﴿ ﴾ لَمّا رَجَعَ الصَّحابَةُ مِن بَدْرٍ ذَكَرُوا مَفاخِرَهم، فَيَقُولُ القائِلُ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ وشاءَ النَّصْرَ والظَّفَرَ وقَوّى قُلُوبَكم وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ، انْتَهى، ولَيْسَتِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمَ، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ ﴾ [الأنفال: ١٢] كانَ امْتِثالُ ما أُمِرُوا بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ، فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم، أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ والخالِقَ لَهُ إنَّما هو اللَّهُ لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، لَكِنَّهُ أجْرى عَلى يَدِهِ (p-٤٧٧)فَنُفِيَ عَنْهم إيجادُ القَتْلِ وأُثْبِتَ لِلَّهِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم، ومَجِيءُ لَكِنَّ هُنا أحْسَنُ مَجِيءٍ لِكَوْنِها بَيْنَ نَفْيٍ وإثْباتٍ، فالمُثْبَتُ لِلَّهِ هو المَنفِيُّ عَنْهم، وهو حَقِيقَةُ القَتْلِ، ومَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم أوَّلَ الكَلامَ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا لِقَتْلِكم إيّاهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وعَطَفَ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ بِما عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ؛ لِأنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلْماضِي وإنْ كانَ بِصُورَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ لِنَفْيِ الماضِي طَرِيقَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَدَخُلَ ما عَلى لَفْظِهِ، والأُخْرى: أنْ تَنْفِيَهُ بِلَمْ فَتَأْتِيَ بِالمُضارِعِ، والأصْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ، وفي الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما، أنَّ النَّفْيَ جاءَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ لَفْظًا؛ الثّانِي: أنْ نَفى ما صَرَّحَ بِإثْباتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ في قَوْلِهِ: ﴿ ﴾ بِقَوْلِهِ: إذْ قَتَلْتُمُوهم، وإنَّما بُولِغَ في هَذا؛ لِأنَّ الرَّمْيَ كانَ أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ مُعْجِزًا آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ عَلى أيِّ وجْهٍ فُسِّرَ الرَّمْيُ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ «ابْنُ عَبّاسٍ: قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ»، أيْ: قُبِّحَتْ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ وفِيهِ ومَنخَرَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وقالَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ «فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، فَرَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرَّمْيَةَ فانْهَزَمُوا»، وقالَ أنَسٌ: «رَمى ثَلاثَ حَصَياتٍ يَوْمَ بَدْرٍ: واحِدَةً في مَيْمَنَةِ القَوْمِ، وواحِدَةً في مَيْسَرَتِهِمْ، وثالِثَةً بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا»؛ وقِيلَ: الرَّمْيُ هُنا رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبَةٍ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وبَعْدَها، وذَلِكَ بِعِيدٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، وهَذا فاسِدٌ، والصَّحِيحُ في صُورَةِ قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿ ﴾ نَفْيٌ و﴿ ﴾ إثْباتٌ فاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ، وهو أنْ يُغايِرَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ، فالمَنفِيُّ الإصابَةُ والظَّفَرُ، والمُثْبَتُ الإرْسالُ؛ وقِيلَ: المَنفِيُّ إزْهاقُ الرُّوحِ، والمُثْبَتُ أثَرُ الرَّمْيِ وهو الجَرْحُ، وهَذانِ القَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ وقِيلَ: ما اسْتَبْدَدْتَ بِالرَّمْيِ إذْ أرْسَلْتَ التُّرابَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِهِ هو فِعْلُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإرْسالُ التُّرابِ مَنسُوبٌ إلَيْهِ كَسْبًا كانَ المَعْنى، وما رَمَيْتَ الرَّمْيَ الكافِيَ؛ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
؎وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأُ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أمْنَعِ
أيْ: لَمْ أُعْطَ شَيْئًا مَرْضِيًّا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَنفِيِّ الرُّعْبُ، ومُتَعَلِّقُ المُثْبَتِ الحَصَياتُ، أيْ: وما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ الحَصَياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الرَّمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها لَما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَةَ الرَّمْيِ وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكانَ اللَّهُ تَعالى هو فاعِلُ الرَّمْيِ حَقِيقَةً، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِنَ الرَّسُولِ أصْلًا، انْتَهى، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلَيْنِ أوَّلًا، وتَقَدَّمَ خِلافُ الفَرّاءِ في لَكِنَّ وما بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَنْصُرُهم ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: أبْلاهُ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبَلاهُ إذا امْتَحَنَهُ، والبَلاءُ يُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ووَصْفُهُ بِحَسَنٍ يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ والعِزَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِيُعْطِيَهم عَطاءً جَمِيلًا، كَما قالَ:
؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو
انْتَهى، والبَلاءُ الحَسَنُ قِيلَ: بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ؛ وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومِهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ أنَّهُ (p-٤٧٨)قالَ: لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى حَمْلِ البَلاءِ هُنا عَلى النِّعْمَةِ لَكانَ يَحْتَمِلُ المِحْنَةَ لِلتَّكْلِيفِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الجِهادِ حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ تَكْلِيفٍ شاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغَزَواتِ، انْتَهى. وسِياقُ الكَلامِ يَنْفِي أنْ يُرادَ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ ﴾ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: قَتْلَ الكُفّارِ ورَمْيِهِمْ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وجَعْلِهِمْ نُهْبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا لَيْسَ مِحْنَةً بَلْ مِنحَةٌ ﴿ ﴾ لَمّا كانُوا قَدْ أقْبَلُوا عَلى المَفاخِرِ بِقَتْلِ مَن قَتَلُوا وأسْرِ مَن أسَرُوا، أوْ كانَ رُبَّما قَدْ لا يَخْلُصُ العَمَلُ مِن بَعْضِ المُقاتِلِينَ إمّا لِقِتالِ حَمِيَّةٍ، وإمّا لِدَفْعٍ عَنْ نَفْسٍ، أوْ إمّا خُتِمَتُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَقِيلَ: ﴿ ﴾ لِكَلامِكم وما تَفْخَرُونَ بِهِ عَلِيمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، ومَن يُقاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا.
﴿ ﴾ قالَ: ﴿﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ ﴿ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ولِيُبْلِيَ﴾ يَعْنِي أنَّ الغَرَضَ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللَّهِ ورَمْيِهِ إيّاهم، ومَوْضِعُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَ ذَلِكَ، (وأنَّ) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ، ونَحْوُ هَذا، انْتَهى، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ الأمْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكُمُ الخَبَرُ والأمْرُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكم، والإشارَةُ إلى القَتْلِ وإلى إبْلاءِ المُؤْمِنِينَ بَلاءً حَسَنًا، وفي فَتْحِ أنَّ وجْهانِ النَّصْبُ والرَّفْعُ عَطْفًا عَلى ذَلِكم عَلى حَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُوهِنُ، انْتَهى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: مُوَهِّنُ، مِن وهَّنَ، والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ فِيما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ غَيْرُ الهَمْزَةِ قَلِيلٌ، نَحْوُ: ضَعَّفْتُ ووَهَّنْتُ، وبابُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوُ: أذْهَلْتُهُ وأوْهَنْتُهُ وألْحَمْتُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن أوْهَنَ، وأضافَهُ حَفْصٌ.