All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Insān 76:1 Juzʾ 29 Page 578

‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ والِاسْتِفْهامُ مِن أقْسامِ الخِطابِ وهو هُنا مُوَجَّهٌ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ ومُسْتَعْمَلٍ في تَحْقِيقِ الأمْرِ المُقَرَّرِ بِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ طَلَبُ الفَهْمِ، والتَّقْرِيرُ يَقْتَضِي حُصُولَ العِلْمِ بِما تَقَرَّرَ بِهِ وذَلِكَ إيماءٌ إلى اسْتِحْقاقِ اللَّهِ أنْ يَعْتَرِفَ الإنْسانُ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الرُّبُوبِيَّةِ إبْطالًا لِإشْراكِ المُشْرِكِينَ.

وتَقْدِيمُ هَذا الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِن تَشْوِيقٍ إلى مَعْرِفَةِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الكَلامِ.

فَجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏) تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها وهي (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإنسان: ٢]) إلَخْ.
و(هَلْ) حَرْفٌ يُفِيدُ الِاسْتِفْهامَ ومَعْنى التَّحْقِيقِ، وقالَ جَمْعٌ: أصْلُ (هَلْ) إنَّها في الِاسْتِفْهامِ مَثَلٌ (قَدْ) في الخَبَرِ، وبِمُلازِمَةِ (هَلْ) الِاسْتِفْهامَ كَثُرَ في الكَلامِ حَذْفُ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مَعَها فَكانَتْ فِيهِ بِمَعْنى (قَدْ)، وخُصَّتْ بِالِاسْتِفْهامِ فَلا تَقَعُ في الخَبَرِ، ويَتَطَرَّقُ إلى الِاسْتِفْهامِ بِها ما يَتَطَرَّقُ إلى الِاسْتِفْهامِ مِنَ الِاسْتِعْمالاتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢١٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ حَمْلَ الِاسْتِفْهامِ عَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ يَحْصُلُ هَذا المَعْنى.

والمَعْنى: هَلْ يُقِرُّ كُلُّ إنْسانٍ مَوْجُودٍ أنَّهُ كانَ مَعْدُومًا زَمانًا طَوِيلًا، فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ، أيْ لَمْ يَكُنْ يُسَمّى ولا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بِذاتِهِ - وإنْ كانَ قَدْ يُذْكَرُ بِوَجْهِ العُمُومِ في نَحْوِ قَوْلِ النّاسِ: المَعْدُومُ مُتَوَقِّفٌ وُجُودُهُ عَلى فاعِلٍ. وقَوْلُ الواقِفِ: حُبِسْتُ عَلى ذُرِّيَّتِي، ونَحْوَهُ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ ذِكْرًا لِمُعَيَّنٍ ولَكِنَّهُ حُكْمٌ عَلى الأمْرِ المُقَدَّرِ وجُودُهُ -. وهم لا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اكْتُفِيَ بِتَوْجِيهِ هَذا التَّقْرِيرِ إلى كُلِّ سامِعٍ.

وتَعْرِيفُ (الإنْسانُ) لِلِاسْتِغْراقِ مِثْلُ قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٣]) الآيَةَ، أيْ هَلْ أتى عَلى كُلِّ إنْسانٍ حِينٌ كانَ فِيهِ مَعْدُومًا.

والدَّهْرُ: الزَّمانُ الطَّوِيلُ أوِ الزَّمانُ المُقارِنُ لِوُجُودِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ.

والحِينُ: مِقْدارٌ مُجْمَلٌ مِنَ الزَّمانِ يُطْلَقُ عَلى ساعَةٍ وعَلى أكْثَرَ، وقَدْ قِيلَ إنَّ أقْصى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الحِينُ أرْبَعُونَ سَنَةً ولا أحْسَبُهُ.

وجُمْلَةُ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَعْتًا لِـ (حِينٌ) بِتَقْدِيرِ ضَمِيرٍ رابِطٍ بِمَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ لَفْظِ (حِينٌ) عَلى أنَّ العائِدَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ حُذِفَ مَعَ جارِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٤٨]) إذِ التَّقْدِيرُ: لا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، فالتَّقْدِيرُ هُنا: لَمْ يَكُنْ فِيهِ الإنْسانُ شَيْئًا مَذْكُورًا، أيْ كانَ مَعْدُومًا في زَمَنٍ سَبَقَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الإنْسانِ، وحُذِفَ العائِدُ كَحَذْفِهِ في تَقْدِيرِ النَّعْتِ.
والشَّيْءُ: اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ.
والمَذْكُورُ: المُعَيَّنُ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُذْكَرُ، أيْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ ويُخْبَرُ عَنْهُ بِالأخْبارِ والأحْوالِ. ويَتَعَلَّقُ لَفْظُهُ الدّالُّ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ.

فَأمّا المَعْدُومُ فَلا يُذَكَرُ لِأنَّهُ لا تَعَيُّنَ لَهُ فَلا يُذْكَرُ إلّا بِعُنْوانِهِ العامِّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولَيْسَ هَذا هو المُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا.

ولِهَذا نَجْعَلُ مَذْكُورًا وصْفًا لِـ ”شَيْئًا“ أُرِيدَ بِهِ تَقْيِيدُ (شَيْئًا)، أيْ شَيْئًا خاصًّا وهو المَوْجُودُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمِهِ المُعَيَّنِ لَهُ.