All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

At-Taḥrīm 66:1 Juzʾ 28 Page 560

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏.
افْتِتاحُ السُّورَةِ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ بِالنِّداءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ مِمّا يَهْتَمُّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والأُمَّةُ ولِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ مِن عَلائِقِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا يُوجَدُ ما يَدْعُو إلى أنْ تُحَرِّمَ عَلى نَفْسِكَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ، ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا التَزَمَ عَدَمَ العَوْدِ إلى ما صَدَرَ مِنهُ التِزامًا بِيَمِينٍ أوْ بِدُونِ يَمِينٍ أرادَ الِامْتِناعَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ قاصِدًا بِذَلِكَ تَطْمِينَ أزْواجِهِ اللّائِي تَمالَأْنَ عَلَيْهِ لِفَرْطِ غَيْرَتِهِنَّ، أيْ لَيْسَتْ غَيْرَتُهُنَّ مِمّا تَجِبُ مُراعاتُهُ في المُعاشَرَةِ إنْ كانَتْ فِيما لا هَضْمَ فِيهِ لِحُقُوقِهِمْ، ولا هي مِن إكْرامِ إحْداهِنَّ لِزَوْجِها إنْ كانَتِ الأُخْرى لَمْ تَتَمَكَّنْ مِن إكْرامِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ في بَعْضِ الأيّامِ.

وهَذا يُومِئُ إلى ضَبْطِ ما يُراعى مِنَ الغَيْرَةِ وما لا يُراعى.

وفِعْلُ (تُحَرِّمُ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: تَجْعَلُ ما أُحِلَّ لَكَ حَرامًا، أيْ تُحَرِّمُهُ عَلى نَفْسِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى (‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ٩٣]) وقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ هُنا (‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏).

ولَيْسَ مَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى كَوْنِهِ حَرامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى (‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٣٢])، وقَوْلِهِ (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ٣٧])، فَإنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي بِمَعْنى التَّصْبِيرِ كَما يُقالُ: وسِّعْ هَذا البابَ، ويَأْتِي بِمَعْنى إيجادِ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِثْلِ ما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ طَوْقَ الجُبَّةِ.

ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّكَ غَيَّرْتَ إباحَتَهُ حَرامًا عَلى النّاسِ أوْ عَلَيْكَ. ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الكَشّافِ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أحَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ عَرَفَها في إحْلالِهِ إلَخْ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏) لِأنَّهُ أوْقَعَ تَحْرِيمًا مُتَجَدِّدًا.

فَجُمْلَةُ (تَبْتَغِي) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُحَرِّمُ). فالتَّعْجِيبُ واقِعٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ (‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٣٠]) وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏) لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ هو أنَّ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ ما لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ما
يُوجِبُ قَطْعَهُ مِن ضُرٍّ أوْ مَرَضٍ لِأنَّ تَناوُلَهُ شُكْرٌ لِلَّهِ واعْتِرافٌ بِنِعْمَتِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ.
وفِي قَوْلِهِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) عُذْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ فِيما فَعَلَهُ مِن أنَّهُ أرادَ بِهِ خَيْرًا وهو جَلْبُ رِضا الأزْواجِ لِأنَّهُ أهْوَنُ عَلى مُعاشَرَتِهِ مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَرْضاةِ لا يَعْبَأُ بِها لِأنَّ الغَيْرَةَ نَشَأتْ عَنْ مُجَرَّدِ مُعاكَسَةِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا وذَلِكَ مِمّا يَخْتَلُّ بِهِ حُسْنُ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُنَّ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الِاجْتِهادَ مُعارَضٌ بِأنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ يُفْضِي إلى قَطْعِ كَثِيرٍ مِن أسْبابِ شُكْرِ اللَّهِ عِنْدَ تَناوُلِ نِعَمَهُ وأنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي إبْطالُهُ في سِيرَةِ الأُمَّةِ.

وذُيِّلَ بِجُمْلَةِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏) اسْتِئْناسًا لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وحْشَةِ هَذا المَلامِ، أيْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكَ مِثْلَ قَوْلِهِ (‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ٤٣]).