All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Mumtaḥanah 60:1 Juzʾ 28 Page 549

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies, extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allah, your Lord. If you have come out for jihad in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection, but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

Read in the muṣḥaf

(p-٤٨٣)سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ

مَقْصُودُها بَراءَةُ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ مِمَّنِ اتَّسَمَ بِالعُدْوانِ دَلالَةً عَلى صِحَّةِ مُدَّعاهُ كَما أنَّ الكُفّارَ تَبَرَّأُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ وكَذَّبُوا بِما جاءَهم مِنَ الحَقِّ لِئَلّا يَكُونُوا عَلى باطِلِهِمْ أحْرَصَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى حَقِّهِمْ، وتَسْمِيَتُها بِالمُمْتَحِنَةِ أوْضَحُ شَيْءٍ فِيها وأدَلُّهُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الصِّهْرَ أعْظَمُ الوَصْلِ وأشْرَفُها بَعْدَ الدِّينِ، فَإذا نُفِيَ ومُنِعَ دَلَّ عَلى أعْظَمِ المُقاطَعَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى الِامْتِهانِ بِسَبَبِ الكُفْرانِ الَّذِي هو أقْبَحُ العِصْيانِ( بِسْمِ اللَّهِ )الكافِي مَن لَجَأ إلَيْهِ فَمَن تَوَلّاهُ أغْناهُ عَمَّنْ سِواهُ( الرَّحْمَنِ )الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ الإيجادِ مَن فَلَقَ عَنْ وُجُودِهِ العَدَمَ وبَراهُ، وشَمِلَ بِرَحْمَتِهِ البَيانَ مَن حاطَهُ بِالعَقْلِ ورَعاهُ( الرَّحِيمِ )الَّذِي خَصَّ بِالتَّوْفِيقِ مَن أحَبَّهُ وارْتَضاهُ.

ولَمّا كانَ التَّأْدِيبُ عَقِبَ الإنْعامِ جَدِيرًا بِالقَبُولِ، وكانَ قَدْ أجْرى سُبْحانَهُ سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِذَلِكَ، فَأدَّبَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ سُورَةِ الفَتْحِ السَّبَبِيِّ بِسُورَةِ الحُجُراتِ، وكانَتْ سُورَةُ الحَشْرِ مُذَكِّرَةً بِالنِّعْمَةِ في فَتْحِ بَنِي النَّضِيرِ (p-٤٨٤)[و]مُعْلِمَةً بِأنَّهُ لا ولِيَّ إلّا اللَّهَ، ولِذَلِكَ خَتَمَها بِصِفَتَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ بَعْدَ أنِ افْتَتَحَها بِهِما، وثَبَتَ أنَّ مِنَ الحِكْمَةِ حَشْرَ الخَلْقِ، وأنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ، وأنَّ أعْداءَهُ هُمُ الخاسِرُونَ، وكانَ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ أفْضَلَ الأعْمالِ وأوْثَقَ عُرى الإيمانِ، ولِذَلِكَ ذَمَّ سُبْحانَهُ مَن والى أعْداءَهُ وناصَرَهُمْ، وسَمّاهم مَعَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ مُنافِقِينَ، أنْتَجَ [ذَلِكَ] قَطْعًا وُجُوبَ البَراءَةِ مِن أعْدائِهِ والإقْبالَ عَلى خِدْمَتِهِ ووَلائِهِ، فَقالَ مُعِيدًا لِلتَّأْدِيبِ عَقِبَ سُورَةِ الفَتْحِ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِسُورَةٍ جامِعَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالفَتْحِ الأعْظَمِ والفَتْحِ السَّبَبِيِّ:﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ وإنْ كانَ مَن نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ مِن أهْلِ القُرْبِ، ومُعَبِّرًا بِالماضِي إقامَةً لِمَن والى الكُفّارَ نَوْعَ مُوالاةٍ في ذَلِكَ المَحَلِّ إلْهابًا لَهُ وتَهْيِيجًا إلى التَّرَفُّعِ عَنْهُ لِئَلّا يَقْدَحَ في خُصُوصِيَّتِهِ ويَحُطَّ مِن عَلِيِّ رُتْبَتِهِ مَعَ اللُّطْفِ [بِهِ] بِالتَّسْمِيَةِ لَهُ بِالإيمانِ حَيْثُ شَهِدَ سُبْحانَهُ عَلى مَن فَعَلَ نَحْوَ فِعْلِهِ مَعَ بَنِي النَّضِيرِ بِالنِّفاقِ وأحَلَّهُ مَحَلَّ أهْلِ الشِّقاقِ، فَحَكَمَ عَلى (p-٤٨٥)القُلُوبِ في المَوْضِعَيْنِ فَقالَ هُناكَ: ﴿الَّذِينَ نافَقُوا﴾ [الحشر: ١١] كَما قالَ هُنا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ في المُجادِلَةِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ إظْهارِ مُطْلَقِ المُوادَّةِ لِلْكُفّارِ، وفي الحَشْرِ الزَّجْرُ العَظِيمُ عَنْ إبْطانِ ذَلِكَ فَتَكَفَّلَتِ السُّورَتانِ بِالمَنعِ مِن مُصاحَبَةِ وُدِّهِمْ ظاهِرًا أوْ باطِنًا، بَكَّتَ هُنا مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ وقَرَّعَهُ ووَبَّخَهُ عَلى السَّعْيِ في مُوادَّتِهِمْ والتَّكَلُّفِ لِتَحْصِيلِها، فَإنَّ ذَلِكَ قادِحٌ في اعْتِقادِ تَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ، فَعَبَّرَ لِذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ فَقالَ بَعْدَ التَّبْكِيتِ بِالنِّداءِ بِأداةِ البُعْدِ والتَّعْبِيرِ بِأدْنى أسْنانِ الإيمانِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ وزادَ في ذَلِكَ المَعْنى مِن وجْهَيْنِ: التَّعْبِيرِ بِما مِنهُ العَداوَةُ تَجْرِئَةً عَلَيْهِمْ وتَنْفِيرًا مِنهم والتَّوْحِيدِ لِما يُطْلَقُ عَلى الجَمْعِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ المَجْمُوعُ بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ والإشارَةِ إلى أنَّهم في العَداوَةِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ، فَأهْلُ الحَقِّ أوْلى بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ في الوِلايَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏ أيْ وأنْتُمْ تَدَّعُونَ مُوالاتِي [ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ مُصادِقَ العَدُوِّ أدْنى مُصادَقَةٍ لا يَكُونُ ولِيًّا فَكَيْفَ بِما هو فَوْقَ الأدْنى] وهو فَعُولٌ مِن عَدى، وأبْلَغَ في الإيقاظِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ أيِ (p-٤٨٦)العَرِيقَ في عَداوَتِكم ما دُمْتُمْ عَلى مُخالَفَتِهِ في الدِّينِ.

ولَمّا وحَّدَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى اتِّحادِ الكَلِمَةِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الجَمْعُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ هَذا الِاتِّحادِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى غايَةِ الإسْراعِ والمُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ أيْ جَمِيعَ ما هو في حَوْزَتِكم مِمّا لا تَطْمَعُونَ فِيهِ إلْقاءَ الشَّيْءِ الثَّقِيلِ مِن عُلُوٍّ ‏‏‏‏ عَلى بُعْدِهِمْ مِنكم حِسًّا ومَعْنًى ‏‏‏‏‏‏‏ [أيْ] بِسَبَبِها.

ولَمّا تَوَقَّعَ السّامِعُ التَّصْرِيحَ بِمُضادَّتِهِمْ في الوَصْفِ الَّذِي ناداهم بِهِ بَعْدَ التَّلْوِيحِ إلَيْهِ، قالَ مُلْهِبًا ومُهَيِّجًا إلى عَداوَتِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهُ في الِاعْتِقادِ المُسْتَلْزِمِ لِاسْتِصْغارِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ المُخالَفَةِ ‏‏‏ أيْ والحالُ أنَّهم قَدْ ‏‏‏‏‏‏ أيْ غَطَّوْا جَمِيعَ ما لَكم مِنَ الأدِلَّةِ ‏‏‏ أيْ بِسَبَبِ ما ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ ثَباتًا مِنهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ كُفْرِهِمْ بِما يُبْعِدُ مِن مُطْلَقِ مُوادَّتِهِمْ فَضْلًا عَنِ السَّعْيِ فِيها بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم بِالحالِ الماضِيَةِ زِيادَةً في التَّنْفِيرِ مِنهم ومُصَوِّرًا لَها بِما يَدُلُّ عَلى الإصْرارِ بِأنَّهم ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ الَّذِي يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ عَداوَةُ مَن عاداهُ أدْنى عَداوَةٍ ولَوْ كانَ أقْرَبَ النّاسِ فَكَيْفَ إذا كانَ عَدُوًّا، وبَيَّنَ أنَّ المُخاطَبَ [مِن] أوَّلِ السُّورَةِ مِنَ المُهاجِرِينَ وأنَّ إيرادَهُ عَلى وجْهِ الجَمْعِ لِلسَّيْرِ (p-٤٨٧)والتَّعْمِيمِ في النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ أيْ مِن دِيارِكم مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ.

ولَمّا بَيَّنَ كُفْرَهُمْ، مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى دَوامِ أذاهم لِمَن آمَنَ المُقْتَضِي لِخُرُوجِهِ عَنْ وطَنِهِ، عَلَّلَ الإخْراجَ بِما يُحَقِّقُ مَعْنى الكُفْرِ والعَداوَةِ فَقالَ: ‏‏ أيْ أخْرَجُوكم مِن أوْطانِكم لِأجْلِ أنْ ‏‏‏‏‏‏ أيْ تُوقِعُوا حَقِيقَةَ الإيمانِ مَعَ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.

ولَمّا كانَ الإيمانُ بِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحَقًّا مِن وجْهَيِ الذّاتِ والوَصْفِ لَفَتَ الخِطابَ. مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِما فَقالَ: ‏‏‏ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ولَمّا عَبَّرَ بِما أبانَ أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْإيمانِ لِذاتِهِ أرْدَفَهُ بِما يَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ لِإحْسانِهِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ولَمّا ألْهَبَهم عَلى مُبايَنَتِهِمْ لَهم بِما فَعَلُوا مَعَهم وانْقَضى ما أُرِيدَ مِنَ التَّنْبِيهِ بِسِياقِ الغَيْبَةِ عادَ إلى التَّكَلُّمِ لِأنَّهُ أشَدُّ تَحَبُّبًا وأعْظَمُ اسْتِعْطافًا وأدَلُّ عَلى الرِّضا فَألْهَبَهم بِما كانَ مِن جانِبِهِمْ مِن ذَلِكَ [الفِعْلِ] أنْ لا يُضَيِّعُوهُ، فَقالَ مُعْلِمًا أنَّ وِلايَتَهُ سُبْحانَهُ لا تَصِحُّ إلّا بِالإيمانِ، ولا يَثْبُتُ الإيمانُ إلّا بِدَلائِلِهِ مِنَ الأعْمالِ، ولا تَصِحُّ الأعْمالُ إلّا بِالإخْلاصِ، ولا يَكُونُ الإخْلاصُ إلّا بِمُبايَنَةِ الأعْداءِ: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ كَوْنًا راسِخًا حِينَ أخْرَجُوكم مِن أوْطانِكم لِأجْلِ إيمانِكم بِي ‏‏‏‏‏ أيْ مِنها وهي أحَبُّ البِلادِ إلَيْكم ‏‏‏‏ أيْ لِأجْلِ الجِهادِ ‏ ‏‏‏‏ أيْ بِسَبَبِ إرادَتِكم (p-٤٨٨)تَسْهِيلَ طَرِيقِي الَّتِي شَرَعْتُها لِعِبادِي أنْ يَسْلُكُوها ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ولِأجْلِ تَطَلُّبِكم بِأعْظَمِ الرَّغْبَةِ لِرِضايَ ولِكُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ مَوْضِعًا لَهُ، وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلَيْهِ.

ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ [حالِ] العَدُوِّ وشَرَطَ إخْلاصَ الوَلِيِّ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا ‏‏‏‏‏ إعْلامًا بِأنَّ الإسْرارَ إلى أحَدٍ بِما فِيهِ نَفْعُهُ لا يَكُونُ إلّا تَوَدُّدًا: ‏‏‏‏‏‏ أيْ تُوجِدُونَ إسْرارَ جَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلى مُناصَحَتِهِمْ والتَّوَدُّدِ إلَيْهِمْ، وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ إبْلاغًا في التَّوْبِيخِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم يَتَجَشَّمُونَ في ذَلِكَ مُسْتَفْتِينَ إبْلاغَ الأخْبارِ الَّتِي يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ وهو المُؤَيَّدُ بِالوَحْيِ كَتْمَها عَنْهم عَلى وجْهِ الإسْرارِ خَوْفَ الِافْتِضاحِ والإبْلاغِ إلى المَكانِ البَعِيدِ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ بِسَبَبِها أوْ بِسَبَبِ الإعْلامِ بِأخْبارٍ يُرادُ بِها أوْ يَلْزَمُ مِنها المَوَدَّةُ.

ولَمّا كانَ المُرادُ بِالإسْرارِ السَّتْرَ عَلى مَن يَكْرَهُ ذَلِكَ، قالَ مُبَكِّتًا لِمَن يَفْعَلُهُ: ‏‏‏‏ أيْ والحالُ أنِّي ‏‏‏‏ أيْ مِن كُلِّ أحَدٍ مِن نَفْسِ الفاعِلِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن ذَلِكَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَأيُّ فائِدَةٍ لِإسْرارِكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي عالِمٌ بِهِ، وإنْ كُنْتُمْ تَتَوَهَّمُونَ أنِّي لا أعْلَمُهُ فَهي القاصِمَةُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما هَدى إلَيْهِ العاطِفُ: فَمَن فَعَلَ مِنكم فَقَدْ ظَنَّ (p-٤٨٩)أنِّي لا أعْلَمُ الغَيْبَ أوْ فَعَلَ ما يَقْتَضِي ظَنَّ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ]: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ يُوجِدُ الِاتِّخاذَ سِرًّا أوْ عَلَنًا أوْ يُوجِدِ الإسْرارَ بِالمَوَدَّةِ فالإعْلانُ أوْلى في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ماضٍ أوْ حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ. ولَمّا كانَ المُحِبُّ قَدْ يَفْعَلُ بِسَبَبِ الإدْلالِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّبْكِيتَ، فَإذا بُكِّتَ ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ لِأنَّ مَحَبَّتَهُ لا يَضُرُّها شَيْءٌ، وكانَ قَدْ سَتَرَ المَعايِبَ بِأنْ أخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ العُمُومِ، صَرَّحَ بِأنَّ هَذا العِتابَ مُرادٌ بِهِ الإحْبابُ فَقالَ: ‏‏‏‏ وحَقَّقَ الأمْرَ وقَرَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ أيْ عَمِيَ ومالَ وأخْطَأ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ قَوِيمَ الطَّرِيقِ الواسِعِ المُوَسَّعِ إلى القَصْدِ قَوِيمِهِ وعَدْلِهِ، وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رُوِيَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فَبَعْضُهُ في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ ومِنهُ في الطَّبَرانِيِّ عَنْ أنَسٍ ومِنهُ في التَّفاسِيرِ «أنَّ سارَّةَ مَوْلاةَ أبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتَتِ المَدِينَةَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ فَسَألَها ما أقْدَمَها، فَقالَتْ: ذَهَبَ مَوالِيَّ وقَدِ احْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، وكُنْتُمُ الأهْلَ والعَشِيرَةَ والمَوالِيَ، فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وبَنِي المُطَّلِبِ فَأعْطَوْها وكَسَوْها وحَمَلُوها، فَكَتَبَ مَعَها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفُ بَنِي أسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى ”مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُكُمْ“ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَأعْطاها عَشْرَةَ (p-٤٩٠)دَنانِيرَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالخَبَرِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ وعَلِيًّا وعَمّارًا والزُّبَيْرَ وطَلْحَةَ والمِقْدادَ وأبا مَرْثَدٍ وكانُوا كُلُّهم فُرْسانًا فَقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنها وخَلُّوا سَبِيلَها، وإنْ لَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْكم فاضْرِبُوا عُنُقَها. فانْطَلَقُوا تُعادِي بِهِمْ خَيْلُهُمْ، فَأدْرَكُوها في ذَلِكَ المَكانِ فَأنْكَرَتْ وحَلَفَتْ بِاللَّهِ، فَفَتَّشُوها فَلَمْ يَجِدُوهُ فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كَذَبَنا ولا كُذِبْنا، وسَلَّ سَيْفَهُ فَقالَ: أخْرِجِي الكِتابَ أوْ لَأُلْقِيَنَّ الثِّيابَ ولَأضْرِبَنَّ عُنُقَكِ، فَقالَتْ: عَلى أنْ لا تَرُدُّونِي. ثُمَّ أخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها قَدْ لَفَّتْ عَلَيْهِ شَعْرَها، فَخَلَّوْا سَبِيلَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاطِبٍ: هَلْ تَعْرِفُ الكِتابَ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما حَمَلَكَ عَلى هَذا؟ قالَ: لا تَعْجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا غَشَشْتُ مُنْذُ نَصَحْتُكَ ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مَن يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ عَشِيرَتِهِ، وكُنْتُ غَرِيبًا خَلِيفًا فِيهِمْ، وكانَ أهْلِي بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِها عَنْ أهْلِي، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ بِهِمْ بَأْسَهُ، (p-٤٩١)وأنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ ولا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا، فَقالَ [عُمَرُ] بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ "

الآياتِ».

وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: افْتُتِحَتْ - يَعْنِي هَذِهِ السُّورَةَ - بِوَصِيَّةِ المُؤْمِنِينَ عَلى تَرْكِ مُوالاةِ أعْدائِهِمْ ونَهْيِهِمْ عَنْ ذَلِكَ [وأمْرِهِمْ] بِالتَّبَرُّؤِ مِنهُمْ، وهو المَعْنى الوارِدُ في قَوْلِهِ خاتِمَةَ المُجادِلَةِ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المجادلة: ٢٢] إلى آخِرِ السُّورَةِ، وقَدْ حَصَلَ [مِنها] أنَّ أسْنى أحْوالِ أهْلِ الإيمانِ وأعْلى مَناصِبِهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [المجادلة: ٢٢] فَوَصّى عِبادَهُ في افْتِتاحِ المُمْتَحِنَةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ ووَعَظَهم بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والَّذِينَ مَعَهُ في تَبَرُّئِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ ومُعاداتِهِمْ، والِاتِّصالُ في هَذا بَيِّنٌ، وكَأنَّ سُورَةَ الحَشْرِ ورَدَتْ مَوْرِدَ الِاعْتِراضِ المَقْصُودِ بِها تَمْهِيدُ الكَلامِ وتَنْبِيهُ السّامِعِ (p-٤٩٢)عَلى ما بِهِ تَمامُ الفائِدَةِ لِما ذَكَرَ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ أنَّهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِمُ، اعْتَرَضَ بِتَنْزِيهِهِ عَنْ مُرْتَكَباتِهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما عَجَّلَهُ لَهم مِنَ النِّقْمَةِ والنَّكالِ، ثُمَّ عادَ الأمْرُ إلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ جُمْلَةً لَهُ، ثُمَّ لَمّا كانَ أوَّلُ سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ إنَّما نَزَلَ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكِتابِهِ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وكُفّارُ مَكَّةَ لَيْسُوا مِن يَهُودَ، وطَلَبُوا المُعاداةَ لِلْجَمِيعِ واحِدٌ، فَلِهَذا فَضَّلَ بِما هو مِن تَمامِ الإخْبارِ بِحالِ يَهُودَ، وحِينَئِذٍ عادَ الكَلامُ إلى الوَصِيَّةِ عَنْ نَظائِرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ المُعانِدِينَ، والتَحَمَتِ السُّوَرُ الثَّلاثُ وكَثُرَ في سُورَةِ المُمْتَحِنَةِ تَرْدادُ الوَصايا والعُهُودِ، وطَلَبَ بِذَلِكَ كُلِّهِ ولِهَذا المُناسَبَةَ ذَكَرَ فِيها الحُكْمَ في بَيْعَةِ النِّساءِ وما يُشْتَرَطُ عَلَيْهِنَّ في ذَلِكَ، فَمَبْنى السُّورَةِ عَلى طَلَبِ الوَفاءِ افْتِتاحًا واخْتِتامًا حَسَبَ ما بَيَّنَ في التَّفْسِيرِ لِيُنَزِّهَ المُؤْمِنَ عَنْ حالِ مَن قَدَّمَ ذِكْرَهُ في سُورَةِ الحَشْرِ [و]فِي خاتِمَةِ سُورَةِ المُجادِلَةِ - انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Al-Mumtaḥanah 60:1