All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Baqarah 2:254 Juzʾ 3 Page 42

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ عَلى الأنْبِياءِ سَبَبًا لِلْجِهادِ الَّذِي هو حَظِيرَةُ الدِّينِ وكانَ عِمادُ [الجِهادِ] النَّفَقَةَ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ رُجُوعًا إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن هُنا إلى آخِرِها وإلى التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ الأمْرِ لِما تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النَّفَقَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ (p-٢٢)بِالإيمانِ ‏‏‏‏‏‏ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم في جَمِيعِ أبْوابِ الجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ولا تَبْخَلُوا فَأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ، ومَن يُوقَ شَحَّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هم المُفْلِحُونَ.

ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَهُ لا لَهم فَقالَ: ‏‏‏ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي ورَدَّ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ حَثًّا عَلى المُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ الأمْرِ وتَقْبِيحًا بِحالِ مَن أبْطَأ عَنْهُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ (p-٢٣)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وجَزَمَ هُنا بِالأمْرِ لِأنَّهُ لَمّا رَغَّبَ في النَّفَقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى في أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ صارَتْ دَواعِي العُقَلاءِ في دَرَجَةِ القَبُولِ لِما تُنْدَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِها وإنْ كانَ الخُرُوجُ عَمّا في اليَدِ في غايَةِ الكَراهَةِ إلى النَّفْسِ، وصَرَفَ الأمْرَ بِالتَّبْعِيضِ إلى الحَلالِ الطَّيِّبِ، فَمَنَعَ احْتِجاجَ المُعْتَزِلَةِ بِها في أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وأتْبَعَهُ بِما يُرَغِّبُ ويُرَهِّبُ مِن حالِ يَوْمِ التَّنادِ الَّذِي تَنْقَطِعُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي أقامَها سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الدّارِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ مَوْجُودٌ ‏‏ ‏‏‏ قالَ الحَرالِّيُّ: هي مِمّا مِنهُ المُخالَلَةُ وهي المُداخَلَةُ فِيما يَقْبَلُ التَّداخُلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ خِلالَ الآخَرِ، ومَوْقِعُ مَعْناها المُوافَقَةُ في وصْفِ الرِّضى والسُّخْطِ، فالخَلِيلُ مِن رِضاهُ رِضى خَلِيلِهِ وفِعالُهُ مِن فِعالِهِ. انْتَهى.

‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّهُ لا يُفْدى فِيهِ أسِيرٌ بِمالٍ، ولا يُراعى لِصَداقَةٍ مِن مُساوٍ ولا شَفاعَةٍ مِن كَبِيرٍ، لِعَدَمِ إرادَةِ اللَّهِ (p-٢٤)سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ شَدِيدٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهم والإيقانِ بِالآخِرَةِ، وبَيانٌ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ أعَمُّ مِنَ الزَّكاةِ وأنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ المَعادِنِ والحُظُوظِ الَّتِي تُكْسِبُ المَعالِي وتُنْجِي مِنَ المَهالِكِ، وسَيَأْتِي في الآياتِ الحاثَّةِ عَلى النَّفَقَةِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧١] وغَيْرِها وقالَ الحَرالِّيُّ: فانْتَظَمَ هَذا الِانْتِهاءَ في الخِطابِ بِما في ابْتِداءِ السُّورَةِ مِنَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَ هَذا الِانْتِهاءِ افْتِتاحُ آيَةٍ هي سَيِّدَةُ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ المُنْتَظَمَةِ بِأوَّلِها انْتِظامًا مَعْنَوِيًّا بِرَأْسِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢] فَكانَ في إشارَةِ هَذا الِانْتِظامِ تَوْطِئَةٌ لِما أفْصَحَ بِهِ الخِطابُ في فاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِما ذُكِرَ مِن أنَّ القُرْآنَ مَثانِي إفْهامٍ وحَمْدٍ. فَكانَ أوَّلُهُ حَمْدًا وآخِرُهُ حَمْدًا يَنْثَنِي ما بَيْنَ الحَمْدَيْنِ عَلى أوَّلِهِ، كَما قالَ ”حَمِدَنِي عَبْدِي، أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي“ فَجُمْلَتُهُ حَمْدٌ وتَفاصِيلُهُ ثَناءٌ. انْتَهى.

ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الإنْفاقِ خَتَمَ الآيَةَ بِذَمِّ الكافِرِينَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَلَّوْا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَخَلِّيهِمْ مِنَ الإيمانِ وبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَكْذِيبِهِمْ (p-٢٥)بِذَلِكَ اليَوْمِ فَهم لا يُنْفِقُونَ لِخَوْفِهِ ولا رَجائِهِ فَقالَ بَدَلَ، ولا نُصْرَةَ لِكافِرٍ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المَعْلُومُ كُفْرُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَذا العَطْفُ يُرْشِدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَفْعَلُونَ ما أمَرْناهم بِهِ لِأنَّهُمُ المُحِقُّونَ، والكافِرُونَ ‏‏ المُخْتَصُّونَ بِأنَّهُمُ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ لا غَيْرُهُمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الظّالِمَ خاسِرٌ وأنَّهُ مَخْذُولٌ غَيْرُ مَنصُورٍ، لِأنَّهُ يَضَعُ الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها، ومَن كانَ كَذَلِكَ لا يَثْبُتُ لَهُ أمْرٌ ولا يَرْتَفِعُ لَهُ شَأْنٌ بَلْ هو دائِمًا عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، ولِأجْلِ ذَلِكَ يَخْتِمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَثِيرًا مِن آياتِهِ بِقَوْلِهِ ”وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصار“ فَقَدِ انْتَفى بِذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ الخَلاصِ المَعْهُودَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الافْتِداءِ بِالمالِ والمُراعاةِ لِصَداقَةٍ أوْ عَظَمَةِ ذِي شَفاعَةٍ أوْ نُصْرَةٍ بِقُوَّةٍ.

The same ayah, in another commentary

Al-Baqarah 2:254