All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Anʿām 6:1 Juzʾ 7 Page 128

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

جُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏ تُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّهِ تَعالى الحَمْدَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. واللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَدَلَّتْ عَلى انْحِصارِ اسْتِحْقاقِ هَذا الجِنْسِ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ‏‏‏‏ ‏ هُنا خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى إذْ لَيْسَ هُنا ما يَصْرِفُ إلى قَصْدِ إنْشاءِ الحَمْدِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ الفاتِحَةِ لِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَمَن جَوَّزَ في هَذِهِ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ مَعْنًى لَمْ يَجِدِ التَّأمُّلَ.

صفحة ١٢٦
فالمَعْنى هُنا أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا اللَّهُ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا الأصْنامَ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ مِن إسْدائِها إلَيْهِمْ نِعَمًا ونَصْرًا وتَفْرِيجَ كُرُباتٍ، فَقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ حِينَ انْتَصَرَ هو وفَرِيقُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ وأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المُنْعِمِينَ تَسامُحٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ صُورِيَّةٌ لِجَرَيانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى يَدَيْهِ. والمَقْصُودُ هو هو، وهو الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَحِقُّ الحَمْدَ الصُّورِيَّ بَلْهَ الحَقِيقِيَّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [مريم: ٤٢] . ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ عَلى عَظِيمِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أفادَ مَعَ صِلَتِهِ التَّذْكِيرَ بِعَظِيمِ صِفَةِ الخَلْقِ الَّذِي عَمَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ. وذَلِكَ أوْجَزُ لَفْظٍ في اسْتِحْضارِ عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ في التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا إيذانٌ بِتَعْلِيلِ الجُمْلَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، إذْ لَيْسَتِ الجُمْلَةُ إنْشائِيَّةً كَما عَلِمْتَ. والجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لا تُعَلَّلُ، لِأنَّ الخَبَرَ حِكايَةُ ما في الواقِعِ فَلا حاجَةَ لِتَعْلِيلِهِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الأوْصافِ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وجَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها عَوالِمُ كَثِيرَةٌ، إذْ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها عالَمٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنها الكَواكِبُ السَّبْعَةُ المَشْهُورَةُ المُعَبَّرُ عَنْها في القُرْآنِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ فِيما نَرى. وأفْرَدَ الأرْضَ لِأنَّها عالَمٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ لَفْظُ الأرْضِ في القُرْآنِ جَمْعًا.

وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أشارَ في الكَشّافِ أنَّ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَهو بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ فَيُقارِبُ مُرادِفَةَ مَعْنى (خَلَقَ) . والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (خَلَقَ)؛ فَإنَّ في الخَلْقِ مُلاحَظَةَ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مُلاحَظَةَ مَعْنى الِانْتِسابِ، يَعْنِي كَوْنَ المَجْعُولِ مَخْلُوقًا لِأجْلِ غَيْرِهِ أوْ مُنْتَسِبًا إلى غَيْرِهِ، فَيُعْرَفُ المُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ. فالظُّلُماتُ والنُّورُ لَمّا كانا عَرَضَيْنِ كانَ خَلْقُهُما تَكْوِينًا لِتَكَيُّفِ مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِما. ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَقِبَ ذِكْرِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، وبِاخْتِيارِ لَفْظِ الخَلْقِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَفْظِ الجَعْلِ لِلظُّلُماتِ

صفحة ١٢٧
والنُّورِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٨٩] فَإنَّ الزَّوْجَ - وهو الأُنْثى - مُراعًى في إيجادِهِ أنْ يَكُونَ تَكْمِلَةً لِخَلْقِ الذِّكْرِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] والخَلْقُ أعَمُّ في الإطْلاقِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] لِأنَّ كُلَّ تَكْوِينٍ لا يَخْلُو مِن تَقْدِيرٍ ونِظامٍ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ عَرَضَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وهُما: الظُّلُماتُ والنُّورُ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ لِاسْتِواءِ جَمِيعِ النّاسِ في إدْراكِهِما والشُّعُورِ بِهِما. وبِذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ حَصَلَتِ الإشارَةُ إلى جِنْسَيِ المَخْلُوقاتِ مِن جَواهِرَ وأعْراضٍ. فالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ فِعْلِ (خَلَقَ) وفِعْلِ (جَعَلَ) هُنا مَعْدُودٌ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ. وإنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعَ صاحِبَتِها مَقامًا، وهو ما يُسَمّى في عُرْفِ الأُدَباءِ بِرَشاقَةِ الكَلِمَةِ، فَفِعْلُ (خَلَقَ) ألْيَقُ بِإيجادِ الذَّواتِ، وفِعْلُ (جَعَلَ) ألْيَقُ بِإيجادِ أعْراضِ الذَّواتِ وأحْوالِها ونِظامِها.

والِاقْتِصارُ في ذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ عَقائِدِ كُفّارِ العَرَبِ فَإنَّهم بَيْنَ مُشْرِكِينَ وصابِئَةٍ ومَجُوسٍ ونَصارى، وكُلُّهم قَدْ أثْبَتُوا آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ؛ فالمُشْرِكُونَ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ، والصّابِئَةُ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الكَواكِبِ السَّماوِيَّةِ، والنَّصارى أثْبَتُوا إلَهِيَّةَ عِيسى أوْ عِيسى ومَرْيَمَ وهُما مِنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ، والمَجُوسُ وهُمُ المانَوِيَّةُ ألَّهُوا النُّورَ والظُّلْمَةَ، فالنُّورُ إلَهُ الخَيْرِ والظُّلْمَةُ إلَهُ الشَّرِّ عِنْدَهم.

فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ بِما فِيهِنَّ، وخالِقُ الظُّلُماتِ والنُّورِ.

ثُمَّ إنَّ في إيثارِ الظُّلُماتِ والنُّورِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأعْراضِ إيماءً وتَعْرِيضًا بِحالَيِ المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ مِن كُفْرِ فَرِيقٍ وإيمانِ فَرِيقٍ، فَإنَّ الكُفْرَ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ لِأنَّهُ انْغِماسٌ في جَهالَةٍ وحَيْرَةٍ، والإيمانُ يُشْبِهُ النُّورَ لِأنَّهُ اسْتِبانَةُ الهُدى والحَقِّ. قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٥٧] . وقَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ مُراعاةً لِلتَّرَتُّبِ في الوُجُودِ لِأنَّ الظُّلْمَةَ سابِقَةٌ النُّورَ، فَإنَّ النُّورَ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الذَّواتِ المُضِيئَةِ، وكانَتِ الظُّلْمَةُ عامَّةً. وإنَّما جَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، لِأنَّ لَفْظَ الظُّلُماتِ بِالجَمْعِ أخَفُّ، ولَفْظَ النُّورِ بِالإفْرادِ أخَفُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الظُّلُماتِ في القُرْآنِ إلّا جَمْعًا

صفحة ١٢٨
ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النُّورِ إلّا مُفْرَدًا. وهُما مَعًا دالّانِ عَلى الجِنْسِ، والتَّعْرِيفُ الجِنْسِيُّ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ.
* * *
‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ . فَـ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ الدّالِّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها يَتَضَمَّنُ مَعْنى مِن نَوْعِ ما قَبْلَهُ، وهو أهَمُّ في بابِهِ. وذَلِكَ شَأْنُ (ثُمَّ) إذا ورَدَتْ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى أُخْرى، فَإنَّ عُدُولَ المُشْرِكِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ أمْرٌ غَرِيبٌ فِيهِمْ أعْجَبُ مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ.

والحُجَّةُ ناهِضَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّ جَمِيعَهم عَدا المانَوِيَّةَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ والمُدَبِّرُ لِلْكَوْنِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [النحل: ١٧] .

والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ بِقَرِينَةِ مَوْقِعِ ثُمَّ ودَلالَةِ المُضارِعِ عَلى التَّجَدُّدِ، فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ ظاهِرٌ وأمّا المانَوِيَّةُ فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ في أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى الخالِقِ وعَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ. فالمُرادُ بِـ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٧] كُلُّ مَن كَفَرَ بِإثْباتِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً في ذَلِكَ مَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ والصّابِئَةِ ومَن خَصَّ غَيْرَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ كالمانَوِيَّةِ. وهَذا المُرادُ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ وإنْ كانَ غالِبَ عُرْفِ القُرْآنِ إطْلاقُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ.

ومَعْنى يَعْدِلُونَ يُسَوُّونَ. والعَدْلُ: التَّسْوِيَةُ. تَقُولُ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ، إذا سَوَّيْتَهُ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٩٥]، فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَعْدِلُونَ ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِـ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٧] لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ.

وحَذْفُ مَفْعُولِ يَعْدِلُونَ، أيْ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ فَرِيقٍ ماذا عَدَلَ بِاللَّهِ. والمُرادُ يَعْدِلُونَهُ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ كَما كانَ

صفحة ١٢٩
مُشْرِكُو العَرَبِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وكَما قالَتِ الصّابِئَةُ في الأرْواحِ، والنَّصارى في الِابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ.
ومَعْنى التَّعْجِيبِ عامٌّ في أحْوالِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً فِيهِمْ مَن كانَ أهْلًا لِلِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِذَلِكَ، لِأنَّ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أنَّهُ يَخْلُقُهم ويَخْلُقُ مَعْبُوداتِهِمْ فَلا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بَلْ ويَخْتَلِقُونَ إلَهِيَّةَ غَيْرِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعْجِيبَ مِن شَأْنِهِمْ مُتَفاوِتٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:1