All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Falaq 113:1 Juzʾ 30 Page 604

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏

الأمْرُ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي المُحافَظَةَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ لِأنَّها الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَتَعَوَّذَ بِها فَإجاباتُها مَرْجُوَّةٌ، إذْ لَيْسَ هَذا المَقُولُ مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ يُكَلَّفُ بِهِ أوْ يُعْمَلُ حَتّى يَكُونَ المُرادُ: قُلْ لَهم كَذا كَما في قَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الإخلاص: ١])، وإنَّما هو إنْشاءُ مَعْنًى في النَّفْسِ تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الأقْوالُ الخاصَّةُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ المُعَوِّذَتَيْنِ فَقالَ: (قِيلَ لِي قُلْ، فَقُلْتُ لَكم فَقُولُوا). يُرِيدُ بِذَلِكَ المُحافَظَةَ عَلى هَذِهِ الألْفاظِ لِلتَّعَوُّذِ، وإذْ قَدْ كانَتْ مِنَ القُرْآنِ فالمُحافَظَةُ عَلى ألْفاظِها مُتَعَيِّنَةٌ والتَّعَوُّذُ يَحْصُلُ بِمَعْناها وبِألْفاظِها حَتّى كَلِمَةِ (قُلْ).

والخِطابُ في (قُلْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ وإذَ قَدْ كانَ قُرْآنًا كانَ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ يَشْمَلُ الأُمَّةَ حَيْثُ لا دَلِيلَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْضَ أصْحابِهِ بِالتَّعَوُّذِ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ولِذَلِكَ أيْضًا كانَ يُعَوِّذُ بِهِما الحَسَنَ والحُسَيْنَ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ، فَتَكُونُ صِيغَةُ الأمْرِ المُوَجَّهَةُ إلى المُخاطَبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنَيَيِ الخِطابِ مِن تَوَجُّهِهِ إلى مُعَيَّنٍ وهو الأصْلُ، ومِن إرادَةِ كُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ وهو
طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخِطابِ تَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ القَرائِنُ، فَيَكُونُ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ.
واسْتِعْمالُ صِيغَةِ التَّكَلُّمِ في فِعْلِ (أعُوذُ) يَتْبَعُ ما يُرادُ بِصِيغَةِ الخِطابِ في فِعْلِ (قُلْ) فَهو مَأْمُورٌ بِهِ لِكُلِّ مَن يُرِيدُ التَّعَوُّذَ بِها.

وأمّا تَعْوِيذُ قارِئِها غَيْرَهُ بِها كَما ورَدَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يُعَوِّذُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ الحَسَنَ والحُسَيْنَ». وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «(إنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَنْفُثُ عَلى نَفْسِهِ في المَرَضِ الَّذِي ماتَ فِيهِ بِالمُعَوِّذاتِ، فَلَمّا ثَقُلَ كُنْتُ أنْفُثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وأمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِها»)؛ فَلِذَلِكَ عَلى نِيَّةِ النِّيابَةِ عَمَّنْ لا يُحْسِنُ أنْ يُعَوِّذَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ بِتِلْكَ الكَلِماتِ لِعَجْزٍ أوْ صِغَرٍ أوْ عَدَمِ حِفْظٍ.

والعَوْذُ: اللَّجْأُ إلى شَيْءٍ يَقِي مَن يَلْجَأُ إلَيْهِ ما يَخافُهُ، يُقالُ: عاذَ بِفُلانٍ، وعاذَ بِحِصْنٍ، ويُقالُ: اسْتَعاذَ، إذا سَألَ غَيْرَهُ أنْ يُعِيذَهُ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ٢٠٠]. وعاذَ مِن كَذا، إذا صارَ إلى ما يُعِيذُهُ مِنهُ. قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٩٨].

والفَلَقُ: الصُّبْحُ، وهو فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ الصَّمَدِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ شُبِّهَ بِشَيْءٍ مُغْلَقٍ يَنْفَلِقُ عَنِ الصُّبْحِ، وحَقِيقَةُ الفَلْقِ: الِانْشِقاقُ عَنْ باطِنِ شَيْءٍ، واسْتُعِيرَ لِظُهُورِ الصُّبْحِ بَعْدَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وهَذا مِثْلَ اسْتِعارَةِ الإخْراجِ لِظُهُورِ النُّورِ بَعْدَ الظَّلامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النازعات: ٢٩]، واسْتِعارَةِ السَّلْخِ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يس: ٣٧].

ورَبُّ الفَلَقِ: هو اللَّهُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ أسْبابَ ظُهُورِ الصُّبْحِ، وتَخْصِيصُ وصْفِ اللَّهِ بِأنَّهُ رَبُّ الفَلَقِ دُونَ وصْفٍ آخَرَ؛ لِأنَّ شَرًّا كَثِيرًا يَحْدُثُ في اللَّيْلِ مِن لُصُوصٍ، وسِباعٍ، وذَواتِ سُمُومٍ، وتَعَذُّرِ السَّيْرِ، وعُسْرِ النَّجْدَةِ، وبُعْدِ الِاسْتِغاثَةِ واشْتِدادِ آلامِ المَرْضى، حَتّى ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ الضَّلالَةِ اللَّيْلَ إلَهَ الشَّرِّ.

والمَعْنى: أعُوذُ بِفالِقِ الصُّبْحِ مَنجاةً مِن شُرُورِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْجِيَنِي في اللَّيْلِ مِنَ الشَّرِّ كَما أنْجى أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم بِأنْ خَلَقَ لَهُمُ الصُّبْحَ، فَوُصِفَ اللَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي فِيها تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ.