All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Ar-Raʿd 13:1 Juzʾ 13 Page 249

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

سُورَةُ الرَّعْدِ

مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ مَعَ أنَّ [لَهُ] صَوْتًا وصِيتًا وإرْعابًا وإرْهابًا يَهْدِي بِالفِعْلِ، وتارَةً لا يَتَأثَّرُ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلالِ والعَمى، وأنْسُبُ ما فِيها [لِهَذا] المَقْصِدِ الرَّعْدُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ يَسْمَعُهُ الأعْمى والبَصِيرُ والبارِزُ والمُسْتَتِرُ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ البَرْقُ والمَطَرُ وتارَةً لا، وإذا نَزَلَ المَطَرُ فَتارَةً يَنْفَعُ إذا أصابَ الأراضِيَ الطَّيِّبَةَ وسَلِمَتْ مِن عاهَةٍ، وتارَةً يَخِيبُ إذا نَزَلَ عَلى السِّباخِ الخَوّارَةِ وتارَةً يَضُرُّ بِالإغْراقِ أوِ الصَّواعِقِ أوِ البَرْدِ وغَيْرِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

”بِسْمِ اللَّهِ“ الحُقُّ الَّذِي كَلُّ ما عَداهُ باطِلٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ ”الرَّحِيم“الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِما يَرْضاهُ عَظِيمُ الوَهْيَةِ ‏‏‏‏‏.

لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِالدَّلِيلِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، بَعْدَ أنْ أشارَ إلى كَثْرَةِ ما يُحِسُّونَهُ مِن آياتِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ الإعْراضِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّشِ لِأنَّهُ أفْصَحُ لِلْبَداءَةِ في نَشْرِهِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ فَقالَ: ‏‏‏ أيِ الأنْباءُ المَتْلُوَّةُ والأقاصِيصُ المَجْلُوَّةُ المُفَصَّلَةُ بَدْرُ المَعانِي وبَدِيعُ الحِكَمِ وثابِتُ القَواعِدِ والمَبانِي العالِيَةِ المَراتِبِ ‏‏‏‏ والآيَةُ: الدَّلالَةُ العَجِيبَةُ في التَّأْدِيَةِ إلى المَعْرِفَةِ ‏‏‏‏‏‏ المُنَزَّلِ إلَيْكَ ”و“ جَمِيعُ ”الَّذِي“.

ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ المَلِكِ أمْرًا لا يَطْرُقُهُ مُرِيهِ لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما تَبِعَهُ مِن بَيانِهِ بِالسُّنَّةِ لِما لَهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا يَخَفَ عَلى [كُلِّ] عاقِلٍ، وكانَ [ما] تَحَقَّقَ أنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ كائِنٌ ‏‏ ‏‏‏ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّهُ هو ‏‏‏ أيِ المَوْضُوعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، الواضِحُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ مِن بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ، فَهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ وعْدَهُ بِالبَعْثِ سِحْرٌ، فَوَجَبَ [لِثُبُوتِ] حَقِّيَّتِهِ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ الآنِسِينَ بِأنْفُسِهِمُ المُضْطَرِبِينَ في آرائِهِمْ،

‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وإنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَتْ مُعايَنَةً - كَما قُلْنا ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٣] فَلَيْسَ هُدًى لَهم كامِلًا ولا رَحْمَةً تامَّةً، هَذا التَّقْدِيرُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ظاهِرُ] قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الرعد: ١٩] أنَّ ”الَّذِي“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن رَبِّك“ صِلَةُ ”أُنْزَلَ“ والخَبَرُ ”الحَقُّ“ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الآيَةُ، وهي وصْفُ المُنَزَّلِ بِأنَّهُ الحَقُّ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا تَمَّ [وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ مُبِينٌ، عَطْفُ الكَلامِ إلى تَفْصِيلِ أوَّلٍ] [سُورَةُ البَقَرَةِ]، والإيماءُ إلى أنَّهُ حانَ اجْتِناءُ الثَّمَرَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي بَعْدَها، ويَلْتَحِمُ بِذَلِكَ [وصْفُ] المُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ - كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ في بُرْهانِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في خاتِمَةِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٦] ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٧] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٨]

فَبَيانُ أيِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٢] وبَيانُ أيِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣] فَهَذِهِ أيِ السَّماواتُ والأرْضُ، وقَدْ زِيدَتْ بَيانًا في مَواضِعَ، ثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣] ما يَكُونُ مِنَ الآياتِ عَنْهُنَّ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَنْ جُرْمِ الأرْضِ، والضِّياءِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ وهي سَماوِيَّةٌ، ثُمَّ زادَ تَعالى آياتِ الأرْضِ بَيانًا وتَفْصِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤] ولَمّا كانَ إخْراجُ الثَّمَرِ بِالماءِ النّازِلِ [مِنَ السَّماءِ مِن أعْظَمِ آيَةٍ، ودَلِيلًا واضِحًا عَلى صِحَّةِ المَعادِ، ولِهَذا قالَ تَعالى] في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ [الأعراف: ٥٧] وكانَ قَدْ ورَدَ هُنا أعْظَمُ جِهَةٍ في الِاعْتِبارِ مِن إخْراجِها مُخْتَلِفاتٍ في الطَّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ مَعَ اتِّحادِ المادَّةِ ”يُسْقى“ بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ لِذَلِكَ ما أعْقَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤] الآيَةُ [بِقَوْلِهِ] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ القائِلَ بِهَذا وأنَّهُمُ الكافِرُونَ أهِلُ الخُلُودِ في النّارِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانٍ عَظِيمٍ حِلْمُهُ وعَفْوُهُ فَقالَ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٦] - الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِما يَشْعُرُ بِالجَرْيِ [عَلى السَّوابِقِ] في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الرعد: ٧] ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ مُلْكِهِ واطِّلاعِهِ عَلى دَقائِقَ ما أوْجَدَهُ مِن جَلِيلِ صُنْعِهِ واقْتِدارِهِ فَقالَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٨] - الآياتُ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الرعد: ١١] ثُمَّ خَوَّفَ عِبادَهُ وأنْذَرَهم ورَغَّبَهم ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ١٢] الآياتُ وكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ، وفي ذَلِكَ أكْثَرُ أيِ السُّورَةِ ونَبَّهَ تَعالى عَلى الآيَةِ الكُبْرى والمُعْجِزَةِ العُظْمى فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣١] والمُرادُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النساء: ٨٢] والتَّنْبِيهُ بِعَظِيمِ هَذِهِ الآياتِ مُناسِبٌ لِمُقْتَضى السُّورَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِما أوْدَعَ تَعالى مِنَ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَأنَّهُ جَلَّ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ لَهم عَظِيمَ ما أوْدَعَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ وبَسَطَ ذَلِكَ وأوْضَحَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرى جامِعَةٍ لِلْآياتِ ومُتَّسِعَةٍ لِلِاعْتِباراتِ فَقالَ تَعالى

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣١] فَهو مِن نَحْوِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤] أيْ لَوْ فَكَّرْتُمْ في آياتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَأقَلَّتْكم وكَفَتْكم في بَيانِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ ولَوْ فَكَّرْتُمْ في أنْفُسِكم وما أوْدَعَ تَعالى فِيكم مِنَ العَجائِبِ لاكْتَفَيْتُمْ ”مِن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ“ فَمِن قَبِيلِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الِاعْتِبارِ هو الواقِعُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مَن بَسْطِ [آياتِ] السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ القُرْآنَ وما يَحْتَمِلُ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ مِن بَسْطِ الآياتِ المُودَعَةِ في الأرْضِينَ والسَّماواتِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٦] فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ١٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٢٨] فالَّذِينَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ هم أُولُو الألْبابِ المُتَذَكِّرُونَ التّامُّو الإيمانِ وهُمُ القَلِيلُ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] والمَقُولُ فِيهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنفال: ٤] ودُونَ هَؤُلاءِ طَوائِفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا في دَرَجاتِهِمْ ولا بَلَغُوا يَقِينَهُمْ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٦] قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الشِّرْكُ في أُمَّتِي أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ» فَهَذا بَيانُ ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [يوسف: ١٠٧] فَما عَجَّلَ لَهم مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الرعد: ٣١] القاطِعُ دابِرَهُمْ، [و]المُسْتَأْصِلُ لِأمْرِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [يوسف: ١٠٨] الآيَةُ، فَقَدْ أوْضَحَتْ أيْ سُورَةُ الرَّعْدِ سَبِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَهُ بِما تَحَمَّلَتْهُ مِن عَظِيمِ التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلائِلِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وما في العالَمِ بِجُمْلَتِهِ وما تَحَمَّلَهُ الكِتابُ المُبِينُ - كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ [قَدْ] تَعَرَّضَتِ السُّورَةُ لِبَيانِ جَلِيِّ سالِكِي تِلْكَ السَّبِيلِ الواضِحَةِ المُنْجِيَةِ فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٢٠] إلى آخِرِ ما حَلّاهم بِهِ أخْذًا وتَرْكًا، ثُمَّ عادَ الكَلامُ بَعْدُ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ والبَسْطِ وتَقْرِيعِ الكُفّارِ وتَوْبِيخِهِمْ وتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أمْرِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٧] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرعد: ٣٨] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤٠] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ٤٣] والسُّورَةُ بِجُمْلَتِها غَيْرُ حائِدَةٍ عَنْ تِلْكَ الأغْراضِ المُجْمَلَةِ في الآياتِ الأرْبَعِ المَذْكُوراتِ مِن آخِرِ [سُورَةِ يُوسُفَ ]، ومُعْظَمُ السُّورَةِ وغالِبُ آيِها في التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلالاتِ والتَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ ما أوْدَعَتْ مِنَ الآياتِ؛ ولَمّا كانَ هَذا شَأْنُها أعْقَبَتْ بِمُفْتَتَحِ [سُورَةِ إبْراهِيمَ] عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى.