All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Ghāfir 40:85 Juzʾ 24 Page 476

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

But never did their faith benefit them once they saw Our punishment. [It is] the established way of Allah which has preceded among His servants. And the disbelievers thereupon lost [all].

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

(p-٤٧٧)أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ تَأْنِيسًا لَهُ، وإلّا فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ الصَّبْرِ، وأخْبَرَ بِأنَّ ما وعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ حَقٌّ.

قِيلَ: وجَوابُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: فَيُقِرُّ عَيْنَكَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ جَوابًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ؛ لِأنَّ تَرْكِيبَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَعْضَ المَوْعُودِ في حَياتِكَ، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وهو يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابَ، ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، فَنَنْتَقِمُ مِنهم ونُعَذِّبُهم لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوكَ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤١] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الزخرف: ٤٢]، إلّا أنَّهُ هُنا صَرَّحَ بِجَوابِ الشَّرْطَيْنِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجَزاءُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم مِنَ العَذابِ، وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ فَذاكَ، أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَنَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ نَحْوُ هَذا البَحْثِ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٤٦]، ورَدَدْنا عَلَيْهِ، فَيُطالَعُ هُناكَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أصْلُهُ فَإنْ نُرِكَ، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بِالفِعْلِ.

ألا تَراكَ لا تَقُولُ: إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ، ولَكِنْ أما تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ ؟ انْتَهى.

وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن تَلازُمِ ما المَزِيدَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ.

وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّكَ إنْ شِئْتَ أتَيْتَ بِما دُونَ النُّونِ، وإنْ شِئْتَ أتَيْتَ بِالنُّونِ دُونَ ما.

قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ؛ كَما أنَّكَ إذا جِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِما يَعْنِي لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ مَعَ مَجِيئِكَ بِما، ولَمْ تَجِئْ بِما مَعَ مَجِيئِكَ بِالنُّونِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الياءِ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ.

ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى العَرَبِ في إنْكارِهِمْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ، وفي عَدَدِ الرُّسُلِ اخْتِلافٌ.

رُوِيَ أنَّهُ ثَمانِيَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأرْبَعَةُ آلافٍ مِن غَيْرِهِمْ.

ورُوِيَ: بَعَثَ اللَّهُ أرْبَعَةَ آلافِ نَبِيٍّ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مَن أخْبَرْناكَ بِهِ، أمّا في القُرْآنِ فَثَمانِيَةَ عَشَرَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وعَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ (p-٤٧٨)اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا أسْوَدَ في الحَبَشِ، فَهو مِمَّنْ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ راجِعًا إلَيْهِمْ، لَمّا اقْتَرَحُوا عَلى الرُّسُلِ، قالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ لا تَأْتِي آيَةٌ إلّا إنْ شاءَ اللَّهُ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏: رَدٌّ ووَعِيدٌ بِإثْرِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ، و(أمْرُ اللَّهِ) القِيامَةُ.

و﴿المُبْطِلُونَ﴾ المُعانِدُونَ مُقْتَرِحُو الآياتِ، وقَدْ أتَتْهُمُ الآياتُ، فَأنْكَرُوها وسَمُّوها سِحْرًا، أوْ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أيْ: أرادَ إرْسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نَبِيٍّ، قَضى ذَلِكَ وأنْفَذَهُ ﴿بِالحَقِّ﴾، وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ، وحَصَلَ عَلى فَسادِ آخِرَتِهِ، أوْ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏: وهو القَتْلُ بِبَدْرٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آياتِ اعْتِبارٍ وتَعْدادِ نِعَمٍ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وهي ثَمانِيَةُ الأزْواجِ، ويَضْعُفُ قَوْلُ مَن أدْرَجَ فِيها الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ البَهائِمِ، وقَوْلُ مَن خَصَّها بِالإبِلِ وهو الزَّجّاجُ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏: وهي الإبِلُ، إذْ لَمْ يُعْهَدْ رُكُوبُ غَيْرِها.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏: عامٌّ في ثَمانِيَةِ الأزْواجِ، و(مِنَ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِنَ) الثّانِيَةُ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الجَمَلَ مِنها يُؤْكَلُ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ ولِابْتِداءِ الغايَةِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ مِنها هو أعْظَمُ مَنفَعَةً، إذْ فِيهِ مَنفَعَةُ الأكْلِ والرُّكُوبِ.

وذَكَرَ أيْضًا أنَّ في الجَمِيعِ مَنافِعَ مِن شُرْبِ لَبَنٍ واتِّخاذِ دِثارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، أكَّدَ مَنفَعَةَ الرُّكُوبِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مِن بُلُوغِ الأسْفارِ الطَّوِيلَةِ، وحَمْلِ الأثْقالِ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وقَضاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، والغَزْوِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.

ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ وبُلُوغُ الحاجَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الِانْتِقالِ لِأمْرٍ واجِبٍ، أوْ مَندُوبٍ كالحَجِّ وطَلَبِ العِلْمِ، دَخَلَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ عَلى الرُّكُوبِ وعَلى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مِن بُلُوغِ الحاجاتِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ عِلَّةً لِجَعْلِ الأنْعامِ لَنا.

ولَمّا كانَ الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ مِن جِنْسِ المُباحاتِ، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عِلَّةً في الجَعْلِ، بَلْ ذَكَرَ أنَّ مِنها نَأْكُلُ، ولَنا فِيها مَنافِعُ مِن شُرْبِ لَبَنٍ واتِّخاذِ دِثارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَما أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ في ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] ولَمْ يُدْخِلْها عَلى الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٨] .

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ مِن مِنَّةِ الرُّكُوبِ لِلْإبِلِ في البَرِّ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن نِعْمَةِ الرُّكُوبِ في البَحْرِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

ولَمّا كانَ الفُلْكُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: حَمَلَ في الفُلْكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠]، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ حَمَلَ عَلى الفُلْكِ، اعْتُبِرَ لَفْظُ عَلى لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلَيْها﴾، وإنْ كانَ مَعْنى في صَحِيحًا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُجَجَهُ وأدِلَّتَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: إنَّها كَثِيرَةٌ، فَأيُّها يُنْكَرُ ؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِنها في العُقُولِ، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ مَنصُوبٌ بِـ ﴿تُنْكِرُونَ﴾ .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكَ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ غَرِيبٌ، وهي في (أيَّ) أغْرَبُ لِإبْهامِهِ. انْتَهى، ومِن قِلَّةِ تَأْنِيثِ أيٍّ قَوْلُهُ:

؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ

وقَوْلُهُ: وهي في أيٍّ أغْرَبُ، إنْ عَنى أيًّا عَلى الإطْلاقِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ في النِّداءِ أنْ يُؤَنَّثَ نِداءُ المُؤَنَّثِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، ولا يُعْلَمُ مَن يُذَكِّرُها فِيهِ فَيَقُولُ: يا أيُّها المَرْأةُ، إلّا صاحِبُ كِتابِ (البَدِيعِ في النَّحْوِ) . وإنْ عَنى غَيْرَ المُناداةِ، فَكَلامُهُ صَحِيحٌ، فَقَلَّ تَأْنِيثُها في الِاسْتِفْهامِ، ومَوْصُولَةً، وما في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ نافِيَةٌ شَرْطِيَّةٌ واسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى النَّفْيِ، وما (فِيما كانُوا) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿جاءَتْهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . وجاءَ قَوْلُهُ: (مِنَ العِلْمِ) عَلى جِهَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، أيْ: في الحَقِيقَةِ لا عِلْمَ لَهم، وإنَّما لَهم خَيالاتٌ واسْتِبْعاداتٌ لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وكانُوا يَدْفَعُونَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الكهف: ٣٦]، أوِ اعْتَقَدُوا أنَّ عِنْدَهم (p-٤٧٩)عِلْمًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ عِلْمِ الأنْبِياءِ، كَما تَزْعُمُ الفَلاسِفَةُ. والدَّهْرِيُّونَ كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ، دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عِلْمِهِمْ.

ولَمّا سَمِعَ سُقْراطُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِمُوسى، صَلَواتُ اللَّهِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ إلَيْهِ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ، فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يُهَذِّبُنا.

وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَكُونُ الضَّمائِرُ مُتَناسِقَةً عائِدَةً عَلى مَدْلُولٍ واحِدٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿فَرِحُوا﴾، وفي ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، أيْ: فَرِحَتِ الرُّسُلُ بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ، وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، لَمّا رَأوْا جَهْلَ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ، وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿فَرِحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ، وفي ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ أيْ: فَرِحَ الكُفّارُ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ واسْتِهْزاءٍ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنها، أيْ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي في الآيَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏، مُبالَغَةٌ في نَفْيِ فَرَحِهِمْ بِالوَحْيِ المُوجِبِ لِأقْصى الفَرَحِ والسُّرُورِ في تَهَكُّمٍ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وخُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ. انْتَهى.

ويُعَبَّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنِها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ، عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَمّا آلَ أمْرُهُ إلى الإيتاءِ المَحْصُورِ جازَ.

وأمّا في الآيَةِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ، فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏: عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الروم: ٧] ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ، فَلَمّا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظَّلَفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. انْتَهى.

وهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ، لَكِنْ فِيهِ إكْثارٌ وشَقْشَقَةٌ.

‏‏‏‏‏‏ أيْ: عَذابَنا الشَّدِيدَ، حَكى حالَ مَن آمَنَ بَعْدَ تَلْبِيسِ العَذابِ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُ نافِعًا، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، وتَخْوِيفٌ مِنَ التَّأنِّي. فَأمّا قَوْمُ يُونُسَ، فَإنَّهم رَأوُا العَذابَ لَمْ يَلْتَبِسْ بِهِمْ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهم. و‏‏‏‏‏‏ مَرْفُوعٌ بِـ (يَكُ) اسْمًا لَها، أوْ فاعِلُ ‏‏‏‏‏‏ .

وفِي (يَكُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في: كانَ يَقُومُ زَيْدٌ، ودَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الكَوْنِ لا عَلى النَّفْيِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى نَفْيِ الصِّحَّةِ، أيْ لَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [مريم: ٣٥] . وتَرادُفُ هَذِهِ الفاءاتِ، أمّا في ‏‏‏ ‏‏‏، فَلِأنَّهُ كانَ نَتِيجَةَ قَوْلِهِ: (كانُوا أكْثَرَ مِنهم ولَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم)، جارٍ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ . و‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، كَأنَّهُ قالَ: فَكَفَرُوا بِهِ فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا ولَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ، وانْتَصَبَ ‏‏‏ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: أنَّ ما فُعِلَ بِهِمْ هي ‏‏‏ اللَّهِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ وسَبَقَتْ في عِبادِهِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ والإعْزازِ بِهِمْ، وتَعْذِيبِ مَن كَذَّبَهم، واسْتِهانَتِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالإيمانِ حالَةَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ.

وهُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ، أيْ: وخَسِرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ الكافِرُونَ.

وقِيلَ: ‏‏‏ مَنصُوبٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ يا أهْلَ مَكَّةَ في إعْدادِ الرُّسُلِ.

The same ayah, in another commentary

Ghāfir 40:85