All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Al-Qiyāmah 75:37 Juzʾ 29 Page 578

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

Had he not been a sperm from semen emitted?

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ كَرْبِ الدُّنْيا في آخِرِ يَوْمٍ مِنها، وشَدَّةِ كَرْبِ الآخِرَةِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها؛ لِأنَّهُ بَيْنَ الحالَيْنِ قَدِ اخْتَلَطا بِهِ، كَما يَقُولُ: شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ، اسْتِعارَةً لِشِدَّتِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والحَسَنُ: هي حَقِيقَةٌ، والمُرادُ ساقا المَيِّتِ عِنْدَما لُفّا في الكَفَنِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ وأبُو مالِكٍ: التِفافُهُما لِشِدَّةِ المَرَضِ؛ لِأنَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ويُرَكِّبُ هَذِهِ عَلى هَذِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أسْوُقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ. هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَهُ إلى القَبْرِ، وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَّماءِ. وقِيلَ: التِفافُهُما: مَوْتُهُما أوَّلًا، إذْ هُما أوَّلُ ما تَخْرُجُ الرُّوحَ مِنهُما فَتَبْرُدانِ قَبْلَ سائِرِ الأعْضاءِ. وجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وجَدَ ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المَرْجِعُ والمَصِيرُ، و﴿المَساقُ﴾ مَفْعَلٌ مِنَ السَّوْقِ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ . الجُمْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وكادَتْ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَمَطّى﴾ . فَإنَّها كانَتْ مِشْيَتَهُ ومِشْيَةَ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ يُكْثِرُ مِنها. وتَقَدَّمَ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٣] أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الإنْسانَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٣] . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٦] أيْ: لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ‏‏ ‏‏‏ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ، ‏‏ ‏‏ . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلا صَدَّقَ مالَهُ، يَعْنِي فَلا زَكّاهُ. انْتَهى. وكَوْنُ ‏‏ ‏‏‏ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (يَسْألُ) فِيهِ بُعْدٌ، ولا هُنا نَفَتِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصَّدَّقْ ولَمْ يُصَلِّ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ لا تَدْخُلُ عَلى الماضِي فَتَنْصِبُهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:

؎وأيُّ خَمِيسٍ لا أتانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشَةٍ دَما

وقالَ الرّاجِزُ:

؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا

وصَدَّقَ: مَعْناهُ بِرِسالَةِ اللَّهِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مِنَ الصَّدَقَةِ، وهَذا الَّذِي يَظْهَرُ نَفى عَنْهُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ وأثْبَتَ لَهُ التَّكْذِيبَ، كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المدثر: ٤٣] ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المدثر: ٤٤] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المدثر: ٤٥] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المدثر: ٤٦] . وحَمْلُ ‏‏ ‏‏‏ عَلى نَفْيِ التَّصْدِيقِ بِالرِّسالَةِ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ تَكْرارًا. ولَزِمَ أنْ يَكُونَ (لَكِنْ) اسْتِدْراكًا بَعْدَ ‏‏ ‏‏ لا بَعْدَ ‏‏ ‏‏‏؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَساوى الحُكْمُ في ‏‏ ‏‏‏ وفي (كَذَّبَ)، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، إذْ لا يَقَعُ لَكِنْ بَعْدَ مُتَوافِقِينَ. (وتَوَلّى): أعْرَضَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قَوْمِهِ، ﴿يَتَمَطّى﴾: يَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: (إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ أوْلى فَأوْلى لَكَ)» فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها، وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (أوْلى) شَرْحًا وإعْرابًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] في سُورَةِ القِتالِ، وتَكْرارُهُ هُنا مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ في المَوْتِ وما كانَ مِن حالِهِ في الدُّنْيا، قَرَّرَ لَهُ أحْوالَهُ في بِدايَتِهِ لِيَتَأمَّلَها، فَلا يُنْكِرُ مَعَها جَوازَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ‏‏‏ ‏‏ بِياءِ الغَيْبَةِ. (p-٣٩١)والحَسَنُ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُمْنى، أيِ: النُّطْفَةُ يُمْنِيها الرَّجُلُ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ وأبُو عُمَرَ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالياءِ، أيْ: يُمْنِي هو، أيِ: المَنِيُّ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ. (فَسَوّى) أيْ: سَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ: النَّوْعَيْنِ أوِ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ، وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: الزَّوْجانِ بِالألِفِ، وكَأنَّهُ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومَن وافَقَهم مِنَ العَرَبِ مِن كَوْنِ المُثَنّى بِالألِفِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ. وقَرَأ أيْضًا: يَقْدِرُ مُضارِعًا. والجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ) اسْمُ فاعِلٍ مَجْرُورٍ بِالباءِ الزّائِدَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏ أيِ: الخالِقُ المُسَوِّي، (بِقادِرٍ)، وفِيهِ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ لِمُنْكِرِ البَعْثِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ والفَيْضُ بْنُ غَزَوانَ: بِسُكُونِ الياءِ مِن قَوْلِهِ: (أنْ يُحْيِيَ) وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا تَنْحَذِفُ إلّا في الوَقْفِ، وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ حَذْفُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وجاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ (يُحِيِّي) بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الحاءِ وإدْغامِ الياءِ في الياءِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: لا يُجِيزُ أهْلُ البَصْرَةِ سِيبَوَيْهِ وأصْحابُهُ إدْغامَ (يُحِيِّي)، قالُوا لِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ، ولا يَعْتَدُّونَ بِالفَتْحَةِ في الياءِ؛ لِأنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ غَيْرُ لازِمَةٍ. وأمّا الفَرّاءُ فاحْتَجَّ بِهَذا البَيْتِ:

؎تَمْشِي بِشِدَّةٍ بَيْنَها فَتُعيِّي

يُرِيدُ: فَتُعْيِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Qiyāmah 75:37