All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Al-Baqarah 2:254 Juzʾ 3 Page 42

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

Read in the muṣḥaf

قَالَ الْحَسَنُ: هِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذِهِ الْآيَةُ تَجْمَعُ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالتَّطَوُّعَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ فِي ذِكْرِ الْقِتَالِ وَأَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي صُدُورِ الْكَافِرِينَ يَتَرَجَّحُ مِنْهُ أَنَّ هَذَا النَّدْبَ إِنَّمَا هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ فِي آخِرِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: "وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" أَيْ فَكَافِحُوهُمْ بِالْقِتَالِ بِالْأَنْفُسِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ إِنْفَاقُ الْأَمْوَالِ مَرَّةً وَاجِبًا وَمَرَّةً نَدْبًا بِحَسَبِ تَعَيُّنِ الْجِهَادِ وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ. وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الْإِمْسَاكِ إلى أن يجئ يَوْمٌ لَا يُمْكِنُ فِيهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا اسْتِدْرَاكُ نَفَقَةٍ، كَمَا قَالَ:" فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ راجع ج ١٨ ص ١٣٠. ". وَالْخُلَّةُ: خَالِصُ الْمَوَدَّةِ، مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَخَلُّلِ الْأَسْرَارِ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ. وَالْخِلَالَةُ وَالْخَلَالَةُ وَالْخُلَالَةُ: الصَّدَاقَةُ وَالْمَوَدَّةُ، قَالَ الشَّاعِرُ هو النابغة الجعدي، كما في اللسان.:

وَكَيْفَ تُوَاصِلُ مَنْ أَصْبَحَتْ ... خِلَالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبَ

وَأَبُو مَرْحَبٍ كُنْيَةُ الظِّلِّ، وَيُقَالُ: هُوَ كُنْيَةُ عُرْقُوبٍ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ. وَالْخُلَّةُ (بِالضَّمِّ أَيْضًا): مَا خَلَا مِنَ النَّبْتِ، يُقَالُ: الْخُلَّةُ خُبْزُ الْإِبِلِ وَالْحَمْضُ فَاكِهَتُهَا. وَالْخَلَّةُ (بِالْفَتْحِ): الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ. وَالْخَلَّةُ: ابْنُ مَخَاضٍ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ. يُقَالُ: أَتَاهُمْ بِقُرْصٍ كَأَنَّهُ فِرْسِنُ الفرسن (بكسر الفاء والسين وسكون الراء): عظم قليل اللحم، وهو خف البعير، كالحافر للدابة. خَلَّةٍ. وَالْأُنْثَى خَلَّةٌ أَيْضًا. وَيُقَالُ لِلْمَيِّتِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ خَلَّتَهُ، أَيِ الثُّلْمَةَ الَّتِي تَرَكَ. وَالْخَلَّةُ: الْخَمْرَةُ الْحَامِضَةُ. وَالْخِلَّةُ (بِالْكَسْرِ): وَاحِدَةُ خِلَلِ السُّيُوفِ، وَهِيَ بَطَائِنُ كَانَتْ تُغْشَى بِهَا أَجْفَانُ السُّيُوفِ مَنْقُوشَةٌ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ أَيْضًا سُيُورٌ تُلْبَسُ ظَهْرَ سِيَتَيِ سية القوس: ما عطف من طرفيها. الْقَوْسِ. وَالْخِلَّةُ أَيْضًا: مَا يَبْقَى بَيْنَ الْأَسْنَانِ. وَسَيَأْتِي فِي" النِّسَاءِ راجع ج ٥ ص ٣٩٩ "اشْتِقَاقُ الْخَلِيلِ وَمَعْنَاهُ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَّا خُلَّةَ فِي الْآخِرَةِ وَلَا شَفَاعَةَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. وَحَقِيقَتُهَا رَحْمَةٌ مِنْهُ تَعَالَى شَرَّفَ بِهَا الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَشْفَعَ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو" لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ" إِبْرَاهِيمَ"" لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خِلَالَ راجع ج ٩ ص ٣٦٦. "وَفِي" الطُّورِ"" لَا لَغْوَ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمَ راجع ج ١٧ ص ٦٦ " وَأَنْشَدَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

أَلَا طِعَانَ وَلَا فُرْسَانَ عَادِيَةٌ ... إِلَّا تَجَشُّؤُكُمْ عِنْدَ التَّنَانِيرِ يقول هذا لبنى الحارث بن كعب ومنهم النجاشي وكان يهاجيه فجعلهم أهل نهم وحرص على الطعام لا أهل غارة وقتال. والعادية: المستطيلة. ويروى غادية (بالغين المعجمة) وهى التي تغدو للغارة، وعادية أعم لأنها تكون بالغداة وغيرها.

(عن شرح الشواهد للشنتمري).

وَأَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ غَيْرُ مُغَيِّرَةٍ عَمَلَ "لَا" كَقَوْلِكَ: أَلَا رَجُلَ عِنْدَكَ، وَيَجُوزُ أَلَا رَجُلَ وَلَا امْرَأَةَ كَمَا جَازَ فِي غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ فَاعْلَمْهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، كَمَا قَالَ الرَّاعِيُّ:

وَمَا صَرَمْتُكِ حَتَّى قُلْتُ مُعْلِنَةً ... لَا نَاقَةٌ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلُ

وَيُرْوَى "وَمَا هَجَرْتُكِ" فَالْفَتْحُ عَلَى النَّفْيِ الْعَامِّ الْمُسْتَغْرِقِ لِجَمِيعِ الْوُجُوهِ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، كَأَنَّهُ جَوَابٌ لِمَنْ قَالَ: هَلْ فِيهِ مِنْ بَيْعٍ؟ فَسَأَلَ سُؤَالًا عَامًّا فَأُجِيبَ جَوَابًا عَامًّا بِالنَّفْيِ. وَ "لَا" مَعَ الِاسْمِ الْمَنْفِيِّ بِمَنْزِلَةِ اسْمٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ "فِيهِ". وَإِنْ شِئْتَ جعلته صفة ليوم، ومن رفع جمله "لَا" بِمَنْزِلَةِ لَيْسَ. وَجَعَلَ الْجَوَابَ غَيْرَ عَامٍّ، وَكَأَنَّهُ جَوَابُ مَنْ قَالَ: هَلْ فِيهِ بَيْعٌ؟ بِإِسْقَاطِ مَنْ، فَأَتَى الْجَوَابُ غَيْرَ مُغَيِّرٍ عَنْ رَفْعِهِ، وَالْمَرْفُوعُ مُبْتَدَأٌ أَوِ اسْمُ لَيْسَ وَ "فِيهِ" الْخَبَرُ. قَالَ مَكِّيٌّ: وَالِاخْتِيَارُ الرَّفْعُ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِرَجُلٍ مِنْ مَذْحِجٍ: هَذَا لَعَمْرُكُمُ الصِّغَارُ بِعَيْنِهِ لَا أُمَّ لِي إِنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ وَيَجُوزُ أَنْ تَبْنِيَ الْأَوَّلَ وَتَنْصِبَ الثَّانِي وَتُنَوِّنَهُ فَتَقُولُ: لَا رَجُلَ فِيهِ وَلَا امْرَأَةً، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:

لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةْ ... اتَّسَعَ الْخَرْقُ على الراقع

فلا زَائِدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، الْأَوَّلُ عَطْفٌ عَلَى الْمَوْضِعِ وَالثَّانِي عَلَى اللَّفْظِ. وَوَجْهٌ خَامِسٌ أَنْ تَرْفَعَ الْأَوَّلَ وَتَبْنِيَ الثَّانِي كَقَوْلِكَ: لَا رَجُلٌ فِيهَا وَلَا امْرَأَةَ، قَالَ أُمَيَّةُ:

فَلَا لَغْوٌ وَلَا تَأْثِيمَ فِيهَا ... وَمَا فَاهُوا بِهِ أَبَدًا مُقِيمَ

وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ الْأَوْجُهُ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِكَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

(وَالْكافِرُونَ) ابْتِدَاءٌ.

(هُمُ) ابْتِدَاءٌ ثَانٍ، (الظَّالِمُونَ) خَبَرُ الثَّانِي، وَإِنْ شِئْتَ كَانَتْ "هُمُ" زَائِدَةً لِلْفَصْلِ وَ "الظَّالِمُونَ" خَبَرُ "الْكافِرُونَ". قَالَ عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: "وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" وَلَمْ يَقُلْ وَالظَّالِمُونَ هم الكافرون.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:254