All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Hūd 11:1 Juzʾ 11 Page 221

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏
تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها مِن نُظَرائِها وما سُورَةُ يُونُسَ بِبَعِيدٍ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏
القَوْلُ في الِافْتِتاحِ بِقَوْلِهِ: كِتابٌ وتَنْكِيرُهُ مُماثِلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِماذا يَعْجَبُ المُشْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ويُكَذِّبُونَ بِهِ. فَـ كِتابٌ مُبْتَدَأٌ، سَوَّغَ الِابْتِداءُ ما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلنَّوْعِيَّةِ.

و‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ خَبَرٌ و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ صِفَةً مُخَصَّصَةً، وهي مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُحْكِمَتْ هو الخَبَرُ. وتَجْعَلَ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ

والإحْكامُ: إتْقانُ الصُّنْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الحِكْمَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ. وهي إتْقانُ الأشْياءِ بِحَيْثُ تَكُونُ سالِمَةً مِنَ الأخْلالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِنَوْعِها، أيْ جُعِلَتْ آياتُهُ كامِلَةً في نَوْعِ الكَلامِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ مِن مُخالَفَةِ الواقِعِ ومِن أخْلالِ المَعْنى واللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وبِهَذا المَعْنى تُنْبِئُ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏

وآياتُ القُرْآنِ: الجُمَلُ المُسْتَقِلَّةُ بِمَعانِيها المُخْتَتَمَةِ بِفَواصِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ بِالآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
والتَّفْصِيلُ: التَّوْضِيحُ والبَيانُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الشَّيْءِ وغَيْرِهِ بِما يُمَيِّزُهُ، فَصارَ كِنايَةً مَشْهُورَةً عَنِ البَيانِ لِما فِيهِ مِن فَصْلِ المَعانِي. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونَظِيرُهُ: الفَرْقُ، كَنّى بِهِ عَنِ البَيانِ فَسُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وعَنِ الفَصْلِ فَسُمِّيَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ، ومِنهُ في ذِكْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الدخان: ٤].

وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ لِما في التَّفْصِيلِ مِنَ الِاهْتِمامِ لَدى النُّفُوسِ لِأنَّ العُقُولَ تَرْتاحُ إلى البَيانِ والإيضاحِ.

و‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِن عِنْدِ المَوْصُوفِ بِإبْداعِ الصُّنْعِ لِحِكْمَتِهِ، وإيضاحِ التَّبْيِينِ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ. والخَبِيرُ: العالِمُ بِخَفايا الأشْياءِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الأشْياءُ كانَتِ الإحاطَةُ بِها أعَزَّ، فالحَكِيمُ مُقابِلٌ لِـ أُحْكِمَتْ، والخَبِيرُ مُقابِلٌ لِـ فُصِّلَتْ. وهُما وإنْ كانا مُتَعَلِّقَ العِلْمِ ومُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ إذِ القُدْرَةُ لا تَجْرِي إلّا عَلى وِفْقِ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ رُوعِيَ في المُقابَلَةِ الفِعْلُ الَّذِي هو أثَرُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ أشَدُّ تَبادُرًا فِيهِ لِلنّاسِ مِنَ الآخَرِ وهَذا مِن بَلِيغِ المُزاوَجَةِ.