All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds strongest and why.

Al-Mulk 67:1 Juzʾ 29 Page 562

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -

Read in the muṣḥaf

(p-٣٥٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ المُلْكِ

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، «وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُها كُلَّ لَيْلَةٍ عِنْدَ أخْذِ مَضْجَعِهِ،» رَواهُ جَماعَةٌ مَرْفُوعًا إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عنهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "إنَّها لِتُنْجِي مِن عَذابِ القَبْرِ، وتُجادِلُ عن حافِظِها حَتّى لا يُعَذَّبَ"،» ويُرْوى أنَّ في التَوْراةِ سُورَةَ المُلْكِ، مَن قَرَأها في لَيْلَةٍ فَقَدْ أجادَ وأطْيَبَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "وَدِدْتُ أنَّ سُورَةَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ".»

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

"تَبارَكَ" تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، وهي التَزَيُّدُ في الخَيْراتِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ "يَتَبارَكَ" (p-٣٥١)وَلا "مُتَبارِكَ". وقَوْلُهُ تَعالى: "بِيَدِهِ المَلِكُ" عِبارَةٌ عن تَحْقِيقِ المُلْكِ، وذَلِكَ أنَّ اليَدَ في عُرْفِ الآدَمِيِّينَ هي آلَةُ التَمَلُّكِ، فَهي مُسْتَعارَةٌ لِذَلِكَ، و"المُلْكُ" عَلى الإطْلاقِ هو الَّذِي لا يَبِيدُ ولا يَخْتَلُّ مِنهُ شَيْءٌ، وذَلِكَ هو مُلْكُ اللهِ تَعالى، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ: مَلِكُ المُلُوكِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٢٦] ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [التحريم: ٨] عُمُومٌ، فالشَيْءُ مَعْناهُ في اللُغَةِ: المَوْجُودُ.

و"المَوْتَ والحَياةَ" مَعْنَيانِ يَتَعاقَبانِ جِسْمَ الحَيَوانِ، يَرْتَفِعُ أحَدُهُما بِحُلُولِ الآخَرِ، وما جاءَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: « "يُؤْتى بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ"،» فَقالَ أهْلُ العِلْمِ: ذَلِكَ تِمْثالُ كَبْشٍ يُوَقِّعُ الله تَعالى عَلَيْهِ العِلْمَ الضَرُورِيَّ لِأهْلِ الدارَيْنِ إنَّهُ المَوْتُ الَّذِي خافُوهُ في الدُنْيا، ويَكُونُ ذَلِكَ التِمْثالُ حامِلًا لِلْمَوْتِ عَلى أنَّهُ يُحِلُّ المَوْتَ فِيهِ، فَتَذْهَبُ عنهُ حَياتُهُ، ثُمَّ يَقْرِنُ اللهُ تَعالى بِذَبْحِ ذَلِكَ التِمْثالِ إعْدامُ المَوْتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، أيْ: لِيَخْتَبِرَكم في حالِ الحَياةِ ويُجازِيَكم بَعْدَ المَوْتِ، وقالَ أبُو قَتادَةَ -وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ؟ فَقالَ: "يَقُولُ تَعالى: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأشَدُّ لِلَّهِ تَعالى خَوْفًا، وأحْسَنُكم في أمْرِهِ ونَهْيِهِ نَظَرًا وإنْ كانُوا أقَلَّكم تَطَوُّعًا،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا: أزْهَدُكم في الدُنْيا. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْلُوَكُمْ" دالٌّ عَلى فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: فَيَنْظُرُ أو يَعْلَمُ أيُّكُمْ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَوْتُ والحَياةُ عِبارَةٌ عَنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، سَمّى هَذِهِ مَوْتًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيها المَوْتَ، وسَمّى تِلْكَ حَياةَ مِن حَيْثُ (p-٣٥٢)لا مَوْتَ فِيها، فَوَصَفَهُما بِالمَصْدَرَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ كَعَدْلٍ وزُورٍ، وقَدَّمَ المَوْتَ في اللَفْظِ لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في النَفْسِ هَيْبَةً وغِلْظَةً.

و"طِباقًا" قالَ الزَجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، وقِيلَ: هو جَمْعُ طَبَقَةٍ أو جَمْعُ طَبَقٍ مِثْلُ رَحْبَةٍ ورِحابٍ أو جَبَلٍ وجِبالٍ، والمَعْنى: بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَذُمُّ رَجُلًا فَقالَ: شَرُّهُ طِباقٌ، وخَيْرُهُ غَيْرُ باقٍ، وما ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في السَماواتِ أنَّ بَعْضَها مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وياقُوتٍ ونَحْوِ هَذا ضَعِيفٌ كُلُّهُ ولَمْ يَثْبُتْ بِذَلِكَ حَدِيثٌ، ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ حَقِيقَةً لِهَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: مِن قِلَّةٍ تُناسِبُ، ومِن خُرُوجٍ عَنِ الِاتِّفاقِ، والأمْرُ المُتَفاوِتُ هو الَّذِي يُجاوِزُ الحُدُودَ الَّتِي لَهُ زِيادَةً أو نَقْصًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مِن تَفاوُتٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "مِن تَفَوُّتٍ" وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" يَعْنِي بِهِ السَماواتِ فَقَطْ، وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُ اللَفْظَ، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏، وإيّاها أرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةُ، قالُوا: وإلّا فَفي الأرْضِ فُطُورٌ، وقالَ آخَرُونَ: "فِي خَلْقِ الرَحْمَنِ" مَعْنِيٌّ بِهِ جَمِيعَ ما خَلَقَ اللهُ تَعالى مِنَ الأشْياءِ فَإنَّها لا تَفاوُتَ فِيها ولا فُطُورَ جارِيَةً عَلى غَيْرِ إتْقانٍ، ومَتى كانَتْ فُطُورٌ لا تُفْسِدُ الشَيْءَ المَخْلُوقَ مِن حَيْثُ هو ذَلِكَ الشَيْءُ بَلْ هي إتْقانٌ فِيهِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ المُرادَةَ في الآيَةِ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: أمَرَ اللهُ تَعالى بِالنَظَرِ إلى السَماءِ وخَلْقَها ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَكْرِيرِ في النَظَرِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ مَتى نَظَرَها ناظِرٌ لِيَرى فِيها خَلَلًا أو نَقْصًا فَإنَّ بَصَرَهُ يَنْقَلِبُ خاسِئًا حَسِيرًا، "وَرَجْعُ البَصَرِ" تَرْدِيدُهُ في الشَيْءِ المُبْصَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كَرَّتَيْنِ" مَعْناهُ: مَرَّتَيْنِ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، و"الخاسِئُ": المُبْعَدُ بِذُلٍّ عن شَيْءٍ أرادَهُ وعُرِضَ عَلَيْهِ، ومِنهُ الكَلْبُ الخاسِئُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِابْنِ صَيّادٍ: « "اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ"،» ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في الكُفّارِ (p-٣٥٣)الحَرِيصِينَ عَلى الخُرُوجِ مِن جَهَنَّمَ: "اخْسَئُوا فِيها"، وكَذَلِكَ هُنا البَصَرُ يَحْرِصُ عَلى رَوِيَّةٍ فَطَوْرٍ أو تَفاوُتٍ فَلا يَجِدُ ذَلِكَ، فَيَنْقَلِبُ خاسِئًا، و"الحَسِيرُ": العَيِيُّ الكالُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لَهُنَّ الوَجى أنْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ظالِعٌ وحَسِيرُ

The same ayah, in another commentary

Al-Mulk 67:1