All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

Al-Insān 76:1 Juzʾ 29 Page 578

‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?

Read in the muṣḥaf

(p-١٢٠)سُورَةُ الإنْسانِ وتُسَمّى هَلْ أتى والأمْشاجِ والدَّهْرِ.

مَقْصُودُها تَرْهِيبُ الإنْسانِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ القِيامَةِ مِنَ العَرْضِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ بِتَعْذِيبِ العاصِي ”فِي النِّيرانِ“ وتَنْعِيمِ المُطِيعِ في الجِنانِ بَعْدَ جَمْعِ الخَلائِقِ [كُلُّها -] الإنْسُ والمَلائِكَةُ والجانُّ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحَيَوانِ، ويَكُونُ لَهم مَواقِفٌ طِوالٍ وأهْوالٍ وزِلْزالَ، لِكُلٍّ مِنها أعْظَمُ شَأْنٍ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ بِتَأمُّلِ آيَتِهِ وتَدَبُّرِ مَبْدَئِهِ وغايَتِهِ، وكَذا تَسْمِيَتُها بِهَلْ أتى وبِالدَّهْرِ وبِالأمْشاجِ مِن غَيْرِ مَيْلٍ ولا اعْوِجاجٍ ( بِسْمِ اللَّهِ ) المَلِكِ الَّذِي خَلَقَ الخَلائِقَ لِمَعْرِفَةِ أسْمائِهِ الحُسْنى ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّهم بِنِعْمَةِ الظّاهِرَةِ فُرادى ومَثْنى ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ مِنهم مَنِ اخْتارَهُ لِوِدادِهِ بِالنِّعْمَةِ الباطِنَةِ والمَقامِ الأسْنى.

ولَمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ القِيامَةِ التَّهْدِيدُ عَلى مُطْلَقِ التَّكْذِيبِ، وأنَّ (p-١٢١)المَرْجِعَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ، والإنْكارُ عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى والِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ وتَمامُ القُدْرَةِ [عَلَيْهِ-]، تَلاهُ أوَّلُ هَذِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى ما يَقْطَعُ مَعَهُ بِأنْ لا يُتْرَكَ سُدًى، فَقالَ مُفَصَّلًا ما لَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةِ الإيجادِ والإعْدادِ والإمْدادِ والإسْعادِ: ‏‏ ‏‏ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي شَغَلَهُ عَمّا يُرادُ بِهِ ويُرادُ لَهُ لِعِظَمِ مِقْدارِهِ في نَفْسِ الأمْرِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ والإعْجابُ بِظاهِرِ حِسِّهِ والنِّسْيانِ لِما بَعْدَ حُلُولِ رَمْسِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ مِقْدارٍ مَحْدُودٍ وإنْ قَلَّ مَنِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الغَيْرِ المَحْدُودِ حالَ كَوْنِهِ ‏‏ ‏‏‏ أيْ في ذَلِكَ الحِينِ كَوْنًا راسِخًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ ذِكْرًا لَهُ اعْتِبارٌ ظاهِرٌ في المَلَأِ الأعْلى وغَيْرِهِ حَتّى أنَّهُ يَكُونُ مُتَهاوِنًا بِهِ غَيْرَ مَنظُورٍ إلَيْهِ لِيَجُوزَ أنْ يَكُونَ سُدًى بِلا أمْرٍ ونَهْيٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ [عَدَمًا -] لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ ما أتى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِهِ إلّا وهو فِيهِ شَيْءٌ مَذْكُورٌ، وذَلِكَ أنَّ الدَّهْرَ هو الزَّمانُ، والزَّمانُ هو مِقْدارُ حَرَكَةِ الفَلَكِ - كَما نَقَلَهُ الرّازِيُّ في [كِتابِ -] اللَّوامِعِ في سُورَةِ ”يس“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤٠] فَإنَّهُ قالَ: الزَّمانُ ابْتِداؤُهُ مِن حَرَكاتِ السَّماءِ فَإنَّ الزَّمانَ مِقْدارُ حَرَكاتِ الفَلَكِ انْتَهى.

وآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَمَّ الخَلْقَ بِتَمامِ خَلْقِهِ في آخِرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ أوَّلُ جُمْعَةٍ (p-١٢٢)كانَتْ، وكانَتْ [طِينَتُهُ -] قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ مُخَمَّرَةٍ هو فِيها بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ فَأقامَ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن طِينٍ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن صَلْصالٍ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ مِن حَمَإٍ [مَسْنُونٍ -] أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ خَلَقَهُ بَعْدَ سِتِّينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، [ وقالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ثُمَّ خَلَقَهُ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ -]: فَحِينَئِذٍ ما أتى عَلَيْهِ زَمانٌ إلّا وهو شَيْءٌ مَذْكُورٌ إمّا بِالتَّخْمِيرِ وإمّا بِتَمامِ التَّصْوِيرِ، فالِاسْتِفْهامُ عَلى بابِهِ وهو إنْكارِيٌّ، ولَيْسَتْ ”هَلْ“ بِمَعْنى ”قَدْ“ إلّا إنْ قُدِّرَتْ قَبْلَها الهَمْزَةُ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا لِيَنْتَفِيَ مَضْمُونُ الكَلامِ، والمُرادُ أنَّهُ هو المُرادُ مِنَ العالَمِ، فَحِينَئِذٍ ما خَلَقَ الزَّمانَ إلّا لِأجْلِهِ، فَهو أشْرَفُ الخَلائِقِ، وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى بَعْثِهِ لِلْجَزاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يُتْرَكَ سُدًى فَيَفْنى المَظْرُوفُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، ويَبْقى الظَّرْفُ الَّذِي ما خَلَقَ إلّا صِوانًا لَهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن أقْوالِ السَّلَفِ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قَرَأها عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا لَيْتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ.

(p-١٢٣)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَعْرِيفُ الإنْسانِ بِحالِهِ وابْتِداءِ أمْرِهِ لِيَعْلَمَ أنْ لا طَرِيقَ لَهُ لِلْكِبَرِ واعْتِقادِ السِّيادَةِ لِنَفْسِهِ، وأنْ لا يُغَلِّطَهُ ما اكْتَنَفَهُ مِنَ الألْطافِ الرَّبّانِيَّةِ والِاعْتِناءِ الإلَهِيِّ والتَّكْرِمَةِ فَيَعْتَقِدُ أنَّهُ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ ويَسْتَحِقُّهُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [النحل: ٥٣] ولَمّا تَقَدَّمَ في القِيامَةِ إخْبارُهُ تَعالى عَنْ حالِ مُنْكِرِي البَعْثِ عِنادًا واسْتِكْبارًا وتَعامِيًا عَنِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القيامة: ٣] وقَوْلُهُ بَعْدَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [القيامة: ٣١] ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣٢] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القيامة: ٣٣] أيْ يَتَبَخْتَرُ عُتُوًّا واسْتِكْبارًا ومَرَحًا وتَجَبُّرًا، وتَعْرِيفُهُ بِحالِهِ الَّتِي لَوْ فَكَّرَ فِيها لَمّا كانَ مِنهُ ما وصَفَ، [و -] ذَلِكَ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [القيامة: ٣٧] ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القيامة: ٣٨] أتْبَعَ ذَلِكَ بِما هو أعْرَقُ في التَّوْبِيخِ وأوْغَلُ في التَّعْرِيفِ وهو أنَّهُ [قَدْ -] كانَ لا شَيْءَ فَلا نُطْفَةَ ولا عَلَقَةَ، ثُمَّ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونَقَلَهُ تَعالى مَن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ فَجَعَلَهُ نُطْفَةً مِن ماءٍ مَهِينٍ في قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً إلى إخْراجِهِ وتَسْوِيَتِهِ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنَ الخالِقِينَ، فَمَنِ اعْتُبِرَ اتِّصافُهُ بِالعَدَمِ ثُمَّ تَقَلُّبُهُ في هَذِهِ الأطْوارِ المُسْتَنْكِفِ حالُها والواضِحُ (p-١٢٤)فَناؤُها واضْمِحْلالُها، وأمَدَّهُ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِ عَرَفَ حِرْمانَ مِن وصْفٍ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [القيامة: ٣٣] فَسُبْحانَ اللَّهُ ما أعْظَمَ حِلْمَهُ وكَرَمَهُ ورِفْقَهُ، [ثُمَّ -] بَيَّنَ تَعالى ما جَعَلَهُ لِلْإنْسانِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ ابْتِلاءً لَهُ، ومَن أدْرَكَهُ أدْرَكَهُ الغَلَطُ وارْتَكَبَ الشَّطَطَ - انْتَهى.

The same ayah, in another commentary

Al-Insān 76:1