All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds strongest and why.

At-Taghābun 64:1 Juzʾ 28 Page 556

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allah. To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.

Read in the muṣḥaf

(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.»

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏.

وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى،

(p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ.

وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.

The same ayah, in another commentary

At-Taghābun 64:1