All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Al-Baqarah 2:142 Juzʾ 2 Page 22

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

ولَمّا كانَ ادِّعاؤُهم أنَّ أسْلافَهم عَلى دِينِهِمْ لِئَلّا تَنْتَقِضَ دَعْواهم أنَّ الجَنَّةَ خاصَّةٌ بِهِمْ مَعَ كَوْنِهِ فُضُولًا لا سَنَدَ لَهُ يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مُحاوَلَةً لِعَدَمِ جَوازِ النَّسْخِ وكانَ إبْطالُ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ وعَيْبِهِمْ بِما أحْدَثُوا في دِينِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ بِهِ مَلْزُومًا لِأنْ يَكُونُوا أباحُوا أنْفُسَهم مِنهُ ما مَنَعُوا مِنهُ خالِقَهم وهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ كانُوا أسْفَهَ النّاسِ فَعَقَّبَهُ بِالتَّصْرِيحِ بِعَيْبِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِنهم في إنْكارِهِمْ لِنَسْخِ القِبْلَةِ وخِفَّتِهِمْ بِالِاعْتِراضِ عَلى رَبِّهِمْ فَقالَ واصِلًا لَهُ بِما قَبْلَهُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ: ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِهِ، لِأنَّهم إذا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ حَقِّيَّةَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَّبِعُوهم فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُفُّوا عَنْ عَيْبِهِمْ فَكَيْفَ وهم عالِمُونَ بِأنَّهُ الحَقُّ ! وقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ: سَيَقُولُونَ، إظْهارًا لِلْوَصْفِ الَّذِي اسْتَخَفَّهم إلى هَذا القَوْلِ الظّاهِرِ عَوارُهُ لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ؛ والسَّفِيهُ الَّذِي يَعْمَلُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، إمّا بِأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى دَلِيلٍ فَلا يَتَوَقَّفُ إلى أنْ يَلُوحَ لَهُ بَلْ يَتَّبِعُ هَواهُ، أوْ يَرى غَيْرَ الدَّلِيلِ دَلِيلًا، وأكَّدَ الوَصْفَ بِالطَّيْشِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ المَأْخُوذِ مِنَ النَّوْسِ وهو التَّحَرُّكُ، دُونَ أنْ يَقُولَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَحْوَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا بِذَمِّهِمْ وتَعْمِيمًا لِكُلِّ مَن مالَأهم عَلى ذَلِكَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُولُوا: مِن، زِيادَةً في الأذى بِالِاحْتِقارِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ الحَرالِّيُّ: القِبْلَةُ ما تُجْعَلُ قُبالَةَ الوَجْهِ، والقُبُلُ ما أقْبَلَ مِنَ الجَسَدِ في مُقابَلَةِ الدُّبُرِ لِما أدْبَرَ مِنهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: بَيْتُ المَقْدِسِ، ولَعَلَّهُ تَرَكَ الإفْصاحَ لِيَصْلُحَ ذَلِكَ لِإرادَةِ الكَعْبَةِ أيْضًا لِيَصِيرَ المَعْنى: إنْ كانُوا انْتَقَلُوا عَنِ الكَعْبَةِ بِأمْرِ اللَّهِ فَهم مُبْطِلُونَ في رُجُوعِهِمْ وإلّا فَهم في كُلِّ حالٍ أتْباعُ الهَوى؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمّا انْقَطَعَتْ حُجَجُهم ألْقَوْا هَذِهِ الشُّبْهَةَ إلى مَنِ اخْتَدَعُوهُ مِنَ المُنافِقِينَ ولَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُواجِهُوا بِها أحَدًا مِنَ الثّابِتِي الإيمانِ، كَما قالُوا فِيما تَقَدَّمَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ١٣٥] ونَحْوَهُ عِلْمًا مِنهم بِأنَّ المُحاجَّ لَهم عَنِ المُؤْمِنِينَ مَن لَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ ولِذا جاءَ جَوابُهم بِقَوْلِهِ: ‏‏ خالِيًا عَنْ خِطابٍ لا كَما مَضى في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٨٠] ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١١١] ونَحْوِهِ؛ وساقَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهم بِذَلِكَ عَلى طَرِيقٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وجَلائِلِ الرِّسالَةِ؛ فَإنَّهُ إخْبارٌ عَمّا سَيَكُونُ مِنَ الأعْداءِ، فَكانَ مِنهم عَلى وفْقِ الخَبَرِ؛ ولَمْ يَقْدِرُوا مَعَ شِدَّةِ عَداوَتِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في القَدْحِ بِأدْنى شُبْهَةٍ في التَّكْذِيبِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِالكَفِّ عَنْ ذَلِكَ؛ هَذا مَعَ تَوْطِئَةٍ لِذَلِكَ فِيما سَلَفَ في خَمْسَةِ مَواضِعَ: تَحْرِيفُهم لِكَلامِ اللَّهِ، وإيقاعُهُ النَّسْخَ واسْتِدْلالُهُ عَلى حُسْنِ فِعْلِهِ، وإخْبارُهُ بِظُلْمِ مانِعِ المَسْجِدِ، وإخْبارُهُ بِأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِهِ جِهَةً دُونَ أُخْرى، وذِكْرُهُ بِناءَ البَيْتِ وما أمَرَ بِهِ مِن تَعْظِيمِهِ واتِّخاذِهِ مُصَلّى؛ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَوْطِينِ نُفُوسِ أهْلِ الإسْلامِ وإكْرامِهِمْ بِتَعْلِيمِ الجَوابِ قَبْلَ الحاجَةِ، لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ وأكْسَرَ لِشَوْكَتِهِ وأرَدَّ لِشَغَبِهِ، وتَسْمِيَتُهم سُفَهاءَ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ فِيما مَضى عَمَّنْ نافَقَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٣] لِأنَّهم وإنْ كانُوا مُصارَحِينَ بِالكُفْرِ فاسْمُ النِّفاقِ مُنْطَبِقٌ عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى وهو أنَّهم أظْهَرُوا الكَفْرَ وأبْطَنُوا مَعْرِفَةَ الإيمانِ، أظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وأبْطَنُوا ما هم عارِفُونَ بِهِ مِن صِدْقِهِ، وأيْضًا فَإذا كانَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ أظْهَرُوا حُسْنًا سُفَهاءَ لِما أبْطَنُوهُ مِنَ القَبِيحِ فالَّذِينَ عَمَّهُمُ القُبْحُ ظاهِرًا وباطِنًا أسَفَهُ؛ وإلى قَوْلِهِ قَرِيبًا: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٣٠] لِما تَقَرَّرَ مِن مُخالَفَتِهِمْ لَهُ وإنِ ادَّعَوُا المُوافَقَةَ. وقالَ: ‏ أيِ: المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَظَمَةً وعِلْمًا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مُخَصَّصًا لَهُما لِكَوْنِهِما مَجْمَعَيِ الآفاقِ كَما مَضى فَلا تَخْتَصُّ بِالوُجْهَةِ إلَيْهِ جِهَةً دُونَ أُخْرى فَما أمَرَ بِهِ فَهو الحَقُّ.

ولَمّا قَرَّرَ أنَّ الجِهاتِ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ لِأنَّها مِلْكُهُ، عَلى أنَّ مَن تَوَجَّهَ إلى شَيْءٍ مِنها بِأمْرِهِ أصابَ رِضاهُ، وذَلِكَ هو الوُصُولُ إلَيْهِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا بِقَوْلِهِ مُعَظِّمًا لِأهْلِ الإسْلامِ ومُعَرِّفًا بِعِنايَتِهِ بِهِمْ: ‏‏‏‏ إلَيْهِ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: مِن عِبادِهِ، وعَظَّمَ الكَعْبَةَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ في أيِّ جِهَةٍ كانَتْ، فَمَتى سَلَكَهُ وصَلَ إلى المَقْصُودِ مِن غَيْرِ ضَلالٍ، ونَكَّرَهُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جُزْئِيّاتٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ وأمّا الصِّراطُ المُعَرَّفُ في الفاتِحَةِ فالمُرادُ بِهِ الشَّرِيعَةُ كُلُّها بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ال“ مِنَ الكَمالِ.