All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Falaq 113:1 Juzʾ 30 Page 604

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Say, "I seek refuge in the Lord of daybreak

Read in the muṣḥaf

(p-٤٠٦)سُورَةُ الفَلَقِ مَقْصُودُها

الِاعْتِصامُ مِن شَرِّ كُلِّ ما انْفَلَقَ عَنْهُ الخَلْقُ الظّاهِرُ والباطِنُ، واسْمُها ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الحَوْلِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي اسْتَجْمَعَ كَمالَ الطَّوْلِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ عَلى أهْلِ وِدادِهِ جَمِيعَ النَّوْلِ بِالسَّلامِ مِن عَلَيِّ القَوْلِ.

لِما افْتَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا الذِّكْرَ الحَكِيمَ بِالهِدايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وبِالهِدايَةِ والتَّقْوى الَّتِي هي شِعارُ التّائِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وذَلِكَ أوَّلُ مَنازِلِ السّاتِرِينَ، وخَتَمَ بِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ عَلى وجْهٍ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ أكْمَلَ مِنهُ وتَقْرِيرُ الإخْلاصِ فِيهِ كَما يَشْعُرُ بِهِ الأمْرُ بِـ ”قُلْ“ وذَلِكَ هو نِهايَةُ المَقاماتِ عِنْدَ العارِفِينَ، فَتَمَّ بِذَلِكَ الدِّينُ، وانْتَهى سَيْرُ السّالِكِينَ، وخَتْمُ الإخْلاصِ المُقَرِّرَةِ لِذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى لا كُفُوءَ لَهُ، فَتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى الِانْقِطاعِ إلَيْهِ والعُكُوفِ عَلَيْهِ

؎وألْقَتْ عَصاها واطْمَأنَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنا بِلْإيابِ المُسافِرِ

أمَرَ بِالتَّعَوُّذِ بِرَبِّ هَذا الدِّينِ، مُوافَقَةً لِإيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ، مِن (p-٤٠٧)شَرِّ ما يَقْدَحُ فِيهِ بِضَرَرٍ في الظّاهِرِ أوْ في الباطِنِ وهُمُ الخَلائِقُ حَتّى عَلى الفَنا في الغِنا، وبَدَأ بِما يَعُمُّ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ في الظّاهِرِ والباطِنِ، ثُمَّ اتَّبَعَ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ ويَخُصُّ الباطِنَ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ صَلاحُهُ صَلاحَ الظّاهِرِ، إعْلامًا بِشَرَفِ الباطِنِ عَلى وجْهٍ لا يَخِلُّ بِالظّاهِرِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى مُعاوَدَةِ القِراءَةِ مِن أوَّلِ القُرْآنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨] - أيْ أرَدْتَ قِراءَتَهُ - ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [النحل: ٩٨] فَقالَ تَعالى: ‏‏ أيْ لِكُلِّ مَن يَبْلُغُهُ القَوْلُ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ تَعْلِيمًا لَهم وأمْرًا، فَإنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ لا نَجاةَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ إلّا بِعِصْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَعَلى كُلٍّ مِنهم أنْ يَفْزَعَ أوَّلَ ما تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ إلى مَوْلاهُ القادِرِ عَلى كَشْفِها تَصْحِيحًا لِتَوَكُّلِهِ فَإنَّهُ يَرْتَقِي بِذَلِكَ إلى حالِ الرِّضا بِمَرِّ القَضاءِ، ولا يَأْخُذُ في الِاعْتِمادِ عَلى جَلادَتِهِ وتَدْبِيرِهِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ فَإنَّهُ يَشْتَدُّ أسَفُهُ ولا يَرُدُّ ذَلِكَ عَنْهُ شَيْئًا: ‏‏‏‏ [أيْ -] أسْتَجِيرُ وألْتَجِئُ وأعْتَصِمُ وأحْتَرِزُ.

ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى ألْيَقَ شَيْءٍ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّ الإعاذَةَ مِنَ المَضارِّ أعْظَمُ تَرْبِيَةً قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الَّذِي يُرَبِّيهِ ويُنْشِئُ مِنهُ ما يُرِيدُ، وهو الشَّيْءُ المَفْلُوقُ بِإيجادِهِ ظُلْمَةَ العَدَمِ كالعُيُونِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةَ (p-٤٠٨)الأرْضِ والجِبالِ، وكالأمْطارِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الجَوِّ والسَّحابِ، وكالنَّباتِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظَلَمَةُ الصَّعِيدِ، وكالأوْلادِ الَّتِي فَلَقَتْ بِها ظَلَمَةُ الأحْشاءِ، وكالصُّبْحِ الَّذِي فَلَقَتْ بِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وما كانَ مِنَ الوَحْشَةِ إلى ما حَصَلَ مِن ذَلِكَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ والسُّكُونِ والأُنْسِ والسُّرُورِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ المَخْلُوقاتِ، قالَ المَلْوِيُّ: والفَلَقُ - بِالسُّكُونِ والحَرَكَةِ كُلُّ شَيْءٍ انْشَقَّ عَنْهُ ظَلَمَةُ العَدَمِ وأوْجَدَ مِنَ الكائِناتِ جَمِيعَها - انْتَهى. وخَصَّ في العُرْفِ بِالصُّبْحِ فَقِيلَ: فَلَقُ الصُّبْحِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] لِأنَّهُ ظاهِرٌ في تَغَيُّرِ الحالِ ومُحاكاةِ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي هو أعْظَمُ فَلَقٍ يَشُقُّ ظُلْمَةَ الفَنا والهَلاكَ بِالبَعْثِ والإحْياءِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِما نُشاهِدُهُ قادِرٌ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لا فَرْقَ، بَلِ البَعْثُ أهْوَنُ في عَوائِدِ النّاسِ لِأنَّهُ إعادَةٌ، كَذا سائِرُ المُمَكَّناتِ، ومَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى إعاذَةِ المُسْتَعِيذِ مِن كُلِّ ما يَخافُهُ ويَخْشاهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Falaq 113:1