All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Al-Aḥzāb 33:1 Juzʾ 21 Page 418

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

سُورَةُ الأحْزابِ

مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى الصِّدْقِ في الإخْلاصِ في التَّوَجُّهِ إلى الخالِقِ مِن [غَيْرِ] مُراعاةٍ بِوَجْهٍ ما لِلْخَلائِقِ، لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُهُمْ، حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ فَهو يُعْلِي مَن يَشاءُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا، ويُرْدِي مَن يُرِيدُ وإنْ كانَ قَوِيًّا، فَلا يَهْتَمَّنَّ الماضِي لِأمْرِهِ بِرَجاءٍ لِأحَدٍ مِنهم في بِرِّهِ ولا خَوْفٍ مِنهُ في عَظِيمِ شَرِّهِ وخِفِيِّ مَكْرِهِ، واسْمُها واضِحٌ في ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القِصَّةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ودَلَّ عَلَيْها بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي مَهْما أرادَ كانَ الرَّحْمَن الَّذِي سَرَتْ رَحْمَتُهُ خِلالَ الوُجُودِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ، بِالكَرَمِ والجُودِ الرَّحِيم لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِالعَطْفِ إلَيْهِ.

لَمّا خُتِمَتِ الَّتِي قَبْلَها بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ، وانْتِظارِ ما يَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ رَبُّ العالَمِينَ، بَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ مِن عِنْدِ المُدَبِّرِ لِهَذا الخَلْقِ كُلِّهِ، والنَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ في لِقائِهِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالأمْرِ بِأساسِ ذَلِكَ، والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ المُخالِفِينَ مُجاهِرِينَ كانُوا أوْ مُتَساتِرِينَ، والأمْرُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ الَّذِي أعْظَمُهُ الكِتابُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعْراضَ إنَّما يَكُونُ طاعَةً لِلَّهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْواهُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَسُّطِ إيماءً إلى أنَّ وقْتَ نُزُولِ السُّورَةِ - وهو آخِرُ سَنَةِ خَمْسٍ، غَبَّ وقْعَةِ الأحْزابِ - أوْسَطَ مُدَّةِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ إلاحَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أمَدِ كَمالِ النُّصْرَةِ الَّتِي اقْتَضاها وصْفُ النُّبُوَّةِ الدّالُّ عَلى الرَّفْعَةِ إلّا القَلِيلُ وعَبَّرَ بِهِ لِاقْتِضاءِ مَقْصُودِ السُّورَةِ مَقامَ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو بَيْنَ الرَّبِّ وعَبْدِهِ في تَقْرِيبِهِ وإعْلائِهِ إلى جَنابِهِ إذا قُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وإنْ قُرِئَ بِهِ كانَ اللَّحْظُ إلى إنْبائِهِ بِالخَفِيِّ وتَفْصِيلِهِ لِلْجَلِيِّ، وقالَ الحِرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الدِّينِ: حَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ وُرُودُ غَيْبٍ ظاهِرٍ أيْ مِنَ الحَقِّ بِالوَحْيِ لِخاصٍّ مِنَ الخَلْقِ، خَفِيَ عَنِ العامَّةِ مِنهُمْ، ثُمَّ قَدْ يَخْتَصُّ مَقْصِدُ ذَلِكَ الوارِدِ المُقِيمِ لِذَلِكَ الواحِدِ بِذاتِهِ، فَيَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ، وقَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَمامِ أمْرِهِ في ذاتِهِ مَوارِدَ إقامَةِ غَيْرِهِ فَيَصِيرُ رَسُولًا. والرُّتْبَةُ الأُولى كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في الخَلْقِ، وهي النُّبُوَّةُ، والثّانِيَةُ قَلِيلَةُ الوُقُوعِ، فالرُّسُلُ مِعْشارُ مِعْشارِ الأنْبِياءِ، ولِلنُّبُوَّةِ اشْتِقاقانِ: أحَدُهُما [مِنَ] النَّبَأِ وهو الخَبَرُ، وذَلِكَ لِمَنِ اصْطُفِيَ مِنَ البَشَرِ لِرُتْبَةِ السَّماعِ والإنْباءِ فَنُبِّئَ ونَبَّأ غَيْرَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ ما نُبِّئَ بِهِ ولا ما نَبَّأ فَيَكُونُ حامِلَ عِلْمٍ، والِاشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النُّبُوَّةِ وهي الِارْتِفاعُ والعُلُوُّ، وذَلِكَ لِمَن أعْلى عَنْ رُتْبَةِ النَّبَأِ إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَكانَ مُطَّلِعًا عَلى عِلْمِ ما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَمالِهِ، فَمَن عَلا عَنِ الحَظِّ المُتَنَزِّلِ العَقْلِيِّ إلى رُتْبَةِ سَماعٍ، كانَ نَبِيئًا بِالهَمْزِ، ومَن عَلا عَنْ ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ عِلْمٍ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ كانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا في عِلْمِ الأسْماءِ نَبِيٌّ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي ما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ، [وكَذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أُرِيَ مِنَ المَلَكُوتِ نَبِيٌّ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وفِيما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ]. انْتَهى. ولَمْ يُنادِهِ سُبْحانَهُ بِاسْمِهِ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ، وإعْلاءً لِمَحَلِّهِ، وحَيْثُ سَمّاهُ بِاسْمِهِ في الأخْبارِ فَلِلتَّشْرِيفِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي تَعْيِينُهُ وتَخْصِيصُهُ إزالَةً لِلَّبْسِ عَنْهُ، وقَطْعًا لِشُبَهِ التَّعَنُّتِ.

ولَمّا ناداهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ المُقْتَضِي لِلِانْبِساطِ، أمَرَهُ بِالخَوْفِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ أيْ زِدْ مِنَ التَّقْوى يا أعْلى الخَلائِقِ بِمِقْدارِ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ لِذِي الجَلالِ كُلِّهِ والإكْرامِ، لِئَلّا تَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ سِواهُ، فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُرْهَبَ لِما لَهُ مِن خِلالِ الجَلالِ، والعَظَمَةِ والكَمالِ.

ولَمّا وجَّهَ إلَيْهِ الأمْرَ بِخَشْيَةِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ الِالتِفاتِ نَحْوَ العَدُوِّ والحَسُودِ. فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المُمانِعِينَ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المُصانِعَيْنِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْكَ الخالِقُ فِيهِ بِأمْرٍ وإنْ لاحَ لائِحُ خَوْفٍ أوْ بَرَقَ بارِقُ رَجاءٍ، ولا سِيَّما سُؤالُنا في شَيْءٍ مِمّا يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ إيمانِهِمْ مِثْلَ أنْ تُعَيِّنَ لَهم وقْتَ السّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها الفَتْحُ، فَإنَّهم إنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً، قالَ أبُو حَيّانَ: وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَتابَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يُلِينُ لَهم جانِبَهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ مِن طُرُقِ المُخادَعَةِ، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ،» وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ - انْتَهى ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ والنَّهْيَ بِما يُزِيلُ الهُمُومَ ويُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِما واللُّزُومَ، فَقالَ مُلَوِّحًا إلى أنْ لَهم أغْوارًا في مَكْرِهِمْ رُبَّما خَفِيَتْ عَلَيْهِ ﷺ، وأكَّدَ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ عَلى مَعْلُولِهِ بِغايَةِ الِاهْتِمامِ: ‏‏ ‏‏ أيْ بِعَظِيمِ كَمالِهِ وعِزِّ جَلالِهِ ‏‏ أزَلًا وأبَدًا ‏‏‏‏‏ شامِلَ العِلْمِ ‏‏‏‏‏ بالِغَ الحِكْمَةِ فَهو لَمْ يَأْمُرْكَ بِأمْرٍ إلّا وقَدْ عَلِمَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأحْكَمَ إصْلاحَ الحالِ فِيهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: افْتَتَحَها سُبْحانَهُ بِأمْرِ نَبِيِّهِ بِاتِّقائِهِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّغْوِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، واتِّباعِهِ ما يُوحِي إلَيْهِ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عَنْ مِحْنَةِ مَن سَبَقَ لَهُ الِامْتِحانُ مِمَّنْ قَدَّمَ ذِكْرَهُ في سُورَةِ السَّجْدَةِ، وأمْرًا لَهُ بِالتَّسْلِيمِ لِخالِقِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤] ولَمّا تَحَصَّلَ مِنَ السُّورَتَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى السَّوابِقِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [السجدة: ١٣] كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِتَأْنِيسِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وصالِحِي أتْباعِهِ، ولِهَذا أعْقَبَ سُورَةَ السَّجْدَةِ بِهَذِهِ السُّورَةِ المُضَمَّنَةِ مِنَ التَّأْنِيسِ والبِشارَةِ ما يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن لُطْفِهِ تَعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فافْتَتَحَ سُبْحانَهُ السُّورَةَ بِخِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَّقْوى، وإعْلامِهِ بِما [قَدْ] أعْطاهُ قَبْلُ مِن سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ وإنْ ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ الأمْرِ لِيُشْعِرَهُ بِاسْتِقامَةِ سَبِيلِهِ، وإيضاحِ دَلِيلِهِ، وخاطَبَهُ بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ أمْرٌ عَقِبَ تَخْوِيفٍ وإنْذارٍ وإنْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَزَّهَ اللَّهَ قَدْرَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مِنهُ خِلافُ التَّقْوى، وعَصَمَهُ مِن كُلِّ ما يُنافِرُ نَزاهَةَ حالِهِ وعَلَيِّ مَنصِبِهِ، ولَكِنْ طَرِيقَةُ خَطابِهِ تَعالى لِلْعِبادِ أنَّهُ تَعالى مَتى جُرِّدَ ذِكْرُهم لِلْمَدْحِ مِن غَيْرِ أمْرٍ ولا نَهْيٍ فَهُوَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِمْ بِالأخَصِّ الأمْدَحِ عَنْ مَحْمُودِ صِفاتِهِمْ، ومِنهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفتح: ٢٩] الآياتُ، فَذُكِرَ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ، ومَهْما كانَ الأمْرُ والنَّهْيُ، عَدَلَ في الغالِبِ إلى الأعَمِّ، ومِنهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٦٥] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الطلاق: ١] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [التحريم: ١] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [التحريم: ٩] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الممتحنة: ١٢] وقَدْ تَبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا، وأنَّ ما ورَدَ عَلى خِلافِ هَذا القانُونِ فَلِسَبَبٍ خاصٍّ اسْتَدْعى العُدُولَ عَنِ المُطَّرِدِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [المائدة: ٦٧] فَوَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٦٧] مَوْقَعُهُ شَدِيدٌ، فَعُودِلَ بِذِكْرِهِ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، فَهو مِن بابِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ٤٣] وفِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ”بَلِّغْ“ طابَقَ هَذا ذِكْرَهُ بِالرِّسالَةِ، فَإنَّ المُبَلِّغَ رَسُولٌ، والرَّسُولُ مُبَلِّغٌ، ولا يَلْزَمُ النَّبِيَّ أنْ يُبَلِّغَ إلّا أنْ يُرْسَلَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤١] فَأمْرُهُ وإنْ كانَ نَهْيًا أوْضَحُ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَأْنِيسٌ وأمْرٌ بِالصَّبْرِ والرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، فَبابُهُ راجِعٌ إلى ما يَرِدُ مَدْحًا مُجَرَّدًا عَنِ الطَّلَبِ، وعَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ يَخْرُجُ [ما ورَدَ مِن هَذا. ولَمّا افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما حاصِلُهُ ما قَدَّمْناهُ] مِن إعْلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الأمْرِ بِعَلِيِّ حالِهِ ومَزِيَّةِ قَدْرِهِ، ناسَبَ ذَلِكَ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن بابِ التَّنْزِيهِ في مَواضِعَ مِنها إعْلامُهُ تَعالى بِأنَّ أزْواجَ نَبِيِّهِ ﷺ أُمَّهاتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَنُزِّهْنَ عَنْ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ مَزِيَّةً لَهُنَّ وتَخْصِيصًا وإجْلالًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٢] - الآيَةُ، فَنَزَّهَهم عَنْ تَطَرُّقِ سُوءٍ أوْ دُخُولِ ارْتِيابٍ عَلى مَصُونِ مُعْتَقَداتِهِمْ وجَلِيلِ إيمانِهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٢] والآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٣] - الآيَةُ، ومِنها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٢] فَنَزَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ شَرَفَهُنَّ عَلى مَن عَداهُنَّ، ومِنها تَنْزِيهُ أهْلِ البَيْتِ وتَكْرِمَتُهم ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٣] الآيَةُ، ومِنها الأمْرُ بِالحِجابِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٩] فَنَزَّهَ المُؤْمِناتِ عَنْ حالَةِ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّبَرُّجِ وعَدَمِ الحِجابِ، وصانَهُنَّ عَنِ التَّبَذُّلِ والِامْتِهانِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأحزاب: ٦٩] فَوَصّاهم جَلَّ وتَعالى ونَزَّهَهم بِما نَهاهم عَنْهُ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِمَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ والغَضَبَ في سُوءِ أدَبِهِمْ وعَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ، إلى ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِالبِشارَةِ العامَّةِ واللُّطْفِ الشّامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤٥] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤٦] ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤١] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٤٤] وقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٥] - إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٧٣] وقَوْلِهِ تَعالى مُثْنِيًا عَلى المُؤْمِنِينَ بِوَفائِهِمْ وصِدْقِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٣] [وقَوْلِهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٥٨] وفي هَذِهِ الآياتِ مِن تَأْنِيسِ المُؤْمِنِينَ وبِشارَتِهِمْ وتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِمْ ما يَكْسِرُ سَوْرَةَ الخَوْفِ الحاصِلِ مِن سُورَتَيْ لُقْمانَ والسَّجْدَةِ ويَسْكُنُ رَوْعُهم تَأْنِيسًا لا رَفْعًا ومِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن تَعْدادِ نِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وتَحْسِينِ خَلاصِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٩] - إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ١١] وقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحزاب: ٢٧] وخَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ أوْضَحَ شاهِدٍ لِما تَمَهَّدَ مِن دَلِيلِ قَصْدِها وبَيانِها عَلى ما وضَّحَ الحَمْدُ لِلَّهِ ولَمّا كانَ حاصِلُها رَحْمَةً ولُطْفًا ونِعْمَةً، لا يَقْدِرُ عَظِيمَ قَدْرِها، ويَنْقَطِعُ العالَمُ دُونَ الوَفاءِ بِشُكْرِها، أعْقَبَ بِما يَنْبَغِي مِنَ الحَمْدِ يَعْنِي أوَّلَ سَبَأٍ. انْتَهى.