All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur’an as one whole — why this verse follows that.

Al-Furqān 25:21 Juzʾ 19 Page 362

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
نظم الدرر Al-Biqāʿī

ولَمّا ذَكَرَ هَذا الِابْتِلاءَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ ما هو سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ مِن سَعَةِ المُلْكِ، وكَثْرَةِ الصَّنائِعِ، والإحْسانِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وكانَ مِن حَقِّ كُلِّ مَرْبُوبٍ أنْ يَتَعَرَّفَ إلى رَبِّهِ، كائِنًا مَن كانَ، لا سِيَّما إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لِيَنالَ مِن إحْسانِهِ، ويَتَعَزَّزَ بِهِ عَلى أقْرانِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ أنَّهُ كَشَفَ الِابْتِلاءَ عَنْ أنَّهُ لا بَصَرَ لَهم فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ الوَصْفَ الَّذِي قُدِّمَ أنَّهُ مُوجِبٌ لِعَماهم فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لَيْسَتْ لَهم عُقُولٌ لِكَوْنِهِمْ نَسُوا ‏‏‏‏‏‏ فَهَمْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا يَطْمَعُونَ في إثْباتِنا لَهم عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ عَلى ما يَعْلَمُونَ لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي مَن رَجاها كانَتْ لَهُ فَسَعِدَ، ومَن أعْرَضَ عَنْها كانَتْ عَلَيْهِ فَهَلَكَ، فَصارَتْ لِذَلِكَ عُقُولُهم تَبَعًا لِشَهَواتِهِمْ، فَصارُوا يَتَعَرَّفُونَ إلى جَماداتٍ سَمَّوْها أرْبابَهُمْ، ويَقْصِدُونَها ويَتَمَسَّحُونَ بِها رَجاءً لِلْمُحالِ، والِانْهِماكِ في الضَّلالِ، فَذَكَرَ الرَّجاءَ لِهَذا الغَرَضِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ الخَوْفِ: ‏‏‏ أيْ هَلّا ولِمَ لا.

ولَمّا كانَ مُرادُهم لِجَهْلِهِمْ أنْ يَرَوْهم كُلَّهم دُفْعَةً واحِدَةً، عَبَّرَ بِالإنْزالِ فَقالَ: ‏‏‏‏ أيْ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ مِن أيِّ مُنْزِلٍ كانَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ كَما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ فِيما يَزْعُمُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِما لَهُ إلَيْنا مِنَ الإحْسانِ وما لَنا نَحْنُ مِنَ العَظَمَةِ بِالقُوَّةِ بِالأمْوالِ وغَيْرِها، فَيَأْمُرُنا بِما يُرِيدُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى واسِطَةٍ.

ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مِمّا لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يَجْتَرِئَ عَلَيْهِ، لِأنَّ فِيهِ اعْتِراضًا عَلى مَن لا يُحَدُّ وصْفُ عَظَمَتِهِ، ولا تُدْرَكُ مَقاصِدُ حِكْمَتِهِ، قالَ مُصَدِّرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ: ما حالُهم في هَذا؟ ‏‏‏ أيْ وعِزَّتِنا لَقَدْ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ طَلَبُوا بَلْ أوْجَدُوا الكِبْرَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِكِبْرِهِمْ ثَمَرَةٌ في الظّاهِرِ، لِأنَّهُ لا يَعُودُ بِالضَّرَرِ عَلى أحَدٍ غَيْرِهِمْ، قالَ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ بِطَلَبِ رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ.

ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِهِمْ أنَّهم طَلَبُوا رُتْبَةَ النَّبِيِ الَّذِي واسِطَتُهُ المَلَكُ، وزادُوا عَلَيْهِ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ الآخِذِينَ عَنِ اللَّهِ، وزادُوا عَلى ذَلِكَ بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ، قالَ: ‏‏‏‏ أيْ وجاوَزُوا الحَدَّ في الِاسْتِكْبارِ بِما وراءَهُ مِن طَلَبِهِمْ رُؤْيَةَ جَمِيعِ المَلائِكَةِ ورُؤْيَةِ المَلِكِ الجَبّارِ، وزادَ في تَأْكِيدِ هَذا المَعْنى لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وبَيانُ أنَّهم ما قالُوا هَذا إلّا عُتُوًّا وظُلْمًا أنَّ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ الَّتِي أُعْظَمُها القُرْآنُ دَلَّهم قَطْعًا بِعَجْزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنهُ عَلى صِدْقِهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ ما يَقُولُهُ، وفي حُسْنٍ هَذا الِاسْتِئْنافِ وفَحْوى هَذا السِّياقِ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ مِن غَيْرِ لَفْظِ تَعَجُّبٍ فالمَعْنى: ما أشَدَّ اسْتِكْبارَهم وأكْبَرَ عُتُوَّهُمْ!.