All commentaries

المحرر الوجيز

Ibn ʿAṭiyyah

ابن عطية الأندلسي (ت ٥٤٢ هـ)

Weighs the readings and the grammar, and says which he holds.

Al-Muddaththir 74:24 Juzʾ 29 Page 576

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And said, "This is not but magic imitated [from others].

Read in the muṣḥaf
المحرر الوجيز Ibn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".

و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.

وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.

"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.

‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

This is not but the word of a human being."

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وعِيدٌ مَحْضٌ، والمَعْنى: أنا أكْفِي عِقابَهُ وشَأْنَهُ كُلَّهُ، ولا خِلافَ بَيْنِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، فَيَرْوِي أنَّهُ كانَ يُلَقَّبُ بِالوَحِيدِ أيْ لِأنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في مالِهِ وشَرَفِهِ في بَيْتِهِ، فَذَكَرَ "الوَحِيدَ" في الآيَةِ في جُمْلَةِ النِعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَ، وإنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذا، فَقَوْلُهُ تَعالى: "خَلَقْتُ وحِيدًا" مَعْناهُ: مُنْفَرِدًا قَلِيلًا ذَلِيلًا، فَجَعَلْتُ لَهُ المالَ والبَنِينَ، فَجاءَ ذِكْرُ الوَحْدَةِ مُقَدَّمَةً حَسُنَ مَعَها مَوْقِعُ المالَ والبَنِينَ، وقِيلَ: المَعْنى: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي فِيهِ أحَدٌ، فـ "وَحِيدًا" حالٌ مِنَ التاءِ في "خَلَقْتُ".

و"المالُ المَمْدُودُ" قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو ألْفُ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ: بَلَغَنِي أنَّهُ أرْبَعَةُ آلافٍ، وقالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا مَدٌّ في العَدَدِ.

وقالَ النُعْمانُ بْنُ سالِمٍ: هي الأرْضُ لِأنَّها مُدَّتْ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المالُ المَمْدُودُ: الرِيعُ المُسْتَغَلُّ مُشاهَرَةً، فَهو مَدٌّ في الزَمانِ لا يَنْقَطِعُ.

"وَبَنِينَ شُهُودًا" مَعْناهُ: حُضُورًا مُتَلاحِقِينَ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: كانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ثَلاثَةَ عَشَرَ، و"التَمْهِيدُ" التَوْطِئَةُ والتَهْيِئَةُ، قالَ سُفْيانُ: المَعْنى: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ بَسْطًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" وصَفَهُ لِجَشَعِ الوَلِيدِ ورَغْبَتِهِ في الِازْدِيادِ مِنَ الدُنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ ورَدَ عَلى أُمْنِيَةِ هَذا المَذْكُورِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ كانَ مُعانِدًا مُخالِفًا لِآياتِ اللهِ وعِبَرِهِ، يُقالُ: بَعِيرٌ عُنُودٌ لِلَّذِي يَمْشِي مُخالِفًا لِلْإبِلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ آياتِ القُرْآنِ، وهو الأصَحُّ في التَأْوِيلِ سَبَبُ كَلامِ الوَلِيدِ في (p-٤٥٦)القُرْآنِ بِأنَّهُ سْحْرٌ، و"أُرْهِقُهُ" مَعْناهُ: أُكَلِّفُهُ بِمَشَقَّةٍ وعُسْرٍ، «وَ"صَعُودًا" عَقَبَةٌ في جَهَنَّمَ، ورَوى ذَلِكَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ،» كُلَّما وضَعَ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ الإنْسانِ ذابَ، والصُعُودُ في اللُغَةِ: العَقَبَةُ الشاقَّةُ.

قَوْلُهُ تَعالى مُخْبِرًا عَنِ الوَلِيدِ "إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ" الآيَةُ. رَوى جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ الوَلِيدَ سَمِعَ مِنَ القُرْآنِ ما أعْجَبَهُ ومَدَحَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَذَلِكَ مِرارًا حَتّى كادَ أنْ يُقارِبَ الإسْلامَ، ودَخَلَ إلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مِرارًا، فَجاءَهُ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا ولِيدُ، أشْعَرْتَ أنَّ قُرَيْشًا قَدْ ذَمَّتْكَ بِدُخُولِكَ إلى ابْنِ أبِي قُحافَةَ، وزَعَمْتَ أنَّكَ إنَّما تَقْصِدُ أنْ تَأْكُلَ طَعامَهُ؟ وقَدْ أبْغَضَتْكَ لِمُقارَبَتِكَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وما يُخَلِّصُكَ عِنْدَهم إلّا أنْ تَقُولَ في هَذا الكَلامِ قَوْلًا يُرْضِيهِمْ، فَفَتَنَهُ أبُو جَهْلٍ فافْتُتِنَ، وقالَ: افْعِلْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَكَّرَ فِيما عَسى أنْ يَقُولَ في القُرْآنِ، فَقالَ: أقُولُ هو شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، أقُولُ: هو كاهِنٌ، ما هو بِكاهِنٍ، أقُولُ: هو سِحْرٌ يُؤْثَرُ، هو قَوْلُ البَشَرِ، أيْ: لَيْسَ مُنْزَلًا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ هو دُعاءٌ عَلَيْهِ وتَقْبِيحٌ لِحالِهِ، أيْ أنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ وجَماعَةٍ غَيْرِهِ أنَّ الوَلِيدَ حاجَّ أبا جَهْلِ وجَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ في أمْرِ القُرْآنِ، وقالَ: واللهِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةٌ وإنَّ أصْلَهُ لِعَذْقٌ، وإنَّ فَرْعَهُ لَجَناهُ، وإنَّهُ لِيَحْكُمُ ما تَحْتَهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ ولا يُعْلى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الكَلامِ، فَخالَفُوهُ فَقالُوا لَهُ: هو شِعْرٌ، فَقالَ: واللهِ ما هو بِشِعْرٍ، ولَقَدْ عَرَفْنا الشِعْرَ هَزْجَهُ وبَسِيطَهُ، قالُوا: فَهو مَجْنُونٌ، قالَ: واللهِ ما هو بِمَجْنُونٍ، ولَقَدْ رَأيْنا (p-٤٥٧)الجُنُونَ وخَنَقَهُ، قالُوا: هو سِحْرٌ، قالَ أمّا هَذا فَيُشْبِهُ أنَّهُ سِحْرٌ ويَقُولُ أقَوّالُ نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِ عَلى مَعْنى تَقْبِيحِ حالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُقْتَضاهُ اسْتِحْسانُ مَنزَعِهِ الأوَّلِ في مَدْحِهِ القُرْآنَ، وفي نَفْيِهِ الشِعْرَ والكَهانَةِ والجُنُونِ عنهُ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ: « "وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرُ حَرْبٍ"،» ومَجْرى قَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: قاتَلَ اللهُ كَثِيرًا، كَأنَّهُ رَآنا حِينَ قالَ كَذا، وهَذا مَعْنًى مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى إدْبارَهُ واسْتِكْبارَهُ وأنَّهُ ضَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ وكَفَرَ، وإذا قُلْنا إنَّ ذَلِكَ دُعاءٌ عَلى مُسْتَحْسِنٍ فَعْلَهُ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ نَظَرَ" فِيما احْتَجَّ بِهِ القُرْآنُ فَرَأى ما فِيهِ مِن عُلُوِّ مَرْتَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَعَبَسَ لِذَلِكَ وبَسَرَ، أيْ قَطَبَ وقَبَضَ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ وأرْبَدَ وجْهَهُ حَسَدًا لَهُ فَأدْبَرَ، أيِ ارْتَكَسَ في ضَلالِهِ، وزالَ إقْبالُهُ أوَّلًا لِيَهْتَدِيَ ولَحِقَتْهُ الكِبْرِياءُ، وقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، ومَعْناهُ: يُرْوى ويُحْمَلُ، أيْ يَحْمِلُهُ مُحَمَّدٌ عن غَيْرِهِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أنَّ الدُعاءَ عَلَيْهِ دُعاءٌ عَلى مُسْتَقْبَحِ فِعْلِهِ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى "ثُمَّ نَظَرَ" مَعْنًى (p-٤٥٨)مُعادًا بِعَيْنِهِ؛ "لِأنَّ فَكَّرَ" وقَدَّرَ يَقْتَضِيهِ لَكِنَّهُ إخْبارٌ بِتَرْدِيدِهِ النَظَرَ في الأمْرِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَعا الوَلِيدَ، فَقالَ لَهُ: انْظُرْ وفَكِّرْ، فَلَمّا فَكَّرَ قالَ ما تَقَدَّمَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

I will drive him into Saqar.

المحرر الوجيزIbn ʿAṭiyyah

قوله عزّ وجلّ:

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏

"سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ:

؎ لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ .......... ∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ

(p-٤٥٩)وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟ وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿أولى لَكَ فَأولى﴾ [القيامة: ٣٤] الآيَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.

(p-٤٦٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المدثر: ٣١] تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [المدثر: ٣١] الآيَةُ... نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.

You read 74:24–26 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Muddaththir 74:24