All commentaries

البحر المحيط

Abū Ḥayyān

أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ)

The grammarian's commentary — every construction analysed, at length.

Al-Ḥajj 22:13 Juzʾ 17 Page 333

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

He invokes one whose harm is closer than his benefit - how wretched the protector and how wretched the associate.

Read in the muṣḥaf

(p-٣٥٤)‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

الظّاهِرُ أنَّ المُجادِلَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ المُجادِلِ في الآيَةِ قَبْلَها، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيقٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: الأُولى في المُقَلِّدِينَ وهَذِهِ في المُقَلِّدِينَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّها والَّتِي قَبْلَها في النَّضْرِ كُرِّرَتْ مُبالَغَةً في الذَّمِّ، ولِكَوْنِ كُلِّ واحِدَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلى زِيادَةٍ لَيْسَتْ في الأُخْرى. وقَدْ قِيلَ فِيهِ: أنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَرَّرَ هَذِهِ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الأمْثالُ في غايَةِ الوُضُوحِ والبَيانِ (ومِنَ النّاسِ) مَعَ ذَلِكَ (مَن يُجادِلُ) فَكانَ الواوُ واوَ الحالِ، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ الواوُ فِيها واوُ العَطْفِ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الكَلامِ عَلى ما قَبْلَها، والآيَةُ عَلى مَعْنى الإخْبارِ وهي هَهُنا مُكَرَّرَةٌ لِلتَّوْبِيخِ. انْتَهى.

ولا يُتَخَيَّلُ أنَّ الواوَ في ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ واوُ حالٍ، وعَلى تَقْدِيرِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَدَّرَها قَبْلَهُ لَوْ كانَ مُصَرَّحًا بِها لَمْ يَتَقَدَّرْ بِإذْ فَلا تَكُونُ لِلْحالِ، وإنَّما هي لِلْعَطْفِ قَسَّمَ المَخْذُولِينَ إلى مُجادِلٍ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مُتَّبِعٍ لِشَيْطانٍ مُرِيدٍ، ومُجادِلٍ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى آخِرِهِ وعابِدٍ رَبَّهُ عَلى حَرْفٍ والمُرادُ بِالعِلْمِ العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، وبِالهُدى الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ لِأنَّهُ يَهْدِي إلى المَعْرِفَةِ، وبِالكِتابِ المُنِيرِ الوَحْيُ أيْ (يُجادِلُ) بِغَيْرِ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ.

وانْتَصَبَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (يُجادِلُ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَكَبِّرًا، ومُجاهِدٌ: لاوِيًا عُنُقَهُ بِقُبْحٍ، والضَّحّاكُ: شامِخًا بِأنْفِهِ. وابْنُ جُرَيْجٍ: مُعْرِضًا عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ الحَسَنُ ثانِيَ عَطْفٍ بِفَتْحِ العَيْنِ أيْ: تَعَطُّفُهُ وتَرَحُّمُهُ و(لِيُضِلَّ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُجادِلُ) وقَرَأ مُجاهِدٌ وأهْلُ مَكَّةَ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ أي (لِيَضِلَّ) في نَفْسِهِ والجُمْهُورُ بِضَمِّها أيْ لِيُضِلَّ (p-٣٥٥)غَيْرَهُ، وهو يَتَرَتَّبُ عَلى إضْلالِهِ كَثْرَةُ العَذابِ، إذْ عَلَيْهِ وِزْرُ مَن عَمِلَ بِهِ. ولَمّا كانَ مَآلُ جِدالِهِ إلى الإضْلالِ كانَ كَأنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، وكَذَلِكَ لَمّا كانَ مُعْرِضًا عَنِ الهُدى مُقْبِلًا عَلى الجِدالِ بِالباطِلِ كانَ كالخارِجِ مِنَ الهُدى إلى الضَّلالِ.

والخِزْيُ في الدُّنْيا ما لَحِقَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الأسْرِ والقَتْلِ والهَزِيمَةِ، وقَدْ أُسِرَ النَّضْرُ. وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ بِالصَّفْراءِ. و(الحَرِيقِ) قِيلَ طَبَقَةٌ مِن طِباقِ جَهَنَّمَ، وقَدْ يَكُونُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ أيِ العَذابُ الحَرِيقُ أيِ المُحْرِقُ كالسَّمِيعِ بِمَعْنى المُسْمِعِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ فَأُذِيقُهُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ ذَلِكَ إشارَةً إلى الخِزْيِ والإذاقَةِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ ذَلِكَ هَذا ما جَوَّزُوا في إعْرابِ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ. وتَقَدَّمَ المُرادُ في ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِاجْتَرامِكَ وبِعَدْلِ اللَّهِ فِيكَ إذْ عَصَيْتَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأنَّ اللَّهَ مُتَقَطِّعًا لَيْسَ ذَلِكَ في السَّبَبِ والتَّقْدِيرِ والأمْرِ أنَّ اللَّهَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والعَبِيدُ هُنا ذُكِرُوا في مَعْنى مَسْكَنَتِهِمْ وقِلَّةِ قُدْرَتِهِمْ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ. انْتَهى. وهو يُفَرِّقُ بَيْنَ العَبِيدِ والعِبادِ وقَدْ رَدَدْنا عَلَيْهِ تَفْرِقَتَهُ في أواخِرِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وشَرَحْنا هُنا قَوْلَهُ (بِظَلّامٍ) .

مَن ‏‏‏‏ ‏‏ نَزَلَتْ في أعْرابٍ مِن أسْلَمَ وغَطَفانَ تَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ وقالُوا: نَخافُ أنْ لا يُنْصَرَ مُحَمَّدٌ فَيَنْقَطِعَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ حُلَفائِنا مِن يَهُودَ فَلا يُقِرُّونا ولا يُؤْوُنا. وقِيلَ: في أعْرابٍ لا يَقِينَ لَهم يُسْلِمُ أحَدُهم فَيَتَّفِقُ تَثْمِيرَ مالِهِ ووِلادَةَ ذَكَرٍ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ، فَيَقُولُ: هَذا دِينٌ جَيِّدٌ أوْ يَنْعَكِسُ حالُهُ فَيَتَشاءَمُ ويَرْتَدُّ كَما جَرى لِلْعُرَنِيِّينَ قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أسْلَمَ قَبْلَ ظُهُورِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ ارْتَدَّ. وقِيلَ: في يَهُودِيٍّ أسْلَمَ فَأُصِيبَ فَتَشاءَمَ بِالإسْلامِ، وسَألَ الرَّسُولَ الإقالَةَ فَقالَ: (إنَّ الإسْلامَ لا يُقالُ) فَنَزَلَتْ. وعَنِ الحَسَنِ: هو المُنافِقُ يَعْبُدُهُ بِلِسانِهِ دُونَ قَلْبِهِ. وقالَ ابْنُ عِيسى: عَلى ضَعْفِ يَقِينٍ. وقالَ أبُو عُبَيدٍ ‏ ‏‏‏‏ عَلى شَكٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (حَرْفٍ) عَلى انْحِرافِ مِنهُ عَنِ العَقِيدَةِ البَيْضاءِ، أوْ عَلى شَفا مِنها مُعَدًّا لِلزَّهُوقِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ‏ ‏‏‏‏ عَلى طَرَفٍ مِنَ الدِّينِ لا في وسَطِهِ وقَلْبِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِكَوْنِهِمْ عَلى قَلَقٍ واضْطِرابٍ في دِينِهِمْ لا عَلى سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ كالَّذِي يَكُونُ عَلى طَرَفٍ مِنَ العَسْكَرِ، فَإنْ أحَسَّ بِظَفَرٍ وغَنِيمَةٍ قَرَّ واطْمَأنَّ وإلّا فَرَّ وطارَ عَلى وجْهِهِ. انْتَهى.

وخُسْرانُهُ الدُّنْيا إصابَتُهُ فِيها بِما يَسُوؤُهُ مِن ذَهابِ مالِهِ وفَقْدِ أحِبّائِهِ فَلَمْ يُسَلِّمْ لِلْقَضاءِ. وخُسْرانُ الآخِرَةِ حَيْثُ حُرِمَ ثَوابَ مَن صَبَرَ فارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيدٌ والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن طَرِيقِ الزَّعْفَرانِيِّ وقَعْنَبٍ والجَحْدَرِيِّ وابْنِ مِقْسَمٍ (خاسِرَ الدُّنْيا) اسْمُ فاعِلٍ نَصْبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ خاسِرٌ اسْمُ فاعِلٍ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ وهو خاسِرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرَّفْعُ عَلى الفاعِلِيَّةِ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ. انْتَهى.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خَسِرَ) فِعْلًا ماضِيًا وهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ ولا يَحْتاجُ إلى إضْمارِ قَدْ لِأنَّهُ كَثُرَ وُقُوعُ الماضِي حالًا في لِسانِ العَرَبِ بِغَيْرٍ قَدْ فَساغَ القِياسُ عَلَيْهِ، وأجازَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ كَما كانَ يُضاعَفْ بَدَلًا مِن يَلْقَ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في قَوْلِهِ ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ونَفى هُنا الضُّرَّ والنَّفْعَ وأثْبَتَهُما في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ما لا يَنْفَعُهُ﴾ هو الأصْنامُ والأوْثانُ، ولِذَلِكَ أتى التَّعْبِيرُ عَنْها بِما الَّتِي لا تَكُونُ لِآحادِ مَن يَعْقِلُ. وقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ هو مَن عَبَدَ بِاقْتِضاءٍ، وطَلَبَ مِن عابِدِيهِ مِنَ المُدَّعِينَ الإلْهِيَّةَ كَفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ مِن مُلُوكِ بَنِي عُبَيدٍ الَّذِينَ كانُوا بِالمَغْرِبِ ثُمَّ مَلَكُوا مِصْرَ، فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ الإلْهِيَّةَ ويُطافُ بِقَصْرِهِمْ في مِصْرَ ويُنادَوْنَ بِما يُنادى بِهِ رَبُّ العالَمِينَ مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ كانَ مِنهم (p-٣٥٦)نَفْعٌ ما لِعابِدِيهِمْ في دارِ الدُّنْيا فَضَرَرُهم أعْظَمُ وأقْرَبُ مِن نَفْعِهِمْ، إذْ هم في الدُّنْيا مَمْلُوكُونَ لِلْكُفّارِ وعابِدُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبُونَ العَذابَ الدّائِمَ ولِهَذا كانَ التَّعْبِيرُ هُنا بِمَنِ الَّتِي هي لِمَن يَعْقِلُ، وعَلى هَذا فَتَكُونُ الجُمْلَتانِ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَمَّنْ يَدْعُو إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: الضُّرُّ والنَّفْعُ مَنفَيّانِ عَنِ الأصْنامِ مُثْبَتانِ لَها في الآيَتَيْنِ وهَذا تَناقُضٌ قُلْتُ: إذا حَصَلَ المَعْنى ذَهَبَ هَذا الوَهْمُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَفَّهَ الكافِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ جَمادًا لا يَمْلِكُ ضُرًّا ولا نَفْعًا وهو يَعْتَقِدُ فِيهِ بِجَهْلِهِ وضَلالَتِهِ أنَّهُ سَيَنْتَفِعُ بِهِ، ثُمَّ قالَ يَوْمَ القِيامَةِ يَقُولُ هَذا الكافِرُ بِدُعاءٍ وصُراخٍ حِينَ يَرى اسْتِضْرارَهُ بِالأصْنامِ ودُخُولَهُ النّارَ بِعِبادَتِها، ولا يَرى أثَرَ الشَّفاعَةِ الَّتِي ادَّعاها لَها ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وكَرَّرَ يَدْعُو كَأنَّهُ قالَ (يَدْعُو) ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ثُمَّ قالَ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِكَوْنِهِ مَعْبُودًا ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِكَوْنِهِ شَفِيعًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ . انْتَهى.

فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ المَدْعُوَّ في الآيَتَيْنِ الأصْنامَ وأزالَ التَّعارُضَ بِاخْتِلافِ القائِلِينَ بِالجُمْلَةِ الأُولى مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا عَنْ حالِ الأصْنامِ. والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِن كَلامِ عُبّادِ الأصْنامِ يَقُولُونَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وحَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ وأنَّهم أثْبَتُوا ضُرًّا بِكَوْنِهِمْ عَبَدُوهُ، وأثْبَتُوا نَفْعًا بِكَوْنِهِمُ اعْتَقَدُوهُ شَفِيعًا. فالنّافِي هُناكَ غَيْرُ المُثْبِتِ هُنا، فَزالَ التَّعارُضُ عَلى زَعْمِهِ والَّذِي أقُولُ إنَّ الصَّنَمَ لَيْسَ لَهُ نَفْعٌ ألْبَتَّةَ حَتّى يُقالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

وأجابَ بَعْضُهم عَنْ زَعْمِ مَن زَعَمَ أنَّ الظّاهِرَ الآيَتَيْنِ يَقْتَضِي التَّعارُضَ بِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بِأنْفُسِها ولَكِنَّ عِبادَتَها نَسَبُ الضَّرَرِ إلَيْها كَقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٣٦] أضافَ الإضْلالَ إلَيْهِمْ إذْ كانُوا سَبَبَ الضَّلالِ، فَكَذا هُنا نَفْيُ الضَّرَرِ عَنْهم لِكَوْنِها لَيْسَتْ فاعِلَةً ثُمَّ أضافَهُ إلَيْها لِكَوْنِها سَبَبَ الضَّرَرِ. وقالَ آخَرُونَ: هي في الحَقِيقَةِ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ بَيَّنَ ذَلِكَ في الآيَةِ الأُولى ثُمَّ أثْبَتَ لَها الضُّرَّ والنَّفْعَ في الثّانِيَةِ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ، أيْ ولَوْ سَلَّمْنا كَوْنَها ضارَّةً نافِعَةً لَكانَ ضُرُّها أكْثَرَ مِن نَفْعِها، وتَكَلَّفَ المُعْرِبُونَ وُجُوهًا فَقالُوا (يَدْعُو) إمّا أنْ يَكُونَ لَها تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أوَّلًا إنْ لَمْ يَكُنْ لَها تَعَلُّقٌ فَوُجُوهٌ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِيَدْعُو الأُولى، فَلا يَكُونُ لَها مَعْمُولٌ.

الثّانِي: أنْ تَكُونَ عامِلَةً في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَدَّمَ المَفْعُولُ الَّذِي هو (ذَلِكَ) وجَعَلَ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وهَذا لا يَصِحُّ إلّا عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ إذْ يُجِيزُونَ في اسْمِ الإشارَةِ أنْ يَكُونَ مَوْصُولًا، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا في ذا بِشَرْطِ أنْ يَتَقَدَّمَها الِاسْتِفْهامُ بِما أوْ مَن.

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ (يَدْعُو) في مَوْضِعِ الحالِ، (وذَلِكَ) مُبْتَدَأٌ وهو فَصْلٌ أوْ مُبْتَدَأٌ وحَذَفَ الضَّمِيرَ مِن (يَدْعُو) أيْ يَدْعُوهُ وقَدَّرَهُ مَدْعُوًّا وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ يَدْعُوهُ لا يُقَدَّرُ مَدْعُوًّا إنَّما يُقَدَّرُ داعِيًا، فَلَوْ كانَ يُدْعى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لَكانَ تَقْدِيرُهُ مَدْعُوًّا جارِيًا عَلى القِياسِ. وقالَ نَحْوَهُ الزَّجّاجُ وإنْ كانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ فَوُجُوهٌ.

أحَدُها: ما قالَهُ الأخْفَشُ وهو أنْ (يَدْعُو) بِمَعْنى يَقُولُ و(مَن) مُبْتَدَأٌ مَوْصُولٌ صِلَتُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وهي ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ إلَهٌ وإلَهِيٌّ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَحْكِيَّةٌ بِيَدْعُو الَّتِي هي بِمَعْنى يَقُولُ، قِيلَ: هو فاسِدُ المَعْنى لِأنَّ الكافِرَ لَمْ يَعْتَقِدْ قَطُّ أنَّ الأوْثانَ ضَرُّها أقْرَبُ مِن نَفْعِها. وقِيلَ: في هَذا القَوْلِ يَكُونُ (لَبِئْسَ) مُسْتَأْنَفًا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دُخُولُهُ في الحِكايَةِ لِأنَّ الكُفّارَ لا يَقُولُونَ عَنْ أصْنامِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

الثّانِي: أنْ (يَدْعُو) بِمَعْنى يُسَمِّي، والمَحْذُوفُ آخِرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي لِيُسَمّى تَقْدِيرُهُ إلَهًا وهَذا لا يَتِمُّ إلّا بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ اللّامِ أيْ يَدْعُو مَن ضَرُّهُ.

الثّالِثُ: أنَّ يَدْعُوَ شُبِّهَ بِأفْعالِ القُلُوبِ لِأنَّ الدُّعاءَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ اعْتِقادٍ، والأحْسَنُ أنْ يُضَمَّنَ مَعْنى يَزْعُمُ ويُقَدَّرَ لِمَن خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِيَدْعُوَ أشارَ إلى هَذا الوَجْهِ الفارِسِيُّ.

والرّابِعُ: ما قالَهُ الفَرّاءُ وهو أنَّ (p-٣٥٧)اللّامَ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها والتَّقْدِيرُ (يَدْعُو) مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ ما كانَ في صِلَةِ المَوْصُولِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ.

الخامِسُ: أنْ تَكُونَ اللّامُ زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ، و(مَن) مَفْعُولٌ بِيَدْعُو وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن مَواضِعِ زِيادَةِ اللّامِ، لَكِنْ يُقَوِّيهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ يَدْعُو مَن ضَرُّهُ بِإسْقاطِ اللّامِ، وأقْرَبُ التَّوْجِيهاتِ أنْ يَكُونَ (يَدْعُو) تَوْكِيدًا لِيَدْعُو الأوَّلِ؛ واللّامُ في (لَمَن) لامُ الِابْتِداءِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ الَّتِي هي قَسَمٌ مَحْذُوفٌ، وجَوابُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والظّاهِرُ أنَّ (يَدْعُو) يُرادُ بِهِ النِّداءَ والِاسْتِغاثَةَ. وقِيلَ: مَعْناهُ بَعِيدٌ، و(المَوْلى) هُنا النّاصِرُ والعَشِيرُ الصّاحِبُ المُخالِطُ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَةَ مَن يَعْبُدُهُ عَلى حَرْفٍ وسَفَّهَ رَأْيَهُ وتَوَعَّدَهُ بِخُسْرانِهِ في الآخِرَةِ، عَقَّبَهُ بِذِكْرِ حالِ مُخالِفِيهِمْ مَن أهْلِ الإيمانِ وما وعَدَهم بِهِ مِنَ الوَعْدِ الحِسِّ، ثُمَّ أخَذَ في تَوْبِيخِ أُولَئِكَ الأوَّلِينَ كَأنَّهُ يَقُولُ هَؤُلاءِ العابِدُونَ عَلى حَرْفٍ صَحِبَهُمُ القَلَقُ وظَنُّوا أنَّ اللَّهَ لَنْ يَنْصُرَ مُحَمَّدًا ﷺ وأتْباعَهُ، ونَحْنُ إنَّما أمَرْناهم بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ وعْدِنا، فَمَن ظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ويَخْتَلِقْ ويَنْظُرْ هَلْ يَذْهَبُ بِذَلِكَ غَيْظُهُ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وهَذا عَلى جِهَةِ المَثَلِ السّائِرِ قَوْلُهم: دُونَكَ الجَبَلُ فاخْتَنِقْ، يُقالُ ذَلِكَ لِلَّذِي يُرِيدُ مِنَ الأمْرِ ما لا يُمْكِنُهُ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الهاءُ في (يَنْصُرُهُ) لِلرَّسُولِ ﷺ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فالمَعْنى أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا في الدُّنْيا بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، وفي الآخِرَةِ بِإعْلاءِ دَرَجَتِهِ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، والرَّسُولُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الآيَةِ فَفِيها ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو ذِكْرُ الإيمانِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وظانَّ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لِشِدَّةِ غَيْظِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، يَسْتَبْطِئُونَ ما وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ مِنَ النَّصْرِ أوْ أعْرابٌ اسْتَبْطَؤُوا ظُهُورَ الرَّسُولِ ﷺ فَتَباطَؤُوا عَنِ الإسْلامِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (يَنْصُرُهُ) عائِدٌ عَلى (مَن) لِأنَّهُ المَذْكُورُ، وحَقُّ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ عَلى المَذْكُورِ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وحَمَلَ بَعْضُ قائِلِي هَذا القَوْلَ النَّصْرَ هُنا عَلى الرِّزْقِ كَما قالُوا: أرْضٌ مَنصُورَةٌ أيْ مَمْطُورَةٌ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وإنَّكَ لا تُعْطِي امْرَأً فَوْقَ حَقِّهِ ولا تَمْلِكُ الشِّقَّ الَّذِي أنْتَ ناصِرُهُ

أيْ مُعْطِيهِ. وقالَ: وقَفَ عَلَيْنا سائِلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ فَقالَ: مَن يَنْصُرُنِي نَصَرَهُ اللَّهُ، فالمَعْنى مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ فَيَعْدِلُ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ لِهَذا الظَّنِّ كَما وصَفَ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فَلْيَبْلُغْ غايَةَ الجَزَعِ وهو الِاخْتِناقُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَبْلُغُهُ إلّا ما قُدِّرَ لَهُ ولا يَجْعَلُهُ مَرْزُوقًا أكْثَرَ مِمّا قُسِمَ لَهُ، ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ النَّصْرُ عَلى بابِهِ أيْ مِن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيَغْتاظُ لِانْتِفاءِ نَصْرِهِ فَلْيَمْدُدْ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ فَيَغْتاظُ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَلْيَتَحَيَّلْ بِأعْظَمِ الحِيَلِ في نُصْرَةِ اللَّهِ إيّاهُ ثُمَّ لْيَقْطَعِ الحَبْلَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وتَحَيُّلُهُ في إيصالِ النَّصْرِ إلَيْهِ الشَّيْءَ الَّذِي يَغِيظُهُ مِنِ انْتِفاءِ نَصْرِهِ بِتَسَلُّطِ أعْدائِهِ عَلَيْهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا كَلامٌ دَخَلَهُ اخْتِصارٌ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ناصِرُ رَسُولِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَن كانَ يَظُنُّ مِن حاسِدِيهِ وأعادِيهِ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ خِلافَ ذَلِكَ ويَطْمَعُ فِيهِ ويَغِيظُهُ أنَّهُ لا يَظْفَرُ بِمَطْلُوبِهِ فَلْيَسْتَقْصِ وُسْعَهُ ولِيَسْتَفْرِغْ مَجْهُودَهُ في إزالَةِ ما يَغِيظُهُ بِأنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُ مَن بَلَغَ مِنهُ الغَيْظُ كُلَّ مَبْلَغٍ حَتّى مَدَّ حَبْلًا إلى سَماءِ بَيْتِهِ فاخْتَنَقَ، (فَلْيَنْظُرْ) ولِيُصَوِّرْ في نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ هَلْ يُذْهِبُ نَصْرَ اللَّهِ الَّذِي يَغِيظُهُ، وسُمِيَّ الِاخْتِناقُ قَطْعًا لِأنَّ المُخْتَنِقَ يَقْطَعُ نَفْسَهُ بِحَبْسِ مَجارِيهِ، ومِنهُ قِيلٌ لِلْبَهْرِ القَطْعُ وسُمِّيَ فِعْلُهُ كَيْدًا لِأنَّهُ وضَعَهُ مَوْضِعَ الكَيْدِ حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِهِ أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكِدْ بِهِ مَحْسُودَهُ، إنَّما كادَ بِهِ نَفْسَهُ، والمُرادُ (p-٣٥٨)لَيْسَ في يَدِهِ إلّا ما لَيْسَ بِمُذْهَبٍ لِما يَغِيظُهُ.

وقِيلَ (فَلْيَمْدُدْ) بِحَبْلٍ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُظِلَّةِ ولِيَصْعَدْ عَلَيْهِ فَلْيَقْطَعِ الوَحْيَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (يَنْصُرُهُ) عائِدٌ عَلى الدِّينِ والإسْلامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأبَيْنُ وُجُوهِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مَثَلًا ويَكُونُ النَّصْرُ المَعْرُوفَ والقَطْعُ الِاخْتِناقَ والسَّماءُ الِارْتِفاعَ في الهَواءِ سَقْفٌ أوْ شَجَرَةٌ أوْ نَحْوُهُ فَتَأمَّلْهُ، وما في ‏‏ ‏‏‏‏ بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ. وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ الإنْزالِ (أنْزَلْنا) القُرْآنَ كُلَّهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لا تَفاوُتَ في إنْزالِ بَعْضِهِ ولا إنْزالِ كُلِّهِ والهاءُ في (أنْزَلْناهُ) لِلْقُرْآنِ أُضْمِرَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] والتَّقْدِيرُ والأمْرُ ﴿أنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أيْ يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قَلْبِكَ يُرِيدُ هِدايَتَهُ لا خالِقَ لِلْهِدايَةِ إلّا هو.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥajj 22:13