All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Muḥammad 47:1 Juzʾ 26 Page 507

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allah - He will waste their deeds.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

صَدَّرَ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ بِتَوْطِئَةٍ لِبَيانِ غَضَبِ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُثِيرًا في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ وكَراهِيَةً فَتَثُورُ فِيهِمْ هِمَّةُ الإقْدامِ عَلى قِتالِ الكافِرِينَ، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِن قُوَّةٍ، حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ المُشْرِكِينَ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [محمد: ٤] .

صفحة ٧٣
وفِي الِابْتِداءِ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ المُتَضَمِّنَةِ كُفْرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُناوَأتَهم لِدِينِ اللَّهِ - تَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الحُكْمِ المُناسِبِ لِلصِّلَةِ، وإيماءٌ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، أيْ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ.
والكُفْرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ حَيْثُما أُطْلِقَ الكُفْرَ مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةِ إرادَةِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ.

وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ثَلاثَةِ أوْصافٍ لِلْمُشْرِكِينَ. وهي: الكُفْرُ، والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وضَلالُ الأعْمالِ النّاشِئُ عَنْ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهم.

والصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ: هو صَرْفُ النّاسِ عَنْ مُتابَعَةِ دِينِ الإسْلامِ، وصَرْفُهم أنْفُسَهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

وأُضِيفَ السَّبِيلُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضاهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٩] . واسْتُعِيرَ اسْمُ السَّبِيلِ لِلدِّينِ لِأنَّ الدِّينَ يُوَصِّلُ إلى رِضا اللَّهِ كَما يُوَصِّلُ السَّبِيلُ السّائِرَ فِيهِ إلى بُغْيَتِهِ.

ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ قالَ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحج: ٢٥] .

ومِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ: إخْراجُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ، وصَدُّهم عَنِ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إطْعامُهُمُ النّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ لِيَثْبُتُوا مَعَهم ويَكْثُرُوا حَوْلَهم، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن سادَةِ المُشْرِكِينَ مَن قُرَيْشٍ. وهم: أبُو جَهْلٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبَيْهُ بْنُ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهُ بْنُ الحَجّاجِ، وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وهَذا الأخِيرُ أسْلَمَ مِن بَعْدُ، وصارَ مِن خِيرَةِ الصَّحابَةِ.

وعُدَّ مِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو، ومِقْيَسٌ الجُمَحِيُّ، والعَبّاسُ بْنُ

صفحة ٧٤
عَبْدِ المَطْلَبِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وهَذانِ أسْلَما وحَسُنَ إسْلامُهُما وفي الثَّلاثَةِ الآخَرِينَ خِلافٌ.
ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٢٦] .

والإضْلالُ: الإبْطالُ والإضاعَةُ، وهو يَرْجِعُ إلى الضَّلالِ. وأصْلُهُ الخَطَأُ لِلطَّرِيقِ المَسْلُوكِ لِلْوُصُولِ إلى مَكانٍ يُرادُ وهو يَسْتَلْزِمُ المَعانِيَ الأُخَرَ.

وهَذا اللَّفْظُ رَشِيقُ المُوَقِّعِ هُنا لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ أعْمالَهُمُ الَّتِي تَبْدُو حَسَنَةً، فَلَمْ يُثِبْهم عَلَيْها مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإطْعامِ جائِعٍ، ونَحْوِهِما، ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنْ كانَ غالِبُ أعْمالِهِمْ عَبَثًا وسَيِّئًا ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَيَّبَ سَعْيَهم فَلَمْ يَحْصُلُوا مِنهُ عَلى طائِلٍ فانْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ وذَهَبَ إطْعامُهُمُ الجَيْشَ باطِلًا، وأُفْسِدَ تَدْبِيرُهم وكَيْدُهم لِلرَّسُولِ ﷺ فَلَمْ يَشْفُوا غَلِيلَهم يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَوالَتِ انْهِزاماتُهم في المَواقِعِ كُلِّها قالَ - تَعالى - ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٣٦] .

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:1