْمَعُ وَلَا يُثَنَّى لِدَلَالَتِهِ عَلَى نَوْعِهِ بِلَفْظِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾راجع ج ٩ ص ٣٦٧. [إبراهيم: ٣٤].

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) أَيْ لَا يُرْشِدُهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: أَبْلِغْ أَنْتَ فَأَمَّا الْهِدَايَةُ فَإِلَيْنَا. نَظِيرُهُ "مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ" راجع ص ٣٢٧ من هذا الجزء.] المائدة: ٩٩] والله أعلم.

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: أَلَسْتَ تُقِرُّ أَنَّ التَّوْرَاةَ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ:] بَلَى [. فَقَالُوا: فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِهَا وَلَا نُؤْمِنُ بِمَا عَدَاهَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، أَيْ لستم على شي من الدين حتى تعملوا بِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْعَمَلُ بِمَا يُوجِبُهُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُمَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أَيْ يَكْفُرُونَ بِهِ فَيَزْدَادُونَ كُفْرًا عَلَى كُفْرِهِمْ. وَالطُّغْيَانُ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ وَالْغُلُوِّ فِيهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الظُّلْمَ مِنْهُ صَغِيرَةٌ وَمِنْهُ كَبِيرَةٌ، فَمَنْ تَجَاوَزَ مَنْزِلَةَ الصَّغِيرَةِ فَقَدْ طَغَى. وَمِنْهُ قوله تعالى: "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى " راجع ج ٢٠ ص ١٢٢.] العلق: ٦] أَيْ يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ. الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أَيْ لَا تَحْزَنُ عَلَيْهِمْ. أَسىَ يَأْسَى أَسًى إِذَا حَزِنَ. قَالَ:

وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْطِ الْأَسَى

وَهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَلَيْسَ بِنَهْيٍ عَنِ الْحُزْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ تَسْلِيَةٌ وَنَهْيٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحُزْنِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي آخر (آل عمران) راجع ج ٤ ص ٢٨٤ وما بعدها. مستوفى.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Al-Māʾidah 5:64