All commentaries

الجامع لأحكام القرآن

Al-Qurṭubī

أبو عبد الله القرطبي (ت ٦٧١ هـ)

The one to open when a verse carries a ruling — strongest on the law.

Ṭā-Hā 20:135 Juzʾ 16 Page 321

‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Say, "Each [of us] is waiting; so wait. For you will know who are the companions of the sound path and who is guided."

Read in the muṣḥaf

قوله تعالى: (وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ٢٠: ١٣٣ يُرِيدُ كُفَّارَ مَكَّةَ، أَيْ لَوْلَا يَأْتِينَا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ تُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ. أَوْ بِآيَةٍ ظَاهِرَةٍ كَالنَّاقَةِ وَالْعَصَا. أَوْ هَلَّا يَأْتِينَا بِالْآيَاتِ الَّتِي نَقْتَرِحُهَا نَحْنُ كَمَا أتى الأنبياء من قبله: قال الله تَعَالَى: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى) ٢٠: ١٣٣ يُرِيدُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْكُتُبَ الْمُتَقَدِّمَةَ، وَذَلِكَ أعظم آية إذ أخبر بما فيها. وقرى "الصحف" بالتخفيف. وقيل: أو لم تأتيهم الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ بِمَا وَجَدُوهُ فِي الكتب المتقدمة من البشارة. وقيل: أو لم يَأْتِهِمْ إِهْلَاكُنَا الْأُمَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاقْتَرَحُوا الْآيَاتِ، فَمَا يُؤَمِّنُهُمْ إِنْ أَتَتْهُمُ الْآيَاتُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُمْ حَالَ أُولَئِكَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وحفص: "أولم تأتيهم" بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْبَيِّنَةِ. الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِتَقَدُّمِ الْفِعْلِ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هِيَ الْبَيَانُ وَالْبُرْهَانُ فَرَدُّوهُ إِلَى الْمَعْنَى، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَاتِمٍ. وَحَكَى الْكِسَائِيُّ "أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى ٢٠: ١٣٣" قَالَ: وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا "بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى". قَالَ النَّحَّاسُ إِذَا نَوَّنْتَ "بَيِّنَةُ" وَرَفَعْتَ جَعَلْتَ "مَا" بَدَلًا مِنْهَا وَإِذَا نصبتها فعلى الحال، والمعنى: أو لم يَأْتِهِمْ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى مُبَيَّنًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ٢٠: ١٣٤ أَيْ مِنْ قَبْلِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ (لَقالُوا) أَيْ يَوْمَ القيامة (رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا) ٢٠: ١٣٤ أَيْ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا.

(فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى) ٢٠: ١٣٤ وقرى: "نَذِلَّ وَنَخْزى ٢٠: ١٣٤" عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَوْلُودِ قَالَ: (يَقُولُ الْهَالِكُ فِي الْفَتْرَةِ لَمْ يَأْتِنِي كِتَابٌ وَلَا رَسُولٌ- ثُمَّ تَلَا-" وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا [٢٠: ١٣٤]"- الْآيَةَ- وَيَقُولُ الْمَعْتُوهُ رَبِّ لَمْ تَجْعَلْ لِي عَقْلًا أَعْقِلُ بِهِ خَيْرًا وَلَا شَرًّا وَيَقُولُ الْمَوْلُودُ رَبِّ لَمْ أُدْرِكِ الْعَمَلَ فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيَقُولُ لَهُمْ رِدُوهَا وَادْخُلُوهَا- قَالَ- فَيَرِدُهَا أَوْ يَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شقيا لو أدرك العمل [قال من ب وج وز وط وك وى.] فيقول الله تبارك وتعالى إياك عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ رُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ (. وَيُرْوَى مَوْقُوفًا عن أبي سعيد قوله وفية نَظَرٌ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ "التَّذْكِرَةِ" وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَطْفَالَ وَغَيْرَهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ. "فَنَتَّبِعَ" [٢٠: ١٣٤] نُصِبَ بِجَوَابِ التَّخْصِيصِ. "آياتِكَ" يُرِيدُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ." مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ [٢٠: ١٣٤] "أَيْ فِي الْعَذَابِ" وَنَخْزى [٢٠: ١٣٤] "فِي جَهَنَّمَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ:" مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ [٢٠: ١٣٤] "فِي الدُّنْيَا بِالْعَذَابِ" وَنَخْزى [٢٠: ١٣٤]" فِي الْآخِرَةِ بِعَذَابِهَا.

(قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ) [٢٠: ١٣٥] أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ، أَيْ كُلُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ مُنْتَظِرٌ دَوَائِرَ الزَّمَانِ ولمن يكون النصر.

(فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) [٢٠: ١٣٥] يُرِيدُ الدِّينَ الْمُسْتَقِيمَ وَالْهُدَى وَالْمَعْنَى: فَسَتَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ مَنِ اهْتَدَى إِلَى دِينِ الْحَقِّ. وَقِيلَ: فَسَتَعْلَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنِ اهْتَدَى إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ. وَفِي هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْوَعِيدِ وَالتَّخْوِيفِ والتهديد ختم به السورة. وقرى "فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ". قَالَ أَبُو رَافِعٍ: حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَ "مَنْ" فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عِنْدَ الزَّجَّاجِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ مِثْلَ. "وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ" راجع ج ٣ ص ٦٦.. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لَا يَعْمَلُ فِيهِ مَا قَبْلَهُ، وَ "من" ها هنا اسْتِفْهَامٌ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى: فَسَتَعْلَمُونَ أَصْحَابَ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ نَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ؟. قَالَ النَّحَّاسُ: وَالْفَرَّاءُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَى." مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ [٢٠: ١٣٥] "مَنْ لَمْ يَضِلَّ وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى." وَمَنِ اهْتَدى [٢٠: ١٣٥]

"مَنْ ضَلَّ ثُمَّ اهْتَدَى. وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ وَعَاصِمُ الْجَحْدَرِيُّ" فسيعلمون من أصحاب الصراط السوا "بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ بَعْدَهَا أَلِفُ التَّأْنِيثِ عَلَى فُعْلَى بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وَتَأْنِيثُ الصِّرَاطِ شَاذٌّ قَلِيلٌ، قَالَ الله وتعالى:﴿ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾راجع ج ١ ص ١٤٦ فما بعد. [الفاتحة: ٦] فَجَاءَ مُذَكَّرًا فِي هَذَا وَفِي غَيْرِهِ، وَقَدْ رَدَّ هَذَا أَبُو حَاتِمٍ قَالَ: إِنْ كَانَ من السوء وجب أن يقال السوأى وَإِنْ كَانَ مِنَ السَّوَاءِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: السِّيَّا بِكَسْرِ السِّينِ وَالْأَصْلُ السِّوْيَا. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقرى "السَّوَاءُ" بِمَعْنَى الْوَسَطِ وَالْعَدْلِ، أَوِ الْمُسْتَوِي. النَّحَّاسُ وَجَوَازُ قِرَاءَةِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَالْجَحْدَرِيِّ أَنْ يكون الأصل "السوأى" وَالسَّاكِنُ لَيْسَ بِحَاجِزٍ حَصِينٍ، فَكَأَنَّهُ قَلَبَ الْهَمْزَةَ ضَمَّةً فَأَبْدَلَ مِنْهَا وَاوًا كَمَا يُبْدَلُ مِنْهَا أَلِفٌ إِذَا انْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا. تَمَّتْ وَالْحَمْدُ لله وحده.

The same ayah, in another commentary

Ṭā-Hā 20:135