All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Muḥammad 47:1 Juzʾ 26 Page 507

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah - He will waste their deeds.

Read in the muṣḥaf

(p-١٩٤)سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وتُسَمّى القِتالَ، وتُسَمّى أيْضًا الَّذِينَ كَفَرُوا.

مَقْصُودُها التَّقَدُّمُ إلى المُؤْمِنِينَ في حِفْظِ حَظِيرَةِ الدِّينِ بِإدامَةِ الجِهادِ لِلْكُفّارِ، حَتّى يُلْزِمُوهُمُ الصَّغارَ، أوْ يُبْطِلُوا ضَلالَهم كَما أضَلَّ [اللَّهُ] أعْمالَهُمْ، لا سِيَّما أهْلُ الرِّدَّةِ الَّذِينَ [فَسَقَوْا عَنْ مُحِيطِ الدِّينِ إلى] أوْدِيَةِ الضَّلالِ المُبِينِ، والتِزامِ هَذا الخُلُقِ الشَّرِيفِ إلى أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها بِإسْلامِ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِكَ قاتَلْتَهُ و[أنَّكَ] إنْ لَمْ تُقاتِلْهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، واسْمُها مُحَمَّدٌ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجِهادَ كانَ خُلُقَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِالمَلْحَمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ حَمْدٌ وثَمَّ نَوْعُ ذَمٍّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ وفي سَبَإ وفي الفاتِحَةِ، ومَتى كانَ كَفٌّ عَنْ أعْداءِ اللَّهِ [كانَ] الذَّمُّ، [و] أوْضَحُ أسْمائِها في (p-١٩٥)هَذا المَقْصِدِ القِتالُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لِأهْلِ الضَّلالِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي [أقامَ] جُنْدَهُ لِلذَّبِّ عَنْ حِماهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ تارَةً بِالبَيانِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالحِفْظِ في طَرِيقِ الجِنانِ.

لَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ في الحَوامِيمِ حَتّى صارَتْ كالشَّمْسِ، لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ يَهْلَكُ بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ القَوْمُ الفاسِقُونَ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: سَتَرُوا أنْوارَ الأدِلَّةِ فَضَّلُوا عَلى عِلْمٍ ‏‏‏‏‏ أيِ امْتَنَعُوا بِأنْفُسِهِمْ ومَنَعُوا غَيْرَهم لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أيِ: الطَّرِيقِ الرَّحْبِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي شَرَعَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ‏‏‏ أيْ: أبْطَلَ إبْطالًا عَظِيمًا [يُزِيلُ العَيْنَ والأثَرَ] ‏‏‏‏‏‏ الَّتِي هي أرْواحُهُمُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كُلُّ شَيْءٍ يَقْصِدُونَ بِهِ نَفْعَ أنْفُسَهم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ بَعْدَ أنْ وفَّرَ سَيِّئاتِهِمْ وأفْسَدَ بالَهُمْ، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمْ ما يَكِيدُونَكم بِهِ؛ لِأنَّها إذا ضَلَّتْ عَمّا قَصَدُوا بِها بِجَعْلِهِ سُبْحانَهُ لَها ضالَّةً ضائِعَةً هَلَكَتْ مِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في المَهالِكِ ومِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي قُصِدَتْ لَها فَبَطَلَتْ مَنفَعَتُها المَقْصُودَةُ مِنها فَصارَتْ هي باطِلَةً فَأذْهِبُوا أنْتُمْ أرْواحَهُمُ الحِسِّيَّةَ بِأنْ تُبْطِلُوا صُوَرَهم وأشْباحَهم بِأنْ تُقَطِّعُوا أوْصالَهم (p-١٩٦)وأنْتُمْ في غايَةِ الِاجْتِراءِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ رَبَّهُمُ الَّذِي أوْجَدَهم قَدْ أبْطَلَهم وأذِنَ لَكم في إبْطالِهِمْ، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنْ لا صَلاحَ لَهم والمُؤْذِي طَبْعًا يُقْتَلُ شَرْعًا، فَمَن قَدَرْتُمْ عَلى قَتْلِهِ فَهو مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، مَحْتُومٌ بِخَيْبَتِهِ وخُسْرِهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْبَنَتْ سُورَةُ الأحْقافِ عَلى ما ذُكِرَ مِن مَآلِ مَن كَذَّبَ وافْتَرى وكَفَرَ وفَجَرَ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِإعْراضِهِمْ، خُتِمَتْ بِما [قَدْ] تَكَرَّرَ مِن تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] أيْ: لَوِ اعْتَبَرُوا بِالبُداءَةِ لَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ أمْرُ العَوْدَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَرْضَهم عَلى النّارِ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ٣٥] فَلَمّا خَتَمَ بِذِكْرِ هَلاكِهِمْ، افْتَتَحَ السُّورَةَ الأُخْرى بِعاجِلِ ذَلِكَ اللّاحِقِ لَهم في دُنْياهم فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [محمد: ٤] الآيَةَ. بَعْدَ ابْتِداءِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ أصْلَ مِحْنَتِهِمْ إنَّما هو (p-١٩٧)بِما أرادَهُ تَعالى بِهِمْ في سابِقِ عِلْمِهِ لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّ الهُدى والضَّلالَ بِيَدِهِ، فَنَبَّهَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلِهِ في الآخَرِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [محمد: ٢] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِهِمُ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ حَضَّ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أمَرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [محمد: ٧] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ. انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:1