All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction, at length.

Al-Isrāʾ 17:8 Juzʾ 15 Page 283

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

[Then Allah said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

Read in the muṣḥaf
البحر المحيط Abū Ḥayyān

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

(p-٨)(قَضى) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [القصص: ٢٩] ولَمّا ضُمِّنَ هُنا مَعْنى الإيحاءِ أوِ الإنْفاذِ تَعَدّى بِإلى أيْ: وأوْحَيْنا أوْ أنْفَذْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في القَضاءِ المَحْتُومِ المَبْتُوتِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْناهُ أعْلَمْناهم، وعَنْهُ أيْضًا قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا كَتَبْنا. واللّامُ في ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُ قَسَمٍ، فَإمّا أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفًا، ويَكُونُ مُتَعَلَّقُ القَضاءِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِفَسادِهِمْ في الأرْضِ وعُلُوِّهِمْ، ثُمَّ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ وأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، فَحُذِفَ مُتَعَلَّقُ (قَضَيْنا) وأُبْقِيَ مَنصُوبُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَضَيْنا) أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ، و﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ جَوابُهُ، كَقَوْلِهِمْ قَضاءُ اللَّهِ لَأقُومَنَّ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وابْنُ جُبَيْرٍ في الكُتُبِ عَلى الجَمْعِ، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ فاحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجِنْسَ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ التَّوْراةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ونَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ لَتُفْسَدُنَّ - بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ السِّينِ - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أيْ: يُفْسِدُكم غَيْرُكم. فَقِيلَ: مِنَ الإضْلالِ، وقِيلَ: مِنَ الغَلَبَةِ. وقَرَأ عِيسى لَتَفْسُدُنَّ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ (p-٩)أيْ: فَسَدْتُمْ بِأنْفُسِكم بِارْتِكابِ المَعاصِي مَرَّتَيْنِ، أُولاهُما: قَتْلُ زَكَرِيّاءَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ماتَ صِدِّيقَةُ مَلِكُهم تَنافَسُوا عَلى المُلْكِ، وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا ولا يَسْمَعُونَ مِن زَكَرِيّا. فَقالَ اللَّهُ لَهُ: قُمْ في قَوْمِكَ أُوحِ عَلى لِسانِكَ، فَلَمّا فَرَغَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ، فانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيها، وأدْرَكَهُ الشَّيْطانُ فَأخَذَ هُدْبَةً مِن ثَوْبِهِ فَأراهم إيّاها فَوَضَعُوا المِنشارَ في وسَطِها حَتّى قَطَعُوهُ في وسَطِها. وقِيلَ: سَبَبُ قَتْلِ زَكَرِيّا أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، قِيلَ: قالُوا حِينَ حَمَلَتْ مَرْيَمُ: ضَيَّعَ بِنْتَ سَيِّدِنا حَتّى زَنَتْ، فَقَطَعُوهُ بِالمِنشارِ في الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: أشْعِياءُ قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وإنْ كانَ زَكَرِيّاءُ ماتَ مَوْتًا ولَمْ يُقْتَلْ، وإنَّ الَّذِي دَخَلَ الشَّجَرَةَ وقُطِعَ نِصْفَيْنِ بِالمِنشارِ في وسَطِها هو أشْعِياءُ، وكانَ قَبْلَ زَكَرِيّاءَ وحُبِسَ أرْمِياءُ حِينَ أنْذَرَهم سَخَطَ اللَّهِ والآخِرَةَ - قَبْلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ - وقَصْدَ قَتْلِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أعْلَمَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهم عِصْيانٌ وكُفْرٌ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى في الرُّسُلِ وفي الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ سَيُرْسِلُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً تَغْلِبُهم وتَقْتُلُهم وتُذِلُّهم، ثُمَّ يَرْحَمُهم بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجْعَلُ لَهُمُ الكَرَّةَ ويَرُدُّهم إلى حالِهِمُ الأُولى مِنَ الظُّهُورِ، فَتَقَعُ مِنهُمُ المَعاصِي وكُفْرُ النِّعَمِ والظُّلْمُ والقَتْلُ والكُفْرُ بِاللَّهِ مِن بَعْضِهِمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أُمَّةً أُخْرى تُخَرِّبُ دِيارَهم وتَقْتُلُهم وتُجْلِيهِمْ جَلاءً مُبَرِّحًا، ودَلَّ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى هَذا الأمْرِ كُلِّهِ، قِيلَ: وكانَ بَيْنَ آخِرِ الأُولى والثّانِيَةِ مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ مُلْكًا مُؤَيَّدًا ثابِتًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ سَنَةً. وقالَ الكَلْبِيُّ: لَتَعْصُنَّ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ولَتَعْلُنَّ أيْ: تَطْغَوْنَ وتَعْظُمُونَ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عُلِيًّا كَبِيرًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ والياءِ المُشَدَّدَةِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (عُلُوًّا) والصَّحِيحُ في فُعُولٍ المَصْدَرُ أكْثَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] بِخِلافِ الجَمْعِ، فَإنَّ الإعْلالَ فِيهِ هو المَقِيسُ، وشَذَّ التَّصْحِيحُ نَحْوُ نَهُوَ ونُهُوٌّ، خِلافًا لِلفَرّاءِ إذْ جَعَلَ ذَلِكَ قِياسًا ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: مَوْعِدُ أُولاهُما؛ لِأنَّ الوَعْدَ قَدْ سَبَقَ ذَلِكَ والمَوْعُودُ هو العِقابُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: وعْدُ عِقابِ أُولاهُما. وقِيلَ: الوَعْدُ بِمَعْنى الوَعِيدِ، وقِيلَ: بِمَعْنى المَوْعِدِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الوَقْتُ، والضَّمِيرُ في أُولاهُما عائِدٌ عَلى المَرَّتَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (عِبادًا) وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ”عَبِيدًا“ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَزاهم، وقَتادَةُ: جالُوتُ مِن أهْلِ الجَزِيرَةِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ: غَزاهم سَنْجارِيبُ وجُنُودُهُ مَلِكُ بابِلَ. وقِيلَ: بُخْتُنَصَّرْ، ورُوِيَ أنَّهُ دَخَلَ قَبْلُ في جَيْشٍ مِنَ الفُرْسِ، وهو خامِلٌ يَسِيرُ في مَطْبَخِ المَلِكِ، فاطَّلَعَ مِن جَوْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ما لَمْ يَعْلَمْهُ الفُرْسُ؛ لِأنَّهُ كانَ يُداخِلُهم، فَلَمّا انْصَرَفَ الجَيْشُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ جَيْشٍ، وبَعَثَهُ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهم وجَلّاهم، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَجَدَ المَلِكَ قَدْ ماتَ فَمَلَكَ مَوْضِعَهُ، واسْتَمَرَّتْ حالُهُ حَتّى مَلَكَ الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقِيلَ: هُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، وقِيلَ: كانَ المَبْعُوثُونَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأمَرَهم بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ، والبَعْثُ هُنا الإرْسالُ والتَّسْلِيطُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوهُ، ولَمْ نَمْنَعْهم عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وعَلا - أسْنَدَ بَعْثَ الكَفَرَةِ إلى نَفْسِهِ فَهو كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٢٩] وكَقَوْلِ الدّاعِي: وخالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وأسْنَدَ الجَوْسَ، وهو التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ بِالفَسادِ إلَيْهِمْ، فَتَخْرِيبُ المَسْجِدِ وإحْراقُ التَّوْراةِ مِن جُمْلَةِ الجَوْسِ المُسْنَدِ إلَيْهِمُ. انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ ما فَعَلُوا دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بَعَثْنا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ إلى مَلِكِ تِلْكَ الأُمَّةِ رَسُولًا يَأْمُرُهُ بِغَزْو بَنِي إسْرائِيلَ فَتَكُونُ البَعْثَةُ بِأمْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَبَّرَ بِالبَعْثِ عَمّا ألْقى في نَفْسِ المَلِكِ أيْ: غَزاهُمُ. انْتَهى.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: قِتالٍ وحَرْبٍ شَدِيدٍ لِقُوَّتِهِمْ ونَجْدَتِهِمْ، وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (p-١٠)﴿فَجاسُوا﴾ بِالجِيمِ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ وطَلْحَةُ ”فَحاسُوا“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ. وقُرِئَ (فَتَجَوَّسُوا) عَلى وزْنِ تَكَسَّرُوا بِالجِيمِ. وقَرَأ الحَسَنُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ واحِدًا، ويُجْمَعُ عَلى خَلَلٍ كَجَبَلٍ وجِبالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِلالَ مُفْرَدًا كالخَلَلِ وهو وسَطُ الدِّيارِ وما بَيْنَها، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في هَذِهِ البِعْثَةِ الأُولى خَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ووَقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ والجَلاءُ والأسْرُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ: أنَّهُ حِينَ غُزُوا جاسَ الغازُونَ خِلالَ الدِّيارِ، ولَمْ يَكُنْ قَتْلٌ ولا قِتالٌ في بَنِي إسْرائِيلَ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُمُ الجُيُوشُ. والضَّمِيرُ في (وكانَ) عائِدٌ عَلى وعْدِ أُولاهُما. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانَ وعْدُ العِقابِ وعْدًا لا بُدَّ أنْ يُفْعَلَ. انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجُيُوشِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ، وجَعَلَ ﴿رَدَدْنا﴾ مَوْضِعَ نَرُدُّ، إذْ وقَتَ إخْبارِهِمْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ بَعْدُ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ وعْدُ اللَّهِ في غايَةِ الثِّقَةِ أنَّهُ يَقَعُ عَبَّرَ عَنْ مُسْتَقْبَلِهِ بِالماضِي، والكَرَّةُ: الدَّوْلَةُ والغَلَبَةُ عَلى الَّذِينَ بُعِثُوا عَلَيْهِمْ، حَتّى تابُوا ورَجَعُوا عَنِ الفَسادِ مَلَكُوا بَيْتَ المَقْدِسِ قَبْلَ الكَرَّةِ قَبْلَ بُخْتَنَصَّرْ، واسْتِبْقاءِ بَنِي إسْرائِيلَ أسْراهم وأمْوالَهم ورُجُوعِ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّ مَلِكًا غَزا أهْلَ بابِلَ، وكانَ بُخْتَنَصَّرْ قَدْ قَتَلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ وأبْقى بَقِيَّتَهُ عِنْدَهم بِبابِلَ في الذُّلِّ، فَلَمّا غَزاهم ذَلِكَ المَلِكُ، وغَلَبَ عَلى بابِلَ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ مِنهُ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا. وقِيلَ: الكَرَّةُ: تَقْوِيَةُ طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصْرُ داوُدَ عَلى قَتْلِ جالُوتَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا أكْثَرَ شَرًّا في زَمانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وانْتَصَبَ ﴿نَفِيرًا﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. فَقِيلَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، وأصْلُهُ مِن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ قالَهُ أبُو مُسْلِمٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نَفْرٍ كَكَلْبٍ وكَلِيبٍ وعَبْدٍ وعَبِيدٍ، وهُمُ المُجْتَمِعُونَ لِلْمَصِيرِ إلى الأعْداءِ. وقِيلَ: النَّفِيرُ مَصْدَرٌ أيْ: أكْثَرَ خُرُوجًا إلى الغَزْوِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ وحِمْيَرُ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرًا

ويُرْوى بِالحِمْيَرِيِّينَ أكْرِمْ نَفِيرًا، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِمّا كُنْتُمْ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ، وأكْثَرُ نَفِيرًا مِنَ الأعْداءِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أطَعْتُمُ اللَّهَ كانَ ثَوابُ الطّاعَةِ لِأنْفُسِكم ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِمَعْصِيَتِهِ كانَ عِقابُ الإساءَةِ لِأنْفُسِكم، لا يَتَعَدّى الإحْسانُ والإساءَةُ إلى غَيْرِكم، وجَوابُ وإنْ أسَأْتُمْ قَوْلُهُ: (فَلَها) عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ولَها خَبَرُهُ تَقْدِيرُهُ فالإساءَةُ لَها. قالَ الكَرْمانِيُّ: جاءَ فَلَها بِاللّامِ ازْدِواجًا. انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ قابَلَ قَوْلَهُ لِأنْفُسِكم بِقَوْلِهِ فَلَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللّامُ بِمَعْنى إلى أيْ: فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ. وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ: فَعَلَيْها كَما في قَوْلِهِ:

؎فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: المَرَّةُ الآخِرَةِ في إفْسادِكم وعُلُوِّكم، وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ إذا الأُولى، تَقْدِيرُهُ بَعَثْناهم عَلَيْكم، وإفْسادُهم في ذَلِكَ بِقَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِما السَّلامُ. وسَبَبُ قَتْلِهِ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ مَلِكًا أرادَ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن لا يَجُوزُ لَهُ نِكاحُها، فَنَهاهُ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، وكانَ لِتِلْكَ المَرْأةِ حاجَةٌ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ المَلِكِ تَقْضِيها، فَألْقَتْ أُمُّها إلَيْها أنْ تَسْألَهُ عَنْ ذَبْحِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بِسَبَبِ ما كانَ مَنعُهُ مِن تَزَوُّجِ ابْنَتِها فَسَألَتْهُ ذَلِكَ، فَدافَعَها فَألَحَّتْ عَلَيْهِ فَدَعا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ عَلى الأرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرْ وأُلْقِيَ في نَفْسِهِ أنْ يَقْتُلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ مِنهم حَتّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ عَلَيْهِ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَبْعُوثُ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرْ؛ لِأنَّ قَتْلَ يَحْيى بَعْدَ رَفْعِ عِيسى، وبُخْتَنَصَّرْ كانَ قَبْلَ عِيسى بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. وقِيلَ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمُ الإسْكَنْدَرُ وبَيْنَ الإسْكَنْدَرِ وعِيسى نَحْوُ ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ، ولَكِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالمَرَّةِ الأُخْرى حِينَ قَتَلُوا أشْعِياءَ فَكانَ بُخْتَنَصَّرْ (p-١١)إذْ ذاكَ حَيًّا فَهو الَّذِي قَتَلَهم وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ واتَّبَعَهم إلى مِصْرَ، وأخْرَجَهم مِنها. ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ الَّذِي غَزاهم آخِرًا مَلِكٌ اسْمُهُ خَرْدُوسُ، وتَوَلّى قَتْلَهم عَلى دَمِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ قائِدٌ لَهُ فَسَكَنَ الدَّمُ. وقِيلَ: قَتَلَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ لاحِبُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: كانَ يَحْيى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وجَمالًا فَراوَدَتْهُ امْرَأةُ المَلِكِ عَنْ نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى فَأعْطاها ما سَألَتْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَسُوءُوا) بِلامِ كَيْ وياءِ الغَيْبَةِ وضَمِيرِ الجَمْعِ الغائِبِ العائِدِ عَلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ”لِيَسُوءَ“ بِالياءِ وهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلى الإفْرادِ، والفاعِلُ المُضْمَرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ عَلى الوَعْدِ، أوْ عَلى البَعْثِ الدّالِّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الجَزاءِ المَحْذُوفَةِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ ”لِنَسُوءَ“ بِالنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ، وفِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ ”لِنَسُوءُنَّ“ بِلامِ الأمْرِ والنُّونِ الَّتِي لِلْعَظَمَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ آخِرًا. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا ”لَنَسُوءُنَّ ولَيَسُوءُنَّ“ بِالنُّونِ والياءِ ونُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، وهي لامُ القَسَمِ، ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ في قِراءَةِ أُبَيٍّ عَلى المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] وجَوابُ إذا هو الجُمْلَةُ الأمْرِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ”لِيُسِيءَ“ بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بِغَيْرِ واوٍ. وفي مُصْحَفِ أنَسٍ ”لِيَسُوءَ“ وجْهَكم عَلى الإفْرادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالوُجُوهِ الحَقِيقَةُ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ في القَلْبِ تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَفي الفَرَحِ يَظْهَرُ الإسْفارُ والإشْراقُ، وفي الحُزْنِ يَظْهَرُ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ الجُمْلَةِ بِالوَجْهِ، فَإنَّهم ساءُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، فَحَصَلَتِ الإساءَةُ لِلذَّواتِ كُلِّها أوْ عَنْ ساداتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ بِالوُجُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في الخِطابِ يا وجْهَ العَرَبِ.

واللّامُ في ﴿ولِيَدْخُلُوا﴾ لامُ كَيْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها مِن لامَ كَيْ، ومَن قَرَأ بِلامِ الأمْرِ أوْ بِلامِ القَسَمِ جازَ أنْ يَكُونَ ولِيَدْخُلُوا وما بَعْدَها أمْرًا، وجازَ أنْ تَكُونَ لامُ كَيْ أيْ: وبَعَثْناهم لِيَدْخُلُوا. والمَسْجِدُ مَسْجِدُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ومَعْنى كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ أيْ: بِالسَّيْفِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ والإذْلالِ، وهَذا يُبْعِدُ قَوْلَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ أُولى المَرَّتَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيها قَتْلٌ ولا قِتالٌ ولا نَهْبٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ مَرَّةٍ في سُورَةِ التَّوْبَةِ.

﴿ولِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكُوا. وقالَ قُطْرُبٌ: يَهْدِمُوا. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ

والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَفْعُولَةٌ بِـ يُتَبِّرُوا أيْ: يُهْلِكُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما ظَرْفِيَّةٌ أيْ: مُدَّةَ اسْتِيلائِهِمْ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم بَعْدَ المَرَّةِ الثّانِيَةِ إنْ تُبْتُمْ وانْزَجَرْتُمْ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ التَّرْجِئَةُ لَيْسَتْ لِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي مِن بابِ تَرَحُّمِ المُطِيعِ مِنهم، وكانَ مِنَ الطّاعَةِ أنْ يَتَّبِعُوا عِيسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمْ يَفْعَلُوا.

‏‏ ‏‏‏‏ إلى المَعْصِيَةِ مَرَّةً ثالِثَةً عُدْنا إلى العُقُوبَةِ، وقَدْ عادُوا فَأعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِتَسْلِيطِ الأكاسِرَةِ وضَرْبِ الإتاوَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ الحَسَنِ عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ: ثُمَّ كانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا الحَيَّ مِنَ العَرَبِ فَهم مِنهُ في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. انْتَهى. ومَعْنى (عُدْنا) أيْ: في الدُّنْيا إلى العُقُوبَةِ. وقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، وهو جَعْلُ جَهَنَّمَ لَهم (حَصِيرًا) والحَصِيرُ السِّجْنُ. قالَ لَبِيدٌ:

؎ومَقامُهُ غَلَبَ الرِّجالَ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ

وقالَ الحَسَنُ: يَعْنِي فِراشًا، وعَنْهُ أيْضًا هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها حاصِرَةٌ لَهم مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَحَصِيرٌ مَعْناهُ ذاتُ حَصْرٍ إذْ لَوْ كانَ لِلْمُبالَغَةِ لَزِمَتْهُ التّاءُ لِجَرَيانِهِ عَلى مُؤَنَّثٍ، كَما تَقُولُ: رَحِيمَةٌ وعَلِيمَةٌ، ولَكِنَّهُ عَلى مَعْنى النَّسَبِ كَقَوْلِهِ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ أيْ: ذاتُ انْفِطارٍ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, this Qur'an guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

(p-١٢)‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

(p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ‏‏‏‏ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ.

وقِيلَ: المَعْنى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها.

وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما.

ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.

﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ.

؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا

وقالَ الآخَرُ:

؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ:

؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها

‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ٨] ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

البحر المحيطAbū Ḥayyān

(p-١٢)‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

(p-١٣)لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَنِ اخْتَصَّهُ بِالإسْراءِ وهو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن آتاهُ التَّوْراةَ وهو مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّها هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَ ما قَضى عَلَيْهِمْ فِيها مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، كانَ ذَلِكَ رادِعًا مَن عَقَلَ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ فَذَكَرَ ما شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مِنَ القُرْآنِ النّاسِخِ لِحُكْمِ التَّوْراةِ، وكُلِّ كِتابٍ إلَهِيٍّ، وأنَّهُ يَهْدِي لِلطَّرِيقَةِ أوِ الحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ. وقالَ الضَّحّاكُ والكَلْبِيُّ والفَرّاءُ (الَّتِي هي أقْوَمُ) هي شَهادَةُ التَّوْحِيدِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلْأوامِرِ والنَّواهِي و(أقْوَمُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ إذْ قُدِّرَ أقْوَمُ الحالاتِ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أقْوَمُ مِمّا عَداها أوْ مِن كُلِّ حالٍ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن حَيْثُ المَعْنى أنَّ ﴿أقْوَمُ﴾ هُنا لا يُرادُ بِها التَّفْضِيلُ؛ إذْ لا مُشارَكَةَ بَيْنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُرْشِدُ إلَيْها القُرْآنُ وطَرِيقَةٍ غَيْرِها، وفُضِّلَتْ هَذِهِ عَلَيْها، وإنَّما المَعْنى: الَّتِي هي قَيِّمَةٌ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ كَما قالَ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] و﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةُ الطَّرِيقَةِ، قائِمَةٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الَّتِي هي أقْوَمُ) لِلْحالَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ وأشَدُّها أوْ لِلْمِلَّةِ أوْ لِلطَّرِيقَةِ، وأيْنَما قَدَّرْتَ لَمْ تَجِدْ مَعَ الإثْباتِ ذَوْقَ البَلاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الحَذْفِ لِما في إبْهامِ المَوْصُوفِ لِحَذْفِهِ مِن فَخامَةٍ تُفْقَدُ مَعَ إيضاحِهِ. انْتَهى.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قَيْدٌ في الإيمانِ الكامِلِ إذِ العَمَلُ هو كَمالُ الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى الحالَةِ الكامِلَةِ؛ لِيَتَحَلّى بِها المُؤْمِنُ، والمُؤْمِنُ المُفَرِّطُ في عَمَلِهِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، والأجْرُ الكَبِيرُ الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ ذَكَرَ المُؤْمِنِينَ الأبْرارَ والكُفّارَ ولَمْ يَذْكُرِ الفَسَقَةَ ؟ قُلْتُ: كانَ النّاسُ حِينَئِذٍ إمّا مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وإمّا مُشْرِكٌ، وإنَّما حَدَثَ أصْحابُ المَنزِلَةِ بَيْنَ المَنزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا مُكابَرَةٌ بَلْ وقَعَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ هَناتٌ وسَقَطاتٌ، بَعْضُها مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وبَعْضُها مَذْكُورٌ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بُشِّرُوا بِفَوْزِهِمْ بِالجَنَّةِ، وبِكَيْنُونَةِ العَذابِ الألِيمِ لِأعْدائِهِمُ الكُفّارِ، إذْ في عِلْمِ المُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتَبْشِيرِهِمْ بِهِ مَسَرَّةٌ لَهم، فَهُما بِشارَتانِ، وفِيهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ويُخْبَرَ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ. انْتَهى. فَلا يَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا تَحْتَ البِشارَةِ. وفي قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن آمَنَ بِالآخِرَةِ لا يُعَدُّ لَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَمَلُ الصّالِحاتِ شَرْطًا في نَجاتِهِ مِنَ العَذابِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُبَشِّرُ) مُشَدَّدًا مُضارِعُ بَشَّرَ المُشَدَّدِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ (ويَبْشُرُ) مُضارِعُ بَشَرَ المُخَفَّفِ ومَعْنى (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا وهَيَّأْنا، وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَقِبَ ذِكْرِ أحْوالِ اليَهُودِ، وانْدَرَجُوا فِيمَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَقُولُ بِالثَّوابِ والعِقابِ الجُسْمانِيِّ، وبَعْضُهم قالَ: (لَنْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٨٠]) فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِالآخِرَةِ حَقِيقَةَ الإيمانِ بِها.

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ النّاسُ مِنَ الدُّعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ في أوْقاتِ الغَضَبِ والضَّجَرِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّ بَعْضَ مَن لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ كانَ يَدْعُو عَلى نَفْسِهِ بِتَعْجِيلِ ما وُعِدَ بِهِ مِنَ الشَّرِّ في الآخِرَةِ، كَقَوْلِ النَّضْرِ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكُتِبَ ﴿ويَدْعُ﴾ بِغَيْرِ واوٍ عَلى حَسَبِ السَّمْعِ، والإنْسانُ هُنا لَيْسَ واحِدًا مُعَيَّنًا، والمَعْنى: أنَّ في طِباعِ الإنْسانِ أنَّهُ إذا ضَجِرَ وغَضِبَ دَعا عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِالشَّرِّ أنْ يُصِيبَهُ، كَما يَدْعُو بِالخَيْرِ أنْ يُصِيبَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن عَدَمِ تَثَبُّتِهِ وقِلَّةِ صَبْرِهِ. وعَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: أشارَ بِهِ إلى آدَمَ لَمّا نُفِخَ الرُّوحُ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُّوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقِهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا فَلَمْ يَقْدِرْ، أوِ المَعْنى ذُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ تَنْبُو عَنْهُ ألْفاظُ (p-١٤)الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ذَمٌّ لِقُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ. وكانَ الأوْلى أنْ يَقُولُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُعاتَبَةٌ لِلنّاسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوْا وألَحُّوا في الدُّعاءِ واسْتَعْجَلُوا الفَرَجَ، مِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوهُ في حالَةِ الخَيْرِ. انْتَهى. والباءُ في (بِالشَّرِّ) و(بِالخَيْرِ) عَلى هَذا بِمَعْنى في، والمَدْعُوُّ بِهِ لَيْسَ الشَّرَّ ولا الخَيْرَ، ويُرادُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ حالَتاهُ في الشَّرِّ والخَيْرِ مُتَساوِيَتَيْنِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ والرَّغْبَةِ والذِّكْرِ، ويَنْبُوا عَنْ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿دُعاءَهُ﴾ إذْ هو مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ يَقْتَضِي وُجُودَهُ، وفي هَذا القَوْلِ شَبَّهَ ﴿دُعاءَهُ﴾ في حالَةِ الشَّرِّ بِدُعاءٍ مَقْصُودٍ كانَ يَنْبَغِي أنْ يُوجَدَ في حالَةِ الخَيْرِ.

وقِيلَ: المَعْنى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في طَلَبِ المُحَرَّمِ، كَما يَدْعُو في طَلَبِ المُباحِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَمّا ذَكَرَ تَعالى القُرْآنَ وأنَّهُ هادٍ إلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَقِيمَةِ، ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ مِمّا لَمْ يَكْمُلِ الِانْتِفاعُ إلّا بِهِ، وما دَلَّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن عَجائِبِ العالَمِ العُلْوِيِّ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ عَجَلَةَ الإنْسانِ وانْتِقالَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ ذَكَرَ أنَّ كُلَّ هَذا العالَمِ كَذَلِكَ في الِانْتِقالِ لا يَثْبُتُ عَلى حالٍ، فَنُورٌ عَقِبَ ظُلْمَةٍ وبِالعَكْسِ، وازْدِيادُ نُورٍ وانْتِقاضٌ. والظّاهِرُ أنَّ (اللَّيْلَ والنَّهارَ) مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِجَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، و﴿آيَتَيْنِ﴾ ثانِي المَفْعُولَيْنِ، ويَكُونانِ في أنْفُسِهِما آيَتَيْنِ؛ لِأنَّهُما عَلامَتانِ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ، وتَكُونُ الإضافَةُ في آيَةِ اللَّيْلِ وآيَةِ النَّهارِ لِلتَّبْيِينِ كَإضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ فَمَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وجَعَلْنا الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ مُبْصِرَةً. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم، وجَعَلْنا نَيِّرَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم وجَعَلْنا ذَوَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ أيْ: صاحِبَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ، ويَظْهَرُ أنَّ ﴿آيَتَيْنِ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و(اللَّيْلَ والنَّهارَ) ظَرْفانِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: وجَعَلْنا في اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: لَيْسَ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي حالَةً تَقَدَّمَتْ نُقِلَ الشَّيْءُ عَنْها إلى حالَةٍ أُخْرى، ولا بِمَعْنى سَمّى وحَكَمَ، والآيَةُ فِيها إقْبالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وإدْبارُهُ مِن حَيْثُ لا يُعْلَمُ، ونُقْصانُ أحَدِهِما بِزِيادَةِ الآخَرِ، وضَوْءُ النَّهارِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ إذا قُلْنا أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ هُما المَجْعُولانِ آيَتَيْنِ فَمَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ عِبارَةٌ عَنِ السَّوادِ الَّذِي فِيهِ، بَلْ خُلِقَ أسْوَدَ أوَّلَ حالِهِ، ولا تَقْتَضِي الفاءُ تَعْقِيبًا، وهَذا كَما يَقُولُ: بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأْتُ بِالأُسِّ. وإذا قُلْنا: إنَّ الآيَتَيْنِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَقِيلَ: مَحْوُ القَمَرِ كَوْنُهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ نُورًا. وقِيلَ: مَحْوُهُ طُلُوعُهُ صَغِيرًا ثُمَّ يَنْمُو ثُمَّ يَنْقُصُ حَتّى يُسْتَرَ. وقِيلَ: مَحْوُهُ نَقْصُهُ عَمّا كانَ خُلِقَ عَلَيْهِ مِنَ الإضاءَةِ، وأنَّهُ جَعَلَ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا ونُورَ القَمَرِ كَذَلِكَ، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ حَتّى صارَ عَلى جُزْءٍ واحِدٍ، وجَعَلَ ما مُحِيَ مِنهُ زائِدًا في نُورِ الشَّمْسِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ عِيسى: جَعَلْناها لا تُبْصَرُ المَرْئِيّاتُ فِيها كَما لا يُبْصَرُ ما مُحِيَ مِنَ الكِتابِ. قالَ: وهَذا مِنَ البَلاغَةِ الحَسَنَةِ جِدًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ مَمْحُوَّ الضَّوْءِ مَطْمُوسَهُ، مُظْلِمًا لا يُسْتَبانُ مِنهُ شَيْءٌ كَما لا يُسْتَبانُ ما في اللَّوْحِ المَمْحُوِّ، وجَعَلْنا النَّهارَ مُبْصِرًا أيْ: يُبْصَرُ فِيهِ الأشْياءُ وتُسْتَبانُ، أوْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ الَّتِي هي القَمَرُ حَيْثُ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ فَتُرى بِهِ الأشْياءُ رُؤْيَةً بَيِّنَةً، وجَعَلْنا الشَّمْسَ ذاتَ شُعاعٍ يُبْصَرُ في ضَوْئِها كُلُّ شَيْءٍ. انْتَهى. ونُسِبَ الإبْصارُ إلى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمٌ ونائِمٌ، أيْ: يُقامُ فِيهِ ويُنامُ فِيهِ. فالمَعْنى: يُبْصَرُ فِيها.

وقِيلَ: مَعْنى (مُبْصِرَةً) مُضِيئَةٌ. وقِيلَ: هو مِن بابِ أفْعَلَ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُ مَن أُسْنِدَ أفْعَلُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: أجْبَنَ الرَّجُلُ إذا كانَ أهْلُهُ جُبَناءَ، وأضْعَفَ إذا كانَ دَوابُّهُ ضِعافًا فَأبْصَرَتِ الآيَةُ إذا كانَ أصْحابُها بُصَراءَ. وقَرَأ قَتادَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ، وكَثُرَ مِثْلُ ذَلِكَ في صِفاتِ الأمْكِنَةِ (p-١٥)كَقَوْلِهِمْ: أرْضٌ مَسْبَعَةٌ ومَكانٌ مَضَبَّةٌ، وعَلَّلَ المَحْوَ والإبْصارَ بِابْتِغاءِ الفَضْلِ وعِلْمِ عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ووَلِيَ التَّعْلِيلَ بِالِابْتِغاءِ ما ولِيَهُ مِن آيَةِ النَّهارِ، وتَأخَّرَ التَّعْلِيلُ بِالعِلْمِ عَنْ آيَةِ اللَّيْلِ. وجاءَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [القصص: ٧٣] البُداءَةُ بِتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، ثُمَّ تَعْلِيلِ المُتَأخِّرِ بِالعِلَّةِ المُتَأخِّرَةِ، وهُما طَرِيقانِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما.

ومَعْنى (لِتَبْتَغُوا) لِتَتَوَصَّلُوا إلى اسْتِبانَةِ أعْمالِكم وتَصَرُّفِكم في مَعايِشِكم (والحِسابَ) لِلشُّهُورِ والأيّامِ والسّاعاتِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَّرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ آيَةِ اللَّيْلِ لا مِن جِهَةِ آيَةِ النَّهارِ (وكُلَّ شَيْءٍ) مِمّا تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في دِينِكم ودُنْياكم (فَصَّلْناهُ) بَيَّنّاهُ تَبْيِينًا غَيْرَ مُلْتَبِسٍ، والظّاهِرُ أنَّ نَصْبَ (وكُلَّ شَيْءٍ) عَلى الِاشْتِغالِ، وكانَ ذَلِكَ أرْجَحَ مِنَ الرَّفْعِ لِسَبْقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ (وكُلَّ شَيْءٍ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (والحِسابَ) والطّائِرَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهُ وعَلَيْهِ، وخاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ إذْ كانَ مِن عادَتِها التَّيَمُّنُ والتَّشاؤُمُ بِالطَّيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِّباءِ وحَيَوانِ الفَلاةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَطَيُّرًا. وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِّيَرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في أوْجَزِ لَفْظٍ، وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَقَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ ومَكْسَبُهُ في عُنُقِهِ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ إذْ هُما مُتَلازِمانِ بِالطّائِرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَّطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في الأُمُورِ عَلى الطّائِرِ المَيْمُونِ وبِأسْعَدِ طائِرٍ، ومِنهُ ما طارَ في المُحاصَّةِ والسَّهْمِ، ومِنهُ فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (طائِرَهُ) عَمَلَهُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: كِتابَهُ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ، وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ البَخْتَ. وعَنِ الحَسَنِ: يا ابْنَ آدَمَ بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ إذا بُعِثْتَ قُلِّدْتَها في عُنُقِكَ، وخُصَّ العُنُقُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الزِّينَةِ والشَّيْنِ، فَإنْ كانَ خَيْرًا زانَهُ كَما يُزَيِّنُ الطَّوْقُ والحُلِيُّ، وإنْ كانَ شَرًّا شانَهُ كالغُلِّ في الرَّقَبَةِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ ”طَيْرَهُ“ . وقُرِئَ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ بِسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ، ومِنهُمُ ابْنُ جَعْفَرٍ: ﴿ونُخْرِجُ﴾ بِنُونٍ، مُضارِعُ أخْرَجَ. (كِتابًا) بِالنَّصْبِ. وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا ويُخْرَجُ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (كِتابًا) أيْ: ويُخْرَجُ الطّائِرُ كِتابًا. وعَنْهُ أيْضًا ”كِتابٌ“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: ”ويَخْرُجُ“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ أيْ: طائِرُهُ كِتابًا إلّا الحَسَنَ فَقَرَأ: ”كِتابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلُ يَخْرُجُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: ويُخْرِجُ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الرّاءِ أيْ: ويُخْرِجُ اللَّهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يَلْقاهُ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ﴿يُلَقّاهُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.

﴿مَنشُورًا﴾ غَيْرَ مَطْوِيٍّ لِيُمْكِنَهُ قِراءَتَهُ، و(يَلْقاهُ) و﴿مَنشُورًا﴾ صِفَتانِ لِكِتابٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَنشُورًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ يَلْقاهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: يُقالُ لَهُ: (اقْرَأْ كِتابَكَ) . وقالَ قَتادَةُ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ: و(بِنَفْسِكَ) فاعِلُ (كَفى) . انْتَهى. وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. والباءُ زائِدَةٌ عَلى سَبِيلِ الجَوازِ لا اللُّزُومِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِكَفى. قالَ الشّاعِرُ.

؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا

وقالَ الآخَرُ:

؎ويُخْبِرُنِي عَنْ غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

وقِيلَ: فاعِلُ (كَفى) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الِاكْتِفاءِ، أيْ: كَفى هو أيِ: الِاكْتِفاءُ بِنَفْسِكَ. وقِيلَ: (كَفى) اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْتَفِ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ يَعُودُ عَلى المُخاطَبِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. وإذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ (بِنَفْسِكَ) هو فاعِلُ (كَفى) فَكانَ القِياسُ أنْ تَدْخُلَ تاءُ التَّأْنِيثِ لِتَأْنِيثِ الفاعِلِ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ كَفَتْ بِنَفْسِكَ كَما تُلْحَقُ مَعَ زِيادَةِ مِن في الفاعِلِ إذا كانَ مُؤَنَّثًا، كَقَوْلِهِ (p-١٦)تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٦] وقَوْلِهِ: (وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ) ولا نَحْفَظُهُ، جاءَ التَّأْنِيثُ في كَفى إذا كانَ الفاعِلُ مُؤَنَّثًا مَجْرُورًا بِالباءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ (بِنَفْسِكَ) ذاتُكَ أيْ كَفى بِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِنَفْسِهِ جَوارِحَهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ إذا أنْكَرَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْ: ما أشَدَّ كِفايَةَ ما عَلِمْتَ بِما عَمِلْتَ. و(اليَوْمَ) مَنصُوبٌ بِكَفى و(عَلَيْكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ حَسِيبًا. ومَعْنى (حَسِيبًا) حاكِمًا عَلَيْكَ بِعَمَلِكَ. قالَهُ الحَسَنُ. قالَ: يا ابْنَ آدَمَ لَقَدْ أنْصَفَكَ اللَّهُ وجَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُحاسِبًا يَعْنِي فَعِيلًا بِمَعْنى مُفاعِلٍ كَجَلِيسٍ وخَلِيطٍ. وقِيلَ: حاسِبًا كَضَرِيبِ القِداحِ أيْ: ضارِبِها، وصَرِيمٍ بِمَعْنى صارِمٍ يَعْنِي: أنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ كَرَحِيمٍ وحَفِيظٍ، وذَكَرَ (حَسِيبًا) لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الشَّهِيدِ والقاضِي والأمِيرِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ يَتَوَلّاها الرَّجُلُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: كَفى بِنَفْسِكَ رَجُلًا حَسِيبًا. وقالَ الأنْبارِيُّ: وإنَّما قالَ (حَسِيبًا) والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ الشَّخْصَ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ بِالسَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] . وقالَ الشّاعِرُ:

؎ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَها

‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ. قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، وفي الضَّلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ هَذا، قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ وإثْمُكم عَلَيَّ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنعام: ١٦٤] في آخِرِ الأنْعامِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ غَيّا انْتِفاءَ التَّعْذِيبِ بِبِعْثَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى: حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا فَيُكَذَّبُ ولا يُؤْمَنُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وانْتِفاءُ التَّعْذِيبِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ في الدُّنْيا بِالهَلاكِ وغَيْرِهِ مِنَ العَذابِ أوْ في الآخِرَةِ بِالنّارِ فَهو يَشْمَلُهُما، ويَدُلُّ عَلى الشُّمُولِ قَوْلُهُ في الهَلاكِ في الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٦] وفي الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ١٦] وآيٌ كَثِيرَةٌ نُصَّ فِيها عَلى الهَلاكِ في الدُّنْيا بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ حِينَ كَذَّبَتِ الرُّسُلَ. وقَوْلُهُ في عَذابِ الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ٨] ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الملك: ٩] وكُلَّما تَدُلُّ عَلى عُمُومِ أزْمانِ الإلْقاءِ فَتَعُمُّ المُلْقَيْنَ. وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فاطر: ٢٤] وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا في حُكْمِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّ اللَّهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الحُجَّةُ لازِمَةٌ لَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ؛ لِأنَّ مَعَهم أدِلَّةَ العَقْلِ الَّتِي بِها يُعْرَفُ اللَّهُ، وقَدْ أغْفَلُوا النَّظَرَ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ، واسْتِيجابُهُمُ العَذابَ لِإغْفالِهِمُ النَّظَرَ فِيما مَعَهم، رُكُونُهم لِذَلِكَ الإغْفالِ الشَّرائِعَ الَّتِي لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِالتَّوْقِيفِ، والعَمَلُ بِها لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ الإيمانِ. قُلْتُ: بَعْثَةُ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُمْلَةِ التَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ والإيقاظِ مِن رَقْدَةِ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَقُولُوا كُنّا غافِلِينَ، فَلَوْلا بَعَثْتَ إلَيْنا رَسُولًا يُنَبِّهُنا عَلى النَّظَرِ في أدِلَّةِ العَقْلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْنى: وما كُنّا مُسْتَأْصِلِينَ في الدُّنْيا لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ، حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِلْعُذْرِ عَنْهم، كَما فَعَلْنا بِعادٍ وثَمُودَ والمُؤْتَفِكاتِ وغَيْرِها.

You read 17:8–10 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Isrāʾ 17:8